الفقه الإسلامي ( مقروء )
الخلع

الخلع

حاشية رد المحتار

 

الأحناف

 (هو لغة الإزالة) يقال: خلعت النعل وغيره خلعاً: نزعته، وخالعت المرأة زوجها مخالعة: إذا افتدت منه فخلعها هو خلعاً، والاسم الخلع بالضم هو استعارة من خلع اللباس، لأن كل واحد منهما لباس للآخر، فإذا فعلا ذلك فكأن كل واحد نزع لباسه عنه.

وقوله لها خالعتك بلا ذكر مال لا يسمى خلعاً شرعاً، بل هو طلاق بائن غير متوقف على قبولها، بخلاف ما إذا ذكر معه المال أو كان بلفظ المفاعلة أو الأمر فإنَّه لا بد من قبولها كما مر معاوضة من جانبها كما يأتي. والظَّاهر أن خالعتك بلفظ المفاعلة إنما يتوقف على القبول شرط لسقوط المهر لا لوقوع الطَّلاق به، إذ لا يظهر فرق في الوقوع بين خالعتك وخلعتك، وسيأْتي ما يؤيده. تأمل. وفي حكمه الطلاق على مال فلا بد من القبول وإن لم يسمّ خلعاً. وبه ظهر أنه لا فرق عند ذكر المال بين خلعتك خالعتك، وأنه ليس كل ما توقف على قبولها يسمى خلعاً، ولا كل ما كان بلفظ الخلع يتوقف على القبول ويسقط الحقوق.

و مطلق لفظ الخلع محمول على الطَّلاق بعوض؛ حتى لو قال لغيره اخلع امرأتي فخلعها بلا عوض لا يصح. وإذا قال لها اخلعي نفسك فهو على أربعة أوجه: إمَّا أن يقول بكذا فخلعت يصح وإن لم يقل الزوج بعده أجزت أو قبلت على المُخْتار؛ وإما أن يقول بمال لم يقدره أو بما شئت فقالت خلعت نفسي بكذا، ففي ظاهر الرواية لا يتم الخلع ما لم يقبل بعده؛ وإما أن يقول اخلعي ولم يزد عليه فخلعت، فعند أبي يوسف لم يكن خلعاً، وعن محمد تطلق بلا بدل، وبه أخذ كثير من المشايخ؛ والرابع أن يقول بلا مال فخلعت يتم بقولها.

وأما ركنه فهو إذا كان بعوض الإيجاب والقبول لأنه عقد على الطلاق بعوض، فلا تقع الفرقة، ولا يستحق العوض بدون القبول، بخلاف ما إذا قال خالعتك ولم يذكر العوض ونوى الطَّلاقَ فإنه يقع وإن لم تقبل لأنه طلاق بلا عوض فلا يفتقر إلى القبول  وظاهره أن خالعتك مثل خلعتك في أنه بلا ذكر مال لا يتوقف على القبول، وهو خلاف ظاهر ما مر، إلا أن يقال لفظ المفاعلة على القبول شرطاً لكونه مسقطاً للحقوق، بخلاف خلعتك فإنه لا يسقط ولو مع القبول.

وإن قال: خالعتك فقبلت يقع البائن، وكذا إن لم تقبل لأن الطلاق يقع بقوله خالعتك. وإن قال: خالعتك على كذا وسمي مالاً معلوماً لا يقع الطلاق ما لم تقبل، كما لو قال طلقتك على ألف لأنَّه معلِّقٌ على القبول. وأما إذا لم يذكر المال فلا يكون معلقاً على القبول معنى، فيقع الطَّلاق وإن لم تقبل، وإن قال خالعتك على ألف درهم لا يملك الرجوع عنه، وكذا لا يملك فسخه، ولا نهى المرأة عن القبول، وله أن يعلقه بشرط ويضيفه إلى وَقْت، مثل: أذ قدم زيد فقد خالعتك على كذا، أو خالعتك على كذا، غداً أو رأس الشهر والقبول إليها بعد قدوم زيد ومجيء الوَقْت، لأنَّه تطليق عند وجود الشرط والوقت فكان قبولها قبل ذلك لغواً.

شرط الخيار فى الخلع

(وصح شرط الخيار لها) بأن قال خالعتك على كذا على أنك بالخيار ثلاثة أيام فقبلت جاز الشرط عنده، حتى ولو اختارت في المدة وقع الطَّلاق ووجب المال، وإن ردت لا يقع ولا يجب. وعندهما شرط بالخيار باطل والطلاق واقع والمال لازم ، وقال : قيد بخيار الشَّرط لأن خيار الرؤية لا يثبت في الخلع ولا في كل عقد لا يحتمل الفسخ . وأما خيار العيب في بدل الخلع فثابت في العيب الفاحش، وهو ما يخرجه من الجودة إلى الوساطة ومنها إلى الرداءة دون اليسير.

  أَلْفَاظُ الخَلْعِ خَمْسَةٌ

  ألفاظ الخلع خمسة: خالعتك، باينتك، بارأتك، فارقتك طلقي نفسك على ألف. ويزاد عليه لفظ البيع والشِّراء. قوله: (كبعت نفسك) (أو طلاقك) ، ولو قال بعت منك طلاقك بمهرك فقالت طلقت نفسي بانت منه بمهرها بمنزلة قولها اشتريت، وقيل يقع رَجْعياً، والأول أصح. ولو قال بعت منك تطليقك فقال اشتريت يقع رجعياً مجاناً لأنَّه صريحٌ

 أَبْرَأَته مِنْ حَقٍّ يَكُونُ لِلنِّسَاء عَلَى الرِّجَالِ

  وإن قال: أبرئيني من كل حق يكون للنِّساء على الرجال ففعلت، فقال في فوره طلقتك وهي مدخول بها يقع بائناً لأنه بعوض وإذا اختلعت بكل حق لها عليه فلها النفقة ما دامت في العدة لأنها لم يكن لها حق حال الخلع، فقد ظهر أنَّ تَسْميةَ كل حقه لها عليه وكل حق يكون للنساء صحيحة وينصرف إلى القائم لها إذ ذاك

  والحاصل أنَّها إذا اختلعت على شيء غير المهر فهو على أوجه:

  الأول: أن يكون ذلك المسمى غير متقوم كالخمر والميتة فيقع مجاناً.

  الثاني: أن يحتمل كونه مالاً أو غيره ما في بيتها أو يدها في شيء، فإن الشَّيء يَشْمَل المال وغيره، وكذا ما في بطن شاتها أو جاريتها، فإن ما في البطن قد يكون ريحاً، فإن وجد المسمَّى فهو له وإلاّ وقع مجاناً.

  الثالث: أن يكون مالاً سيوجد ما تثمر نخيلها أو تلد غنمها العام أو ما تكتسب العام، فعليها رد ما قبضت من المهر سواء وجد ذلك أو لا.

  الرَّابع: أَنْ يكونَ مالاً لكنه لا يوقف على قدر مثل ما في بيتها أو يدها من المتاع أو ما في نخيلها من الثمار أو ما في بطون غنمها من الولد، فإن وجد منه شيء فهو له، وإلاَّ ردت ما قبضت من المَهْر.

  الخامس: أن يكون مالاً له مقدار معلوم مثل ما في يدها من دراهم، فإن أقله ثلاث فكان مقداره ومعلوماً له الثلاثة أو الأكثر.

  السَّادس: إذا سمت مالاً وأشارت إلى غير مال كهذا الخل فإذا هو خمر، فإن علم بأنه خمر فلا شيء له وإلاَّ رجع بالمَهْرِ،

وفي «الفتاوي»: رجل خلع امرأته بمالها عليه من المهر ظناً منه أن لها عليه بقية المَهْر ثمَّ تذكر أنه لم يبق لها عليه شيء من المهر وقع الطلاق عليها بمهرها فيجب عليها أن تردّ المهر إن قبضته، أما إذا علم أن لا مهر لها عليه بأن وهبت صح الخلع ولا ترد على الزَّوج شيئاً، كما إذا خالعها على ما في هذا البيت من المتاع وعلم أنه لا متاع في هذا البيت. وكذا على ما في يدها من المال وعلم أنه ليس في يدها شيء  معناه أنها إن وجدته سلمته وإلاَّ فلا شيءَ عليها،

 

 

المبسوط

 (وإذا اختلعت المرأة من زوجها فالخلع جائز والخلع تطليقة بائنة عندنا) وقال الشافعي ـ رحمه الله ـ هو فسخ وهو مروى عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وقد روى رجوعه إلى قول عامة الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ.

  استدل الشافعي بقوله تعالى: {الطلاق مرتان} (البقرة: 229) إلى أن قال: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} (البقرة: 229) إلى أن قال: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} (البقرة: 230) فلو جعلنا الخلع طلاقاً صارت التطليقات أربعاً في سياق هذه الآية ولا يكون الطلاق أكثر من ثلاث، ولأن النكاح عقد محتمل للفسخ حتى يفسخ بخيار عدم الكفاءة وخيار العتق وخيار البلوغ عندكم فيحتمل الفسخ بالتراضي أيضاً وذلك بالخلع، واعتبر هذه المعاوضة المحتملة للفسخ بالبيع والشراء في جواز فسخها بالتراضي.

  (ولنا) ما روي عن عمر وعلي وابن مسعود ـ رضي الله عنهم ـ موقوفاً عليهم ومرفوعاً إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم  ـ الخلع تطليقة بائنة .

  والمعنى فيه أن النكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه.

  ألا ترى أنه لا يفسخ بالهلاك قبل التسليم، فإن الملك الثابت به ضروري لا يظهر إلا في حق الاستيفاء وقد قررنا هذا في النكاح وبينا أن الفسخ بسبب عدم الكفاءة فسخ قبل التمام فكان في معنى الامتناع من الإتمام وكذل في خيار البلوغ والعتق.

  فأما الخلع يكون بعد تمام العقد والنكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه، ولكن يحتمل القطع في الحال فيجعل لفظ الخلع عبارة عن رفع العقد في الحال مجازاً وذلك إنما يكون بالطلاق. ألا ترى أن الرجل يقول خلعت الخف من رجلي يريد به الفصل في الحال.

  فأما الآية فقد ذكر الله تعالى التطليقة الثالثة بعوض وبغير عوض، وبهذا لا يصير الطلاق أربعاً.

  وفائدة هذا الاختلاف أنه لو خالعها بعد تطليقتين عندنا لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

  وعنده له أن يتزوجها.

  وإن نوى بالخلع ثلاث تطليقات فهي ثلاث لأنه بمنزلة ألفاظ الكناية وقد بينا أن نية الثلاث تسع هناك، فكذلك في الخلع.

  وإن نوى اثنتين فهي واحدة بائنة.

  وعلى قول زفر ـ رحمه الله تعالى ـ اثنتان كما في لفظ الحرمة والبينونة وكذلك كل طلاق بجعل فهو بائن؛ لأن الزوج ملك البدل عليها فتصير هي بمقابلته أملك لنفسها ولأن غرضها من التزام البدل أن تتخلص من الزوج ولا يحصل ذلك إلا بوقوع البينونة فإن قال الزوج لم أعن بالخلع طلاقاً، وقد أخذ عليه جعلا لم يصدق في الحكم؛ لأنه أخذ الجعل على سبيل التملك ولا يتملك ذلك إلاّ بوقوع الطلاق عليها فكان ذلك أدل على قصده الطلاق من حال مذاكرة الطلاق، ولكن فيما بينه وبين الله تعالى يسعه أن يقيم معها لأن الله تعالى عالم بما في سره إلا أنه لا يسع المرأة أن تقيم معه؛ لأنها لا تعرف منه إلا الظاهر كالقاضي.

  (قال) (والمبارأة بمنزلة الخلع في جميع ذلك) لأنه مشتق من البراءة وهو أدل على قطع الوصلة من الخلع، وإذا جعل الخلع تطليقة بائنة فالمبارأة أولى، وللمختلعة. والمبارأة النفقة والسكنى ما دامت في العدة هكذا نقل عن علي ـ رضي الله عنه ـ وهذا لأن النفقة لم تجب قبل مجيء وقتها فلا يتناولها الخلع والبراءة العامة وإنما ينصرف مطلق اللفظ إلى ما هو واجب.

  (قال) (فإن كان الزوج اشترط عليها البراءة من النفقة والسكنى فهو بريء من النفقة) لأنها أسقطت حقها، ووجوب النفقة لها في العدة باعتبار حالة الفرقة حتى إذا كانت ممن لا تستحق النفقة عند ذلك لا تستحقه من بعد فيصح إسقاطها، ولكن في ضمن الخلع تبعاً له حتى لو أسقطت نفقتها بعد الخلع بإبراء الزوج عنها لا يصح ذلك؛ لأنها مقصودة بالإسقاط فلا يكون إلا بعد وجوبها وهي تجب شيئاً فشيئاً بحسب المدة ولا يصح ابراؤها عن السكنى في الخلع؛ لأن خروجها من بيت الزوج معصية قالوا ولو أبرأته عن مؤنة السكنى بأن سكنت في بيت نفسها، أو التزمت مؤنة السكنى من مالها صح ذلك مشروطاً في الخلع؛ لأنه خالص حقها.

  (قال) (والخلع جائز عند السلطان وغيره) لأنه عقد يعتمد التراضي كسائر العقود وهو بمنزلة الطلاق بعوض وللزوج ولاية إيقاع الطلاق ولها ولاية التزام العوض فلا معنى لاشتراط حضرة السلطان في هذا العقد.

  (قال) (وإن قال لامرأته قد خالعتك، أو بارأتك، أو طلقتك بألف درهم فالقبول إليها في مجلسها) والحاصل أن إيجاب الخلع من الزوج في المعنى تعليق الطلاق بشرط قبولها لأن العوض الذي من جانبه في هذا العقد طلاق وهو محتمل للتعليق بالشرط، ولهذا لا يبطل بقيامه عن المجلس ويصح منه.

  وإن كانت غائبة حتى إذا بلغها فقبلت في مجلسها تم، وإن قامت من مجلسها قبل أن تقبل بطل ذلك بمنزلة تعليق الطلاق بمشيئتها وتمليك الأمر منها؛ لأنها تقدر على المشيئة في مجلسها فيبطل بقيامها فكذلك تقدر على القبول قبل ذلك، والذي من جانبها في الخلع التزام المال فيكون بمنزلة البيع والشراء لا يحتمل التعليق بالشرط حتى إذا بدأت فقالت اخلعني، أو بارئني، أو طلقني بألف درهم فإنه يبطل بقيامها عن المجلس قبل قبول الزوج، وكذلك بقيام الزوج عن المجلس قبل القبول كما يبطل ايجاب البيع بقيام أحدهما عن المجلس قبل قبول الآخر، وكذلك إن كان الزوج غائباً حين قالت هذه المقالة لا تتوقف على قبوله إذا بلغه، كما لا يتوقف إيجاب البيع على قبول المشتري إذا كان غائباً.

  (قال) (فإن قالت طلقني ثلاثاً بألف درهم فطلقها واحدة فله ثلث الألف) لأن حرف الباء يصحب الأبدال والأعواض، والعوض ينقسم على المعوض فهي لما التمست الثلث بألف فقد جعلت بإزاء كل تطليقة ثلث الألف، ثم فيما صنع الزوج منفعة لها؛ لأنها رضيت بوجوب جميع الألف عليها بمقابلة التخلص من زوجها فتكون أرضى بوجوب ثلث الألف عليها إذا تخلصت من زوجها وبالواحدة تتخلص منه، وهذا بخلاف ما لو كان الزوج قال لها أنت طالق ثلاثاً بألف فقبلت واحدة لم يقع شيء، لأنه لو وقعت الواحدة لوقعت بثلث الألف والزوج ما رضي بزوال ملكه عنها ما لم يجب عليها جميع الألف.

  وبخلاف ما لو قال هذه طالق وهذه بألف فقبلت إحداهما وقع الطلاق عليها بنصف الألف؛ لأن الزوج هناك راض بوقوع الفرقة بينه وبين إحداهما إذا وجبت عليها حصتها من المال فإن نكاح إحداهما لا يتصل بنكاح الأخرى.

  (قال) (ولو طلقها ثلاثاً في كلام متفرق في مجلس واحد في القياس يلزمها ثلث الألف) لأنها بانت بالأولى فلزمها ثلث الألف فهو بإيقاع الثانية والثالثة بعد ذلك لا يستوجب عليها عوضاً آخر، وفي الاستحسان يقع عليها ثلاث تطليقات بجميع الألف؛ لأن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة ويجعلها ككلام واحد فكأنه أوقع الثلاث عليها بكلام واحد فيلزمها جميع الألف.

  (قال) (ولو كانت قالت له طلقني ثلاثاً على ألف درهم، أو على أن لك علي ألف درهم فطلقها واحدة قال أبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ تقع تطليقة رجعية وليس عليها شيء من الألف، وقال أبو يوسف ومحمد ـ رحمهما الله تعالى ـ يقع عليها تطليقة بائنة بثلث الألف) وحجتهما في ذلك أن الخلع من عقود المعاوضات، وحرف على في المعاوضات كحرف الباء. ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول بعت منك هذا المتاع بدرهم، أو على درهم.

  وكذلك لا فرق بين أن يقول احمل هذا المتاع إلى موضع كذا بدرهم أو على درهم، فإذا كان عند حرف الباء تتوزع الألف على التطليقات الثلاث فكذلك عند ذكر حرف على يدل عليه أنها لو قالت طلقني وفلانة على ألف درهم فطلقها وحدها كان عليها حصتها من المال بمنزلة ما لو التمست بحرف الباء فكذلك هنا.

(قال) (وإذا طلق الرجل امرأته وهي في العدة بعد الخلع على جعل وقع الطلاق ولم يثبت الجعل وكذلك البائنة بعد الخلع) يعني إذا قال لها أنت بائن، ثم طلقها على جعل في العدة؛ لأنها باعتبار قيام العدة محل للطلاق، والطلاق يجعل تعليقاً من الزوج بشرط القبول وقد قبلت ولا يجب  عليها الجعل؛ لأن وجوب الجعل عليها باعتبار زوال ملك الزوج عنها، وذلك لا يحصل بعد البينونة ولكن امتناع وجوب المقبول لا يمنع صحة القبول في حكم وقوع الطلاق كما لو خالعها ببدل فاسد كالخمر والخنزير.

  خلع السكران :

  (قال) (وخلع السكران وطلاقه وعتاقه واقع عندنا) وفي أحد قولي الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ لا يقع وهو اختيار الكرخي؛ والطحاوي وقد نقل ذلك عن عثمان، وهذا لأنه ليس للسكران قصد صحيح، والإيقاع يعتمد القصد الصحيح ولهذا لا يصح من الصبي والمجنون.

  ألا ترى أنه لو سكر من شرب البنج لم يقع طلاقه، فكذلك إذا سكر من النبيذ، ولأن غفلته عن نفسه فوق غفلة النائم، فإن النائم ينتبه إذا نبه، والسكران لا ينتبه، ثم طلاق النائم لا يقع فطلاق السكران أولى، ولا معنى لقول من يقول غفلته هنا بسبب المعصية وذلك سبب للتشديد عليه لا للتخفيف، فإن السكران لو ارتد لم تصح ردته بالإتفاق ولا تقع الفرقة بينه وبين امرأته ولو اعتبر هذا المعنى لحكم بصحة ردته.

  وحجتنا ما روينا كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه، ولأن السكران مخاطب فإذا صادف تصرفه محله نفذ كالصاحي، ودليل الوصف قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} (النساء: 43) فإن كان خطاباً له في حال سكره فهو نص، وإن كان خطاباً له قبل سكره فهو دليل على أنه مخاطب في حال سكره؛ لأنه لا يقال إذا جننت فلا تفعل كذا، وهذا لأن الخطاب إنما يتوجه باعتدال الحال ولكنه أمر باطن لا يوقف على حقيقته فيقام السبب الظاهر الدال عليه وهو البلوغ عن عقل مقامه تيسيراً، وبالسكر لا ينعدم هذا المعنى فإذا ثبت أنه مخاطب قلنا غفلته عن نفسه لما كانت بسبب هو معصية ولا يستحق به التخفيف لم يكن ذلك عذراً في المنع من نفوذ شيء من تصرفاته بعدما تقرر سببه؛ لأن بالسكر لا يزول عقله إنما يعجز عن استعماله لغلبة السرور عليه بخلاف البنج فإنّ غفلته ليست بسبب هو معصية وما يعتريه نوع مرض لا أن يكون سكراً حقيقة فيكون بمنزلة الإغماء وبخلاف النائم، لأن النوم يمنعه من العمل، فلانعدام الإيقاع نقول إنه لا يقع، والسكر لا يمنعه من العمل مع أن الغفلة بسبب النوم لم تكن عن معصية وهذا بخلاف الردة فإن الركن فيها الاعتقاد، والسكران غير معتقد لما يقول فلا يحكم بردته، لانعدام ركنها لا للتخفيف عليه بعد تقرر السبب.

خلع المكره :

 (خلع المكره وطلاقه وعتاقه جائز عندنا) وهو باطل عند الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ فتأثير الإكراه عنده في إلغاء عبارة المكره كتأثير الصبي والجنون.

  وعندنا تأثير الإكراه في انعدام الرضا لا في اهدار القول حتى تنعقد تصرفات المكره، ولكن ما يعتمد لزومه تمام الرضا كالبيع والشراء لا يلزم منه وما لا يعتمد تمام الرضا كالنكاح والطلاق والعتاق يلزم منه.

  وحجته في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ـ «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» فهذا يقتضي أن عين ما أكره عليه فحكمه وإثمه يكون مرفوعاً عنه.

  والمعنى فيه أن هذه فرقة يعتمد سببها القول فلا تصح من المكره كالردة وتأثيره أن القول إنما يعتبر شرعاً إذا صدر عن قصد صحيح وبسبب الاكراه ينعدم ذلك القصد لأن المكره يقصد دفع الشر عن نفسه لا عين ما تكلم به وهو مضطر إلى هذا القصد والاختيار أيضاً فيفسد قصده شرعاً.

  ألا ترى أنه لو أكره على الاقرار بالطلاق كان اقراره لغواً لهذا يقرره أن تأثير الاكراه المبيح للاقدام في جعل المكره آلة للمكره وإعدام الفعل من المكره كما في الإكراه على إتلاف المال فيجعل المكره آلة ويصير كأن المكره هو الذي تكلم بالإيقاع فيكون لغواً.

وحجتنا في ذلك ما روي أن امرأة كانت تبغض زوجها فوجدته نائماً فأخذت شفرة وجلست على صدره ثم حركته فقالت لتطلقني ثلاثاً، أو لأذبحنك فناشدها الله تعالى فأبت فطلقها ثلاثاً، ثم جاء إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسأله عن ذلك؟ فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا قيلولة في الطلاق».

وبسبب الإكراه لا ينعدم القصد الصحيح فإن المكره يقصد ما باشره، ولكن لغيره وهو دفع الشر عن نفسه لا لعينه فهو كالهازل يكون قاصداً التكلم بالطلاق ولكن للعبث لا لعينه، ثم الهزل لا يمنع وقوع الطلاق فكذلك الإكراه، وللمكره اختيار صحيح؛ لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما وهذا دليل صحة اختياره

خلع الصبى والمعتوه والمغمى عليه :

  (قال) (وخلع الصبي وطلاقه باطل) لأنه ليس له قصد معتبر شرعاً خصوصاً فيما يضره، وهذا لما بينا أن اعتبار القصد ينبني على الخطاب، والخطاب ينبني على اعتدال الحال، وكذلك فعل أبيه عليه في الطلاق باطل؛ لأن الولاية إنما تثبت على الصبي لمعنى النظر له ولتحقق الحاجة إليه وذلك لا يتحقق في الطلاق والعتاق.

  (قال) (والمعتوه والمغمى عليه من مرض بمنزلة الصبي في ذلك) لانعدام القصد الصحيح منهما.

  (قال) (وإذا اختلعت الصبية من زوجها الكبير فالطلاق واقع عليها) لأن الزوج من أهل الإيقاع وإيجاب الخلع تعليق الطلاق بشرط قبولها وقد تحقق القبول منها فيقع كما لو قال لها إن تكلمت فأنت طالق فتكلمت ولكن لا يلزمها المال؛ لأن التزام المال من الصبية لا يصح خصوصاً فيما لا منفعة لها فيه كالإلتزام بالإقرار والكفالة، وقد بينا أن وقوع الطلاق يعتمد القبول لا وجود المقبول.

  التوكيل فى الخلع :

  (قال) (وإذا وكل أحد الزوجين صبياً، أو معتوهاً، أو مملوكاً بالقيام مقامه بالخلع والاختلاع جاز ذلك) لأن الوكيل بهذا العقد سفير معبر عن الموكل، ولهؤلاء عبارة معتبرة حتى ينفذ تصرفهم بإذن المولى فينفذ العقد بعبارتهم أيضاً.

 

  (قال) (وإذا اختلعت بمال ودفعته إليه ثم أقامت البينة أنه طلقها ثلاثاً قبل الخلع كان لها أن ترجع عليه بالمال) لأنه تبين بهذا أن البينونة لم تحصل بما التزمت من المال فلا يكون التزامها صحيحاً وإقدامها على الخلع لا يمنعها من إقامة هذه البينة؛ لأن دعواها في قبول البينة على الطلاق ليس بشرط، فالتناقض منها لا يمنع قبول البينة، وكذلك لو أقامت البينة على حرمة بنسب أو رضاع أو مصاهرة.

  (قال) (وإذا قالت المرأة اخلعني ولك ألف درهم، أو قالت طلقني ولك ألف درهم ففعل وقع الطلاق ولم يجب المال عليها عند أبي حنيفة) وعند أبي يوسف ومحمد ـ رحمهما الله ـ يجب المال لوجهين أحدهما أن الواو وإن كان للعطف حقيقة فقد يستعمل بمعنى الباء مجازاً كما في القسم، فإن قوله والله كقوله بالله فقولها ولك ألف بمنزلة قولها طلقني بألف، أو يعني طلاقي بألف، وإنما حملناه على هذا المجاز لمعنى المعاوضة؛ لأن الخلع معاوضة وفي المعاوضات لا يعطف أحد العوضين على الآخر إنما يلصق أحدهما بالآخر.

  (قال) (وإذا قالت طلقني ولك ألف درهم فقال أنت طالق على هذه الألف التي سميت فعند أبي يوسف ومحمد ـ رحمهما الله تعالى ـ الطلاق واقع والمال عليها قبلت أو لم تقبل) لأنها بالكلام الأول ملتزمة للمال عندهما فبقي.

 

  (قال) (وإذا قال الرجل طلقتك أمس بألف درهم أو على ألف درهم فلم تقبلي وقالت قد قبلت فالقول قول الزوج مع يمينه) لأن إيجاب الطلاق بمال تعليق بقبولها فالزوج أقر بالتعليق وأنكر وجود الشرط فكان القول قوله كما لو علق بدخولها فقالت قد دخلت وأنكر الزوج ذلك

  (قال) (وإذا قال لها قد طلقتك واحدة بألف درهم وقبلت وقالت هي إنما سألتك أن تطلقني ثلاثاً بألف درهم وإنما طلقتني واحدة فإنما لك ثلث الألف فالقول قولها مع يمينها) لأنهما اتفقا على وقوع الواحدة عليها وإنما تنازعا في المال فهو يدعي الزيادة عليها وهي تنكر فالقول قولها،

(قال) (وإذا خلع الرجل امرأتيه على ألف درهم، فإن الألف تنقسم على مهريهما الذي تزوجهما عليهما) لأنه سمى الألف بمقابلة شيئين ومقتضى هذه التسمية الإنقسام باعتبار القيمة كما لو اشترى عبدين بألف درهم إلا أن البضع عند خروجه من ملك الزوج غير متقوم فوجب المصير إلى أقرب الأشياء إليه وذلك المهر الذي تزوجها عليه. ألا ترى أن في الكتابة الفاسدة على العبد قيمة نفسه بعدما يعتق؛ لأن ما هو المعقود عليه هو ملك اليد والمكاسب ليست بمتقومة فيصار إلى قيمة أقرب الأشياء إليه وهو الرقبة ثم الأصل في الخلع إن النشوز إذا كان من الزوج فلا يحل له أن يأخذ منها شيئاً بإزاء الطلاق لقوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} (النساء: 20) إلى أن قال: {فلا تأخذوا منه شيئاً} (النساء: 20) وإن كان النشوز من قبلها فله أن يأخذ منها بالخلع مقدار ما ساق إليها من الصداق لقوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} (البقرة: 229) ولو أراد أن يأخذ منها زيادة على ما ساق إليها فذلك مكروه في رواية الطلاق.

وقد ورد فى كتب الحديث ما روي أن جميلة بنت سلول ـ رحمها الله تعالى ـ كانت تحت ثابت بن قيس ـ رحمه الله تعالى ـ فجاءت إلى رسول الله ـ € ـ فقالت لا أعيب على ثابت بن قيس في دين ولا خلق، ولكني أخشى الكفر في الإسلام لشدة بغضي إياه فقال €: «أتردين عليه حديقته» فقالت نعم وزيادة فقال صلوات الله عليه وسلم أما الزيادة فلا.

  وروي أنه قال لثابت أخلعها بالحديقة، ولا تزدد ولأنه لا يملكها شيئاً إنما يرفع العقد فيحل له أن يأخذ منها قدر ما ساق إليها بالعقد، ولا يحل له الزيادة على ذلك.

  ووجه رواية الجامع الصغير: ما روي أن امرأة ناشزة أتى بها عمر ـ رضي الله عنه ـ فحبسها في مزبلة ثلاثة أيام ثم دعاها وقال كيف وجدت مبيتك فقالت ما مضت علي ليال هن أقر لعيني من هذه الليالي؛ لأني لم أره فقال عمر ـ رضي الله عنه ـ وهل يكون النشوز إلا هكذا إخلعها ولو بقرطها.

  وعن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن مولاة اختلعت بكل شيء لها، فلم يعب ذلك عليها.

  وعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ لو اختلعت بكل شيء لأجزت ذلك، وهذا لأن جواز أخذ المال هنا بطريق الزجر لها عن النشوز ولهذا لا يحل إذا كان النشوز من الزوج وهذا لا يختص بما ساق إليها من المهر دون غيره، فأما في الحكم الخلع صحيح والمال واجب في جميع الفصول عندنا، وعند نفاة القياس لا يجب المال إذا كان النشوز من الزوج ولا تجب الزيادة إذا كان النشوز منها لقوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً} (البقرة: 229) إلى أن قال: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} (البقرة: 229) وقال ابن جريج يعني في الزيادة والاعتداء يكون ظلماً والمال لا يجب بالظلم، ولكنا نستدل بما روينا من الآثار. وتأويل الآية في الحل والحرمة لا في منع وجوب أصل المال.

 

  (قال) (وإذا ادعت المرأة الخلع وأنكره الزوج فأقامت شاهدين شهد أحدهما بالخلع بألف، والآخر بألف وخمسمائة فالشهادة باطلة) لأنها تدعي أحد الأمرين لا محالة فتكون مكذبة للشاهد الآخر، ولأن الخلع في جانبها قياس البيع، وشهود البيع إذا اختلفوا في جنس الثمن، أو في مقداره بطلت الشهادة، فكذلك هنا إذا اختلفا في جنس الجعل كالعرض، والعبد أو كالعرض والدراهم فالشهادة باطلة، لأن كل واحد منهما شهد بالطلاق لعوض آخر ولا يمكن إيجاب واحد من العوضين عليها فلو حكم بالطلاق لحكم بالطلاق بغير عوض وقد اتفقا أن الزوج ما أوقع الطلاق بغير عوض.

  (قال) (ولو كان الزوج هو المدعي للخلع والمرأة منكرة فشهد أحد الشاهدين بألف والآخر بألف وخمسمائة، فإن كان الزوج يدعي ألفاً وخمسمائة جازت شهادتهما على الألف) لأن الطلاق قد وقع بإقرار الزوج بقي منه دعوى المال، ومن ادعى على غيره ألفاً وخمسمائة فشهد له شاهدان شهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة تقبل شهادتهما على الألف لاتفاق الشاهدين عليها لفظاً ومعنىً.

 

  (قال) (وإذا اختلعت بما في بيتها من شيء فهو جائز، وكلما يكون في بيتها في تلك الساعة فهو له) لأن بالإشارة إلى المحل تنقطع المنازعة بينهما بسبب الجهالة وإن لم يكن فيه شيء فلا شيء له عليها؛ لأنها لم تغر الزوج بتسمية الشيء فإنه ينطلق على ما لا قيمة له فلهذا يلزمها شيء وفي هذا الفصل في النكاح يجب مهر المثل، ولكن باعتبار أن تسمية الشيء لغو من الزوج فكأنه تزوجها على غير مهر فلها مهر مثلها وهنا يصير كأنه خلعها بغير شيء فلا شيء عليها، وهذا لأن البضع عند دخوله في ملك الزوج متقوم بمهر المثل ولا قيمة للبضع عند خروجه عن ملكه.

  (قال) (وإذا اختلعت على ما في بيتها من متاع فله ما فيه، فإن لم يكن فيه شيء رجع عليها بالمهر الذي أخذت منه) لأنها غرته بتسمية المتاع فإنه اسم لما يكون متقوماً منتفعاً به .

 

  (قال) (وإن اختلعت منه بحكمه، أو بحكمها، أو بحكم أجنبي فهو جائز كما في الصداق، إلا أن هناك المعيار مهر المثل وهنا المعيار ما أعطاها، فإن اختلعت بحكمه فحكم الزوج عليها بمقدار ما أعطاها أو بأقل فذلك صحيح)

  والحاصل أن الخلع والمبارأة عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ توجبان براءة كل واحد منهما عن صاحبه من الحقوق الواجبة بالنكاح حتى لا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء بعد ذلك.

  الموت بعد الخلع :

  و إذا ماتت قبل انقضاء العدة فسبب ميراثه باق ببقاء العدة ويجوز أن يكون قصدها بهذا الخلع إيصال المنفعة المالية إلى الزوج ولكن هذه التهمة في الزيادة على قدر ميراثه فأما في الأقل فلا تهمة فلهذا كان له الأقل من ميراثه ومما سمت له.

  وإذا ماتت بعد انقضاء العدة فليس بينهما سبب التوارث عند موتها فيكون له جميع المسمى من الثلث بمنزلة ما لو أوصت له، أو أقرت له بشيء بعدما طلقها ثلاثاً.

  وإن كان لم يدخل بها فاختلعت منه في مرضها بمهرها فنقول: أما نصف المهر فقد سقط عن الزوج بالطلاق قبل الدخول لا من جهتها والنصف الباقي له من ثلث مالها؛ لأن ذلك القدر بمنزلة الوصية منها له وليس بينهما سبب التوارث إذا كان الطلاق قبل الدخول فلا معنى لاعتبار الأقل وكذلك إن كانت اختلعت منه بأكثر من مهرها فنصف المهر سقط بالطلاق قبل الدخول والنصف الباقي مع الزيادة للزوج من ثلث مالها، فإن برئت من مرضها فله جميع المسمى بمنزلة ما لو خالعها في صحتها.

التوكيل فى الخلع :

(قال) (وإذا وكل رجل رجلاً أن يخلع امرأته فقام الوكيل من مجلسه قبل أن يخلعها فهو على وكالته) لأن مطلق التوكيل لا يتوقت بالمجلس كما في سائر العقود، وهذا لأن المطلوب من الوكيل تحصيل مقصود الموكل والمجلس وما بعده في هذا سواء وهذا بخلاف ما لو قال لها أمرك بيدك؛ لأن ذلك تمليك الأمر منها، وجواب التمليك يقتصر على المجلس وهذا إنابة له مناب نفسه في عقد الخلع فيصير نائباً عنه ما لم يعزله كما لو قال له طلقها.

  (قال) (وإذا وكل رجلين بالخلع فخلع أحدهما لم يجز) لأن الخلع عقد معاوضة يحتاج فيه إلى الرأي والتدبير وهو إنما رضي برأي المثنى ورأي الواحد لا يكون كرأي المثنى فلا يحصل مقصوده إذا انفرد أحدهما به كما في البيع بخلاف ما لو قال طلقاها فطلقها أحدهما جاز؛ لأن إيقاع الطلاق مجرد عبارة لا يحتاج فيه إلى الرأي والتدبير وعبارة الواحد وعبارة المثنى سواء وما هو مقصود الزوج يحصل بإيقاع أحدهما.

 

 

شافعى

روضة الطالبين

 

معناه : 

هو الفرقة بعوض يأخذه الزوج، وأصل الخلع مجمع على جوازه، وسواء في جوازه خالع على الصداق أو بعضه، أو مال آخر أقل من الصداق، أو أكثر، ويصح في حالتي الشقاق والوفاق، ثم لا كراهة فيه إن جرى في حال الشقاق، أو كانت تكره صحبته لسوء خلقه أو دينه، أو تحرجت من الإخلال ببعض حقوقه، أو ضربها تأديباً فافتدت. وألحق الشيخ أبو حامد به ما إذا منعها نفقة أو غيرها فافتدت لتتخلص منه. وإن كان الزوج يكره صحبتها، فأساء عشرتها، ومنعها بعض حقها حتى ضجرت وافتدت، كره الخلع وإن كان نافذا، ويأثم الزوج بفعله. وفي وجه، منعه حقها كالإكراه على الخلع بالضرب وما في معناه، وإذا أكرهها بالضرب ونحوه فاختلعت ، فقالت مبتدئة: خالعني على كذا ففعل، لم يصح الخلع، ويكون الطلاق رجعياً إن لم يسم مالاً. وإن سماه، لم يقع الطلاق، لأنها لم تقبل مختارة، ولو ابتدأ وقال: طلقتك على كذا وأكرهها بالضرب على القبول، لم يقع شىء، وإذا ادعت أنه أكرهها على بذل مال عوضاً عن الطلاق وأقامت بينة، فالمال مردود إليها، والطلاق واقع، وله الرجعة، نص عليه. قال الأصحاب: موضع الرجعة ما إذا لم يعترف بالخلع، بل أنكر المال أو سكت. فأما إذا اعترف بالخلع وأنكر الإكراه، فالطلاق بائن بقوله، ولا رجعة. ولو زنت فمنعها بعض حقها فافتدت بمال، صح الخلع، وحل له أخذه. وعلى هذا حمل قول الله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} ومن جعل منع الحق كالإكراه بالضرب قال: لا يحل الأخذ. ولو أمسكها عنده وحبسها ليرثها فماتت، ورثها على المشهور. وحكى ابن كج والحناطي قولاً أنه لا يرثها.

 فصــل في حقيقة الخلع:

 فإن فارقها على عوض بلفظ الطلاق، فهو طلاق سواء فيه صريح الطلاق وكناياته. وإن لم يجز إلا لفظ الخلع، فقولان. الجديد، أنه طلاق ينقص به العدد، وإذا خالعها ثلاث مرات، لم ينكحها إلا بمحلل، والقديم: أنه فسخ لا ينقص به العدد. ويجوز تجديد نكاحها بعد الخلع بلا حصر، والجديد هو الأظهر عند جمهور الأصحاب ، فإن قلنا: فسخ، فلفظ الخلع صريح فيه، ولو قال: فسخت نكاحك بألف فقبلت، أو قال: فاديتك بألف فقالت: قبلت أو افتديت، فوجهان. أصحهما: أنه صريح. والثاني: كناية.

 فــرع : الخلع بالكنايات :

  يصح الخلع بجميع كنايات الطلاق مع النية إن جعلناه طلاقاً، وإن جعلناه فسخاً، فهل للكنايات فيه مدخل؟ وجهان. أصحهما: نعم. فإن نوى الطلاق، أو الفسخ، كان ما نوى. وإن نوى الخلع، عاد الخلاف في أنه فسخ أم طلاق؟ ولو قال: خالعت نصفك أو يدك على كذا، أو خالعتك شهراً على كذا، نفذ إن جعلناه طلاقاً، والقول في المال الواجب سيأتي إن شاء الله تعالى، ولا ينفذ إن جعلناه فسخاً.

 فــرع : الخلع بغير العربية :

  ترجمة الخلع بسائر اللغات، كلفظة العربي، ولا يجيء فيه الخلاف السابق في النكاح.

 فــرع : الخلع بلفظ البيع والشراء :

  لفظ البيع والشراء كناية في الخلع، سواء جعل فسخاً أم طلاقاً، وذلك بأن يقول: بعتك نفسك بكذا، فتقول: اشتريت أو قبلت، ولفظ الإقالة كناية أيضاً فيه، وبيع الطلاق بالمهر من جهة الزوج، وبيع المهر بالطلاق من جهتها يعبر بهما عن الخلع، وليكونا كنايتين، كقوله: بعتك نفسك. وقوله : بعتك طلاقك بكذا منزلة قوله: ملكتك طلاقك بكذا، حتى إذا طلقت في المجلس، لزم المال ووقع الطلاق. وإن نويا مجرد بيع الطلاق وشرائه من غير إيقاع طلاق منها، وبغير نيّة طلاق منه، فهذا التصرف فاسد، والنكاح باق بحاله.

فــرع : خلع الهازل :

  تخالعا هازلين، نفذ إن قلنا: إنه طلاق، وإن قلنا: فسخ، فهو كبيع الهازل، وفيه خلاف سبق.

فــرع:فيما يلحق به الخلع من الأصول

إن جعلنا الخلع فسخاً، فهو معاوضة محضة من الجانبين لا مدخل للتعليق فيه، بل هو كابتداء النكاح والبيع. فلو قال: خالعتك بمائة فقبلت بخمسين، أو قالت: خالعني بمائة فخالعها بخمسين، أو قالت: بخمسين فخالعها بمائة، لم يصح كالبيع.

  وبالله التوفيق.

 

الظاهرية

المحلى بالآثار

 

الخلع (الافتداء)

الخلع، وهو: الافتداء إذا كرهت المرأة زوجها، فخافت أن لا توفيه حقه، أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها، فلها أن تفتدي منه ويطلقها، إن رضي هو؟ وإلا لم يجبر هو؟ ولا أجبرت هي؟ إنما يجوز بتراضيهما.

  ولا يحل الافتداء إلا بأحد الوجهين المذكورين، أو باجتماعهما، فإن وقع بغيرهما فهو باطل، ويرد عليها ما أخذ منها، وهي امرأته كما كانت، ويبطل طلاقه ويمنع من ظلمها فقط.

  ولها أن تفتدي بجميع ما تملك، وهو طلاق رجعي، إلا أن يطلقها ثلاثاً، أو آخر ثلاث، أو تكون غير موطوءة.

  فإن راجعها في العدة جاز ذلك أحبت أم كرهت ويرد ما أخذ منها إليها.

  ويجوز الفداء بخدمة محدودة، ولا يجوز بمال مجهول، لكن بمعروف محدود، مرئي، معلوم، أو موصوف.

  واختلف الناس في الخلع؟ فلم تجزه طائفة، واختلف الذين أجازوه؟ فقالت طائفة: لا يجوز إلا بإذن السلطان.

  وقالت طائفة: هو طلاق وقالت طائفة: ليس طلاقاً.

  ثم اختلف القائلون: أنه طلاق:

  فقالت طائفة: هو رجعي كما قلنا؟ وقالت طائفة: هو بائن.

  وقالت طائفة: لا يحوز إلا بما أصدقها، لا بأكثر.

  وقالت طائفة منهم: فإن أخذ أكثر أحببنا له أن يتصدق به.

  وقالت طائفة: يجوز بكل ما تملك.

  وقالت طائفة: لا يجوز الخلع إلا مع خوف نشوزه وإعراضه، أو أن لا تقيم معه حدود الله تعالى.

  وقالت طائفة: يجوز بتراضيهما، وإن لم يكن هنالك خوف نشوز أو خوف أن لا تقام حدود الله تعالى.

  وقالت طائفة: لا يجوز الخلع إلا بأن يجد على بطنها رجلاً.

  وقالت طائفة: لا يجوز الخلع إلا بأن تقول: لا أطيع لك أمراً، ولا أغتسل لك من جنابة.

  واختلفوا في الخلع الفاسد: فقالت طائفة: ينفذ ويتم.

  وقالت طائفة: يرد ويفسخ

  فأما من قال: لا يجوز الخلع فكما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا عقبة بن أبي الصهباء قال سألت بكر بن عبد الله المزني عن الخلع؟ قال: لا يحل له أن يأخذ منها؟ قلت: فقول الله عز وجل في كتابه: { فلا جناح عليها فيما افتدت به} (البقرة:229) قال: نسخت هذه، وذكر أن الناسخ لها قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } (النساء:20،21).

  قال أبو محمد: واحتج من ذهب إلى هذا: بحديث عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة».

  وبما ورد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المنتزعات والمختلعات هن المنافقات».

وقال تعالى:{فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} (النساء:4).

  وفي الآية الأخرى: حكم الخلع بطيب النفس منها فليس إثماً ولا عدواناً، وما كان هكذا فلا يحل أن يقال: فيه ناسخ أو منسوخ إلا بنص، بل الفرض الأخذ بكلا الآيتين لا ترك إحداهما للأخرى  ونحن  قادرون على العمل بهما بأن نستثني إحداهما من الأخرى.

  قال الله عز وجل: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } (النساء:128).

  وقال تعالى:{ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} (البقرة:229).

  فهاتان الآيتان قاضيتان عل كل ما في الخلع.

  وأما من منع منه بغير إذن السلطان فعن الحسن البصري قال: لا يكون خلع إلا عند السلطان.

وقال محمد بن سيرين يقول كانوا يقولون: لا يجوز الخلع إلا عند السلطان.

  وعن سعيد بن جبير قال: لا يكون الخلع إلا حتى يعظها، فإن اتعظت وإلا ضربها فإن اتعظت وإلا ارتفعا إلى السلطان، فيبعث حكماً من أهلها وحكماً من أهله يرفع كل واحد منهما إلى السلطان ما يسمع من صاحب، فإن رأى أن يفرق فرق، وإن رأى أن يجمع جمع.

وأما من قال الخلع ليس طلاقا، فاحتج بما ورد عن عبد الله بن عمر: أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان، فجاء عمها إلى عثمان فقال: إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أفننتقل؟ فقال عثمان: لننتقل ولا ميراث بينهما لها، ولا عدة عليها، إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حمل.

  فهذا عثمان، والربيع  ولها صحبة  وعمها وهو من كبار الصحابة  وابن عمر، كلهم لا يرى في الفسخ عدة.

  ومن طريق أحمد بن حنبل نا يحيــــى بن سعيد هو القطان عن سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: الخلع: تفريق، وليس بطلاق.

  ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عبينة عن عمرو بن دينار عن طاوس أنه سأله إبراهيم بن سعد عن رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه، اينكحها؟  قال ابن عباس: نعم ، ذكر الله الطلاق في أول الآية وفي آخرها، والخلع بين ذلك.

وروينا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: رأيت أبي كأنه يذهب إلى قول ابن عباس: أن الخلع ليس طلاقا ــــ وهو قول إسحاق ابن راهويه، وأبي ثور، وأبي سليمان وأصحابه.

 

و عن عكرمة مولى ابن عباس قال: اختلعت امرأة ثابت بن قيس من زوجها فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة، فقالوا: فهذا يبين أن الخلع ليس طلاقا، لكنه فسخ؟

هل الخلع طلاق بائن أو رجعي؟

  فقالت طائفة: هي طلقة بائنة كما ذكرنا عن ابن مسعود آنفا.

  قال ابن جريج: وزعم ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول: أن طلقها بعد الفداء جاز.

  وقال أبو حنيفة: هو طلاق بائن ويلحقها طلاقه ما دامت في العدة.

  وأما من قال: إن الخلع طلاق رجعي:

  فكما روي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد ابن المسيب: أنه قال في المختلعة: إن شاء أن يراجعها فليردد عليها ما أخذ منها في العدة، وليشهد على رجعتها قال معمر: وكان الزهري يقول ذلك قال قتادة: وكان الحسن يقول: لا يراجعها إلا بخطبة؟

  قال أبو محمد: قد بين الله تعالى حكم الطلاق، وأن: { بعولتهن أحق بردهن} (البقرة:228)وقال: { فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} (الطلاق:2) فلا يجوز خلاف ذلك.

  وما وجدنا قط في دين الإسلام عن الله تعالى، ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاقا بائنا لا رجعة فيه، إلا الثلاث مجموعة أو مفرقة، أو إلى لم يطاهأ، ولا مزيد  وأما عدا ذلك فآراه لا حجة فيها.

  وأما رده ما أخذ منها فإنما أخذه لئلا تكون في عصمته، فإذا لم يتم لها مرادها فما لها الذي لم تعطه إلا لذلك  مردود عليها، إلا أن يبين عليها أنها طلقة له الرجعة فيها، فترضى، فلا يرد عليها شيئا  وبالله تعالى التوفيق.

  وأما ما يجوز فيه الفداء:

  فقالت طائفة: لا يجوز الفداء إلا بما أصدقها لا بأكثر.

  ومن طريق وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة وحمّاد بن أبي سليمان أنهما كرها أن يأخذ في فداء أمرأته منها اكثر مما ساق إليها.

  ومن طريق وكيع عن سفيان عن أبي حصين عن عامر الشعبي أنه كره أن يأخذ من المختلعة اكثر مما أعطاها.

  وقالت طائفة: يكره أن يأخذ منها كل ما أعطاها.

  كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب قال: لا أحب أن يأخذ منها كل ما أعطاها حتى يدع لها ما يغنيها.

  وقالت طائفة: يأخذ منها كل ما معها فما دون ذلك إذا تراضيا به.

  وهو قول مالك، والشافعي، وأبي سليمان، وأصحابهم.

  وقال أبو حنيفة: لا يأخذ منها أكثر مما اعطاها، فإن فعل فليتصدق بالزيادة.

  قال أبو محمد: احتجت الطائفة الأولى ــــ: بما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال لي عطاء «أتت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني ابغض زوجي وأحب فراقه؟ قال: فتردين إليه حديقته التي أصدقك؟ قالت: نعم، وزيادة من مالي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما زيادة من مالك فلا، ولكن الحديقة، قالت: نعم».

  فقضى عليه الصلاة والسلام بذلك على الزوج   وروى أيضاً عن ابن جريج عن أبي الزبير.

وقال الشافعي: الخلع جائز بتراضيهما وإن لم يخف منهما نشوزاً ولا إعراضاً ولا خافاً { أن لا يقيما حدود الله} (البقرة:229) تعالى، وهذا خطأ، لأنه قول بلا برهان.

  وأما الخلع الفاسد فقد أجازه قوم: وما أعلم لهم حجة، وكيف يجوز عمل فاسد، والله تعالى يقول: { إن الله لا يصلح عمل المفسدين} (يونس:81).

مسألة: ومن خالع امرأته خلعاً صحيحاً لم يسقط بذلك عنه نفقتها وكسوتها وإسكانها في العدة مسألة: ولا يجوز أن يخالع عن المجنونة ولا عن الصغيرة أب، ولا غيره لقول الله تعالى: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها} (الأنعام:164).

  قوله تعالى: { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} (النساء:29).

مسألة: ولا يجوز الخلع على أن تبريه من النفقة حملها أو من رضاع ولدها وكل ذلك باطل، لأنه غير معلوم القدر، وقد يزيد السعر وقد ينقص، ولأنه لم يجب لها بعد، فمخالعتها بما لا تملكه باطل وظلم.

المالكية

 

الخلع والطلاق

 الطلاق أصله في اللغة الانطلاق والذهاب. المتيطي: مأخوذ من قولك أطلقت لناقة فانطلقت إذا أرسلتها من عقال، وكان ذات الزوج موثوقة عند زوجها فإذا فارقها أطلقها من وثاق ويدلك على ذلك قول الناس هي في حبالك إذا كانت تحتك انتهى. وقال الجوهري: وطلق الرجل امرأته تطليقاً وطلقت هي بالفتح تطلق طلاقاً فهي طالق وطالقة. قال الأخفش: لا يقال طلقت بالضم انتهى. وأما حقيقته في الشرع فقال ابن عرفة: الطلاق صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بزوجته موجباً تكررها مرتين للحر ومرة لذي رق حرمتها عليه قبل زوج. وقبل المتيطي صرف الخطابي الكراهة في حديث «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» لسوء العشرة لا للطلاق لإباحة الله تعالى وفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  قلت: الأقرب منه كونه منه صلى الله عليه وسلم كان لسبب رجحه، ومحمل كونه أبغض أنه أقرب الحلال إلى البغض فنقيضه أبعد من البغض فيكون أحل من الطلاق. اللخمي: إن كان الزوجان على أداء كل منهما حق صاحبه استحب البقاء وكره الطلاق، وإن كانت الزوجة غير مؤدية حقه كان مباحاً، فإن كانت غير صبية استحب له فراقها إلا أن تعلق نفسه بها، وإن فسد ما بينهما ولا يكاد يسلم دينه معها وجب الفراق. زاد ابن بشير: حرمته وهو إذا خيف من وقوعه ارتكاب كبيرة وجعله ما جعله اللخمي مباحاً مندوباً وجعله اللخمي مندوباً مباحاً. انتهى باختصار.

  فائدة: ثبت عنه عليه السلام أنه طلق حفصة بنت عمر ثم راجعها، وطلق العالية بنت ظبيان وهي كان يقال لها أم المساكين ونكحت في حياته قبل أن ينزل عليه تحريم نسائه، وأول من طلق إسماعيل عليه السلام. انتهى بالمعنى من أول كتاب الطلاق من المتيطي والله أعلم. وقول المصنف: «وهو الطلاق بعوض» هذا هو المشهور أن الخلع طلاق. وقيل فسخ. قال المسيلي في نكت التفسير: قال شيخنا يعني ابن عرفة: كان شخص يقال له النحاس له في امرأته طلقتان فخالعها ثم ردها قبل زوج بناء على أن الخلع فسخ ففرق بينهما ولم يحد للشبهة اهـ. ص: (وبلا حاكم) ش:  يعني أن الخلع جائز ولو لم يكن عند الحاكم. قال في المدونة: والخلع والمبارأة عند السلطان وغيره جائز اهـ. قال أبو الحسن: خلافاً للحسن وابن سيرين اهـ. ص: (وبعوض من غيرها) ش:  المراد بالغير الأجنبي: قال ابن عبد السلام: قلت: ينبغي أن يقيد المذهب بما إذا كان الغرض من التزام الأجنبي ذلك للزوج حصول مصلحة أو درء مفسدة ترجع إلى ذلك الأجنبي مما لا يقصد به إضرار المرأة، وأما ما يفعله أهل الزمان في بلدنا من التزام أجنبي ذلك وليس قصده إلا إسقاط النفقة الواجبة في العدة للمطلقة على مطلقها فلا ينبغي أن يختلف في المنع ابتداء وفي انتفاع المطلق بذلك بعد وقوعه نظر اهـ. ونقله في التوضيح والشامل. وقال ابن عرفة: باذل الخلع من صح معروفه والمذهب صحته من غير الزوجة مستقلاً.

  قلت: ما لم يظهر قصد ضررها بإسقاط نفقة العدة فينبغي رده كشراء دين العدو. وفيها: من قال لرجل طلق امرأتك ولك عليّ ألف درهم فقبل لزم ذلك الرجل اهـ. ولفظ الشامل: ودافعه من له التبرع وإن أجنبياً إن قصد مصلحة أو درء مفسدة اهـ. وقول ابن عبد السلام ترجع إلى ذلك الأجنبي ليس بشرط كما يظهر من كلام ابن عرفة، بل المقصود أن لا يقصد به ضرر المرأة وهو الذي يظهر من كلام المصنف في التوضيح فإنه أسقط هذا اللفظ من كلام ابن عبد السلام.

  تنبيه: قول ابن عبد السلام فلا ينبغي أن يختلف في المنع ابتداء وفي انتفاع المطلق بذلك بعد وقوعه نظر، أما المنع من ذلك ابتداء فلا إشكال فيه، وأما إذا وقع الطلاق فالظاهر لزومه وسقوط النفقة. أما وقوع الطلاق فظاهر لأنه لا يرتفع بعد وقوعه ولا إشكال في بينونته، وأما سقوط النفقة به فظاهر أيضاً لأن أهل المذهب كلهم مصرحون في باب النفقات بأن البائن لا نفقة لها. قال في المدونة: وكل مطلقة لها السكنى، وكل بائنة بطلاق بتات أو خلع أو مبارأة أو لعان ونحوه فلها السكنى ولا نفقة لها ولا كسوة إلا في الحمل البين فذلك لها ما أقامت حاملاً خلا الملاعنة. انتهى من طلاق السنة. قال أبو الحسن: لأن النفقة إنما هي عوض عن الاستمتاع فلما عدم لم يكن لها نفقة انتهى. ثم قال: ولما كانت الرجعة بيده أشبه من هو متمكن من الوطء ونحوه في إرخاء الستور منها. ألا ترى أنه لو طلق بنفسه طلاق الخلع من غير عوض أليس بائناً ولا نفقة لها؟ وكذلك لو طلقها بعوض منها وكان ذلك عن ضرر بها فقد قالوا إنها ترجع بالعوض، وأما الطلاق فيلزمه وتكون بائناً ولم يذكروا أنها ترجع عليه بالنفقة فتأمله. وانظر بهراماً الكبير في شرح قول المصنف وتعجيله لها ما لا يجب قبوله، وقول ابن عرفة ينبغي رده إن أراد قبل أن يقع الطلاق فظاهر، وإطلاق الرد مجاز. وإن أراد بعد وقوع الطلاق وأنه يرتفع الطلاق فغير ظاهر والله أعلم.

   فرع: قال أبو الحسن: إذا أتى الأجنبي إلى الزوج قبل أن يطلق فقال له لا تفعل فقد بدا لي فذلك له انتهى. ص: (لا من صغيرة وسفيهة) ش:  أما السفيهة المولى عليها فالمنصوص ما ذكره المصنف. وأما المهملة فذكر في التوضيح فيها ثلاثة أقوال. قال الرجراجي في شرح المدونة: المشهور أن ذلك لا يجوز، ولذلك والله أعلم أطلق في السفيهة، فسواء كانت ذات أب أو وصي أو مقدم من القاضي أو مهملة لا يصح خلعها. وهذا إذا صالحت دون إذن وصيها، وأما إن أذن وصيها فيصح الخلع وهو قول المصنف بعد بخلاف الوصي أي فلا يصح خلعه عمن في حجره يريد بغير رضاها، وأما إذا رضيت فيصح. قال في المدونة في إرخاء الستور في ترجمة الصلح: وللأب أن يخالع على ابنته الصغيرة وإن كان على إسقاط جميع المهر، وليس للوصي أو غيره أن يخلعها من زوجها بخلاف مبارأة الوصي عن يتيمة. والفرق بينهما أن الوصي يزوّج يتيمه ولا يستأمر ولا يزوج يتيمته إلا بإذنها، وكذلك يباري عن يتيمه ولا يستأذنه ولا يباري عن يتيمته إلا بإذنها انتهى. وظاهر كلام الرجراجي أنه لا خلاف في جواز خلعه عنها برضاها، وانظر ابن سلمون، وقال ابن عرفة: وفي خلع الوصي عن يتيمته دون إذنها ثالثها إن لم تبلغ. اللخمي عن رواية ابن نافع: لا بأس أن يباري الوصي عن يتيمته وإن زوّجها أبوها قبل إيصائه إليه مع قول أصبغ إن خالع عمن في ولايته بأقل من نصف المهر قبل البناء على النظر لفساد وقع أو ضرر جاز ولروايتها. ولعيسى عن رجوع ابن القاسم إلى جواز مبارأة الوصي والسلطان على الصغيرة إن كان حسن نظر وهو أحسن وعلى الثاني المشهور. قال ابن فتحون والمتيطي: للمحجورة أن تخالع بإذن وليها أو وصيها ثم قال: قلت: فالأرجح عقده على الوصي برضاها لا عليها بإذنها انتهى ص: (وذي رق ورد المال وبانت) ش: تصوره ظاهر.

   فرع: فلو اشترط الزوج في الخلع أنه إن لم يصح له الخلع فالعصمة باقية غير منفصلة فقال في الطراز في ترجمة مبارأة الوصي عن اليتيمة عند قوله لا يلزمها ما أعطته بالغاً كانت أو غير بالغ. انظر لابن سعدون في شرحه نكاح المدونة فإنه قال في هذه المسألة: إذا اشترط في الخلع الزوج أنه إن لم يصح له الخلع على ما وقع فالعصمة باقية غير منفصلة فالشرط ينفعه، ومتى طلب منه ما أخذ كانت زوجته كما كانت فتأمل ذلك انتهى. ونقله ابن سلمون أيضاً والبرزلي في مسائل الخلع. وهذا الذي قاله غير ظاهر بل هو مخالف لكلام أهل المذهب. قال في رسم حلف من سماع ابن القاسم من طلاق السنة: وسئل عمن صالح زوجته أن ترضع ولده سنتين وتكفله أربع سنين بعد ذلك، فإن ماتت فأبوها ضامن لنفقته حتى يستكمل ست سنين، واشترط عليها إن لم يكن أصل هذا الصلح جائزاً فله الرجعة عليها؟ قال مالك: الشرط باطل ولا يصلح في صلح رجل وامرأته أكثر من الرضاع، فإن كان قد رضيا بالصلح وتفرقا على ذلك فما كان فوق الرضاع فهو ثابت على الأب ينفق على ولده، وما اشترط أنه إن لم يكن هذا الصلح جائزاً فله الرجعة فهذا باطل ولا رجعة له عليها. قال سحنون: تلزمها النفقة ولو اشترط عليها نفقة خمس عشرة سنة لكان ذلك لازماً لها. قال ابن رشد: قوله في اشتراط الرجعة عليها إن لم يكن الصلح جائزاً أنه شرط باطل صحيح بين المعنى في الصحة، لأن الشرع قد حكم أن المرأة تبين من زوجها بالصلح كان جائزاً أو غير جائز، فاشتراطه أن تكون له الرجعة عليها إن لم يكن الصلح جائزاً لا يجوز، لأنه يخالف حكم الشرع وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» انتهى. وسيأتي بقية كلامه على هذه المسألة برمته واختصار ابن عرفة له في شرح قول المصنف وبالغرر. وقال في النوادر في ترجمة من خالع على أنها إن طلبت ما أعطته أو خاصمته عادت زوجته ومن كتاب ابن المواز قال مالك: وإن شرط إن طلبت ما أعطته عادت زوجة لم ينفعه ولا رجعة له، وإن ظننا أن ذلك يلزم فعادت تحته بذلك ووطئها فليفارقا ولها ما رد إليها صداقاً، ولو صالحته بعد ذلك بشيء أعطته وقد حملت أو على إن أبرأته من نفقة الحمل والرضاع فهذا الصلح باطل ويرد إليها ما أخذ ولها النفقة وله أن يتزوجها بعد أن تضع، وإن لم تحمل فبعد الاستبراء وليس بناكح في عدة. ورُوي عن مالك أنه كالنكاح في العدة، والمعروف عندنا من قوله ما قلت لك انتهى. ثم قال: ومن كتاب محمد والعتبية عن أشهب عن مالك قال مالك: وإن شرط إن خاصمته فهي رد إليه فالشرط باطل. قال مالك: وإن خالعها على أنها إن كانت حاملاً فلا خلع لها، وإن لم يكن حمل فذلك خلع قال: قد بانت منه كانت حاملاً أو غير حامل. قال مالك في العتبية في سماع ابن القاسم: وفي كتاب محمد: وإذا خالعها في سفر على أنه إن مات قبل أن يبلغ بلده فما أخذ رد فمات في سفره، فالشرط باطل والصلح ماض ولا يتوارثان انتهى.

وإن خالعها على أن لا سكنى لها عليه، فإن أراد إلزامها كراء المسكن جاز ذلك، كان المسكن لغيره أو كان له وسمي الكراء، وإن كان على أن تخرج من منزله تم الخلع ولم تخرج ولا كراء له عليها،

و الخلع طلاق بائن ولو وقع بغير عوض إذا نص عليه أي على الخلع بأن صرح به، وإن قال هي طالق طلاق الخلع فهي واحدة بائنة. وكذلك إن قال خالعت امرأتي أو باريتها أو افتدت مني لزمته طلقة بائنة.

  

الحنابلة

المغنى

كتـاب الخلـع

 (والمرأة إذا كانت مبغضة للرجل وتكره أن تمنعه ما تكون عاصية بمنعه فلا بأس أن تفتدي نفسها منه)

  وجملة الأمر: أن المرأة إذا كرهت زوجها لخلقه أو خُلقه أو دينه أو كبره أو ضعفه أو نحو ذلك وخشيت أن لا تؤدي حق الله في طاعته جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها منه لقوله الله تعالى: {فَإنْ خفْتُمْ أَلا يُقيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِما فيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (البقرة: 229) وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما شأنك؟ قالت لا أنا ولا ثابت لزوجها فلما جاء ثابت قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر» وقالت حبيبة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما أعطاني عندي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس «خذ منها» فأخذ منها وجلست في أهلها» وهذا حديث صحيح ثابت الإسناد رواه الأئمة مالك وأحمد وغيرهما وفي رواية البخاري قال جاءت امرأة ثابت بنت قيس إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته؟» فقالت نعم فردتها عليه وأمره ففارقها وفي رواية فقال له: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» وبهذا قال جميع الفقهاء بالحجاز والشام. قال ابن عبد البر: ولا نعلم أحداً خالفه إلا بكر بن عبد الله المزني فإنه لم يجزه وزعم أن آية الخلع منسوخة بقوله سبحانه:{وَإنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} (النساء: 20) الآية وروي عن ابن سيرين وأبي قلابة أنه لا يحل الخلع حتى يجد على بطنها رجلاً لقول الله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتموُهُنَّ إلاَّ أَنْ يَأْتينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ} (النساء: 19).

  ولنا الآية التي تلوناها والخبر وأنه قول عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة لم نعرف لهم في عصرهم مخالفا فيكون إجماعاً، ودعوى النسخ لا تسمع حتى يثبت تعذر الجمع وأن الآية الناسخة متأخره ولم يثبت شيء من ذلك.

  إذا ثبت هذا فإن هذا يسمى خلعاً لأن المرأة تنخلع من لباس زوجها قال الله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} (البقرة: 187) ويسمى افتداء لأنها تفتدي نفسها بمال تبذله قال الله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيما افْتَدَتْ بِهِ} (البقرة: 229).

فـصـل

  ولا يفتقر الخلع إلى حاكم. نص عليه أحمد فقال يجوز الخلع دون السلطان، وروى البخاري ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما، وبه قال شريح والزهري ومالك والشافعي وإسحاق وأهل الرأي وعن الحسن وابن سيرين لا يجوز إلا عند السلطان.

  ولنا: قول عمر وعثمان ولأنه معاوضة فلم يفتقر إلى السلطان كالبيع والنكاح، ولأنه قطع عقد بالتراضي أشبه الإقالة.

فـصـل

 ولا بأس بالخلع في الحيض والطهر الذي أصابها فيه، لأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحقها بطول العدة والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه وذلك أعظم من ضرر طول العدة فجاز دفع أعلاهما بأدناهما ولذلك لم يسأل النبـي صلى الله عليه وسلم المختلعة عن حالها، ولأن ضرر تطويل العدة عليها والخلع يحصل بسؤالها فيكون ذلك رضاء منها به ودليلاً على رجحان مصلحتها فيه.

  مسألة: قال: (ولا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها)

  هذا القول يدل على صحة الخلع بأكثر من الصداق وأنهما إذا تراضيا على الخلع بشيء صح وهذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن عثمان وابن عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد وقبيصة بن ذؤيب والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ويروى عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا لو اختلعت امرأة من زوجها بميراثها وعقاص رأسها كان ذلك جائزاً، وقال عطاء وطاوس والزهري وعمرو بن شعيب لا يأخذ أكثر مما أعطاها، وروي ذلك عن علي بإسناد منقطع واختاره أبو بكر قال فإن فعل رد الزيادة. وعن سعيد بن المسيب قال: ما أرى أن يأخذ كل ما لها ولكن ليدع لها شيئاً واحتجوا بما روي أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكن أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضاً، فقال لها النبـي صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته؟» قالت نعم، فأمره النبـي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد». رواه ابن ماجة ولأنه بدل في مقابلة فسخ فلم يزد على قدره في ابتداء العقد كالعوض في الإقالة.

  ولنا قول الله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (البقرة: 229) ولأنه قول من سمينا من الصحابة قالت الربيع بنت معوذ: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي فأجاز ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه ومثل هذا يشتهر فلم ينكر فيكون إجماعاً ولم يصح عن علي خلافه فإذا ثبت هذا فإنه لا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها وبذلك قال سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والحكم وحماد وإسحاق وأبو عبيدة فإن فعل جاز مع الكراهة ولم يكرهه أبو حنيفة ومالك والشافعي قال مالك لم أزل أسمع إجازة الفداء بأكثر من الصداق.

  ولنا: حديث جميلة. وروي عن عطاء عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها. رواه أبو حفص بإسناده وهو صريح في الحكم فنجمع بين الآية والخبر فنقول الآية دالة على الجواز والنهي عن الزيادة للكراهة والله أعلم.

  مسألة: قال: (ولو خالعته لغير ما ذكرنا كره لها ذلك ووقع الخلع)

  في بعض النسخ بغير ما ذكرنا بالباء فيحتمل أنه أراد بأكثر من صداقها وقد ذكرنا ذلك في المسألة التي قبل هذه، والظاهر أنه أراد إذا خالعته لغير بغض وخشية من أن لا تقيم حدود الله لأنه لو أراد الأول لقال كره له فلما قال كره لها دل على أنه أراد مخالعتها له والحال عامرة والأخلاق ملتئمة فإنه يكره لها ذلك فإن فعلت صح الخلع في قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي، ويحتمل كلام أحمد تحريمه فإنه قال الخلع مثل حديث سهلة تكره الرجل فتعطيه المهر، فهذا الخلع، وهذا يدل أنه لا يكون الخلع صحيحاً إلا في هذه الحال وهذا قول ابن المنذر وداود، وقالابن المنذر وروي معنى ذلك عن ابن عباس وكثير من أهل العلم، وذلك لأن الله تعالى قال: {وَلاَ يَحِل لَكُمْ أَنْ تَأخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلاَ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُود اللَّهِ فَإنَّ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فيما افْتَدَتْ بِهِ} (البقرة: 229) فدل بمفهومه على أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف ثم غلظ بالوعيد فقال: {تِلكَ حُدُود اللَّهِ فلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يتَعَدَّ حُدُود اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمْ الظالِمُونَ} (البقرة: 229). وروى ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» رواه أبو داود. وعن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «المختلعات والمنتزعات هن المنافقات» رواه أبو حفص ورواه أحمد في المسند وذكره محتجاًبه، وهذا يدل على تحريم الخالعة لغير حاجة ولأنه إضرار بها وبزوجها وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة فحرم لقوله عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار» واحتج من أجازه بقوله الله سبحانه: {فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً} (النساء: 4) قال ابن المنذر لا يلزم من الجواز في غير عقد الجواز في المعاوضة بدليل الربا حرمه الله في العقد وأباحه في الهبة ولحجة مع من حرمه وخصوص الآية في التحريم يجب تقديمه على عموم آية الجواز مع ما عضدها من الأخبار والله أعلم.

فـصـل

  فأما إن عضل زوجته وضارها بالضرب والتضييق عليها أو منعها حقوقها من النفقة والقسم ونحو ذلك لتفتدي نفسها منه ففعلت فالخلع باطل والعوض مردود، روي ذلك عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والشعبي والنخعي والقاسم بن محمد وعروة وعمرو بن شعيب وحميد بن عبد الرحمن والزهري وبه قال مالك والثوري وقتادة والشافعي وإسحاق، وقالأبو حنيفة: العقد صحيح والعوض لازم وهو آثم عاص.

  ولنا قوله الله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ إلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ} (البقرة: 229) وقال الله تعالى: {لاَ يَحُلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} (النساء: 19) ولأنه عوض أكرهن على بذله بغير حق فلم يستحق كالثمن في البيع والأجر في الإجارة. وإذا لم يملك العوض وقلنا الخلع طلاق وقع الطلاق بغير عوض فإن كان أقل من ثلاث فله رجعتها لأن الرجعة إنما سقطت بالعوض فإذا سقط العوض ثبتت الرجعة، وإن قلنا هو فسخ ولم ينو به الطلاق لم يقع شيء لأن الخلع بغير عوض لا يقع على إحدى الروايتين، وعلى الرواية الأخرى إنما رضي بالفسخ هاهنا بالعوض فإذا لم يحصل له العوض لا يحصل المعوض. وقال مالك: إن أخذ منها شيئاً على هذا الوجه رده، ومضى الخلع عليه ويتخرج لنا مثل ذلك إذ قلنا يصح الخلع بغير عوض.

فصل

 فأما إن ضربها على نشوزها ومنعها حقها لم يحرم خلعها لذلك لأن ذلك لا يمنعهما أن يخافا أن لا يقيما حدود الله، وفي بعض حديث حبيبة أنها كانت تحت ثابت بن قيس فضربها فكسر ضلعها فأتت النبـي صلى الله عليه وسلم فدعا النبـي صلى الله عليه وسلم ثابتاً فقال: «خذ بعض مالها وفارقها ففعل» رواه أبو داود وهكذا لو ضربها ظلماً لسوء خلقه أو غيره لا يريد بذلك أن تفتدي نفسها لم يحرم عليه مخالعتها لأنه لم يعضلها ليذهب ببعض ما آتاها ولكن عليه إثم الظلم.

فـصـل

  فإن أتت بفاحشة فعضلها لتفتدي نفسها منه ففعلت صح الخلع لقوله الله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلاَّ أَنْ يَأْتينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ} (النساء: 19) والاستثناء من النهي إباحة ولأنها متى زنت لم يأمن أن تلحق به ولداً من غيره وتفسد فراشه فلا تقيم حدود الله في حقه فتدخل في قول الله تعالى: {فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ} (البقرة: 229) وهذا أحد قولي الشافعي والقول الآخر لا يصح لأنه عوض أكرهت عليه أشبه ما لو لم تزن والنص أولى.

فـصـل

 

  إذا خالع زوجته أو بارأهابعوض فإنهما يتراجعان بما بينهما من الحقوق فإن كان قبل الدخول فلها نصف المهر، وإن كانت قبضته كله ردت نصفه، وإن كانت مفوضة فلها المتعة، وهذا قول عطاء والزهري والشافعي، وقال أبو حنيفة ذلك براءة لكل واحد منهما مما لصاحبه عليه من المهر، وأما الديون التي ليست من حقوق الزوجية فعنه فيها روايتان، ولا تسقط النفقة في المستقبل لأنها ما وجبت بعد.

  ولنا: إن المهر حق لا يسقط بالخلع إذا كان بلفظ الطلاق فلا يسقظ بلفظ الخلع والمبارأة كسائر الديون ونفقة العدة إذا كانت حاملاً، ولأن نصف المهر الذييصير له لم يجب له قبل الخلع فلم يسقط بالمبارأة كنفقة العدة، والنصف لها لا يبرأ منه بقولها بارأتك لأن ذلك يقتضي براءتها من حقوقه لا براءته من حقوقها.

  مسألة: قال: (والخلع فسخ في إحدى الروايتين، والأخرى أنه تطليقة بائنة)

  اختلفت الرواية عن أحمد في الخلع ففي إحدى الروايتين: أنه فسخ، وهذا اختيار أبي بكر وقول ابن عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأبي ثور وأحمد قولي الشافعي، والرواية الثانية: أنه طلقة بائنة، روي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وقبيصة وشريح ومجاهد وأبى سلمة بن عبد الرحمن والنخعي والشعبي والزهري ومكحول وابن أبي نجيح ومالك والأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي وقد روي عن عثمان وعلي وابن مسعود لكن ضعف أحمد الحديث عنهم وقال: ليس في الباب شيء أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ، واحتج ابن عباس بقوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرتَانِ} (البقرة: 229) ثم قال: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فيمَا افْتَدَتْ} (البقرة: 229) ثم قال: {فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} (البقرة: 230) فذكر تطليقتين والخلع وتطليقة بعدها فلو كان الخلع طلاقاً لكان أربعاً ولأنها فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته فكانت فسخاً كسائر الفسوخ، ووجه الثانية أنها بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ فوجب أن يكون طلاقاً ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصداً فراقها فكان طلاقاً كغير الخلع وفائدة الروايتين أنا إذا قلنا هو طلقة فخالعها مرة حسبت طلقة فينقص بها عدد طلاقه، وإن خالعها ثلاثاً طلقت ثلاثاً فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره وإن قلنا هو فسخ لم تحرم عليه، وإن خالعها مائة مرة وهذا الخلاف فيم إذا خالعها بغير لفظ الطلاق ولم ينوه، فأما إن بذلت له العوض على فراقها فهو طلاق لا اختلاف فيه، وإن وقع بغير لفظ الطلاق مثل كنايات الطلاق أو لفظ الخلع والمفاداة ونحوهما ونوى به الطلاق فهو طلاق أيضاً لأنه كناية نوى الطلاق فكانت طلاقاً كما لو كان بغير عوض فإن لم ينو به الطلاق فهو الذي فيه الروايتان والله أعلم.

فـصـل

 

  وألفاظ الخلع تنقسم إلى صريح وكناية فالصريح ثلاثة ألفاظ خالعتك لأنه ثبت له العرف والمفاداة لأنه ورد به القرآن بقوله سبحانه: {فَلا جُنَاجَ عَلَيْهِما فيمَا افْتَدَتْ} (البقرة: 229) وفسخت نكاحك لأنه حقيقة فيه فإذا أتى بأحد هذه الألفاظ وقع من غير نية، وما عدا هذه مثل بارأتك وأبرأتك وأبنتك فهو كناية لأن الخلع أحد نوعي الفرقة فكان له صريح وكناية كالطلاق، وهذا قول الشافعي إلا أن له في لفظ الفسخ وجهين فإذا طلبت الخلع وبذلك العوض فأجابها بصريح الخلع وكنايته صح من غير نية لأن دلالة الحال من سؤال الخلع وبذل العوض صارفة إليه فأغنى عن النية فيه، وإن لم يكن دلالة حال فأتى بصريح الخلع وقع من غير نية سواء قلنا هو فسخ أو طلاق، ولا يقع بالكناية إلا بنية ممن تلفظ به منهما ككنايات الطلاق مع صريحه والله أعلم.

فصل

  ولا يحصل الخلع بمجرد بذل المال وقوله من غير لفظ الزوج

  مسألة: قال: (ولا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق ولو واجهها به)

  وجملة ذلك أن المختلعة لا يلحقها طلاق بحال وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن والشعبي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وحكي عن أبي حنيفة أنه يلحقها الطلاق الصريح المعين دون الكناية والطلاق المرسل وهو أن يقول كل امرأة لي طالق وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب وشريح وطاوس والنخعي والزهري والحكم وحماد والثوري لما روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة».

فـصـل

  ولا يثبت في الخلع رجعة سواء قلنا هو فسخ أو طلاق في قول أكثر أهل العلم منهم الحسن وعطاء وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وإسحاق وحكي عن الزهري وسعيد بن المسيب أنهما قالا الزوج بالخيار بين إمساك العوض ولا رجعة له وبين رده وله الرجعة. وقال أبو ثور: إن كان الخلع بلفظ الطلاق فله الرجعة، لأن الرجعة من حقوق الطلاق فلا تسقط بالعوض كالولاء مع العتق.

  ولنا: قوله سبحانه: {فيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (البقرة: 229) وإنما يكون فداء إذا خرجت به عن قبضته وسلطانه وإذا كانت له الرجعة فهي تحت حكمه، ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة فلو جاز ارتجاعها لعاد الضرر وفارق الولاء فإن العتق لا ينفك منه والطلاق ينفك عن الرجعة فيما قبل الدخول وإذا أكمل العدد.

فـصـل

 

  فإن شرط في الخلع أن له الرجعة، فقال ابن حامد يبطل الشرط ويصح الخلع وهو قول أبي حنيفة وأحد الروايتين عن مالك: لأن الخلع لا يفسد يكون عوضه فاسداً فلا يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح ولأنه لفظ يقتضي البينونة فإذا شرط الرجعة معه بطل الشرط كالطلاق الثلاث ويحتمل أن يبطل الخلع وتثبت الرجعة وهو منصوص الشافعي لأن شرط العوض والرجعة متنافيان فإذا شرطاهما سقطا وبقي مجرد الطلاق فنثبت الرجعة بالأصل لا بالشرط ولأنه شرط في العقد ما ينافي مقتضاه فأبطله كما لو شرط أن لا يتصرف في المبيع، وإذا حكمنا بالصحة فقال القاضي يسقط المسمى في العوض، لأنه لم يرض به عوضاً حتى ضم إليه الشرط فإذا سقط الشرط وجب ضم النقصان الذي نقصه من أجله إليه فيصير مجهولاً فيسقط ويجب المسمى في العقد ويحتمل أن يجب المسمى لأنهما تراضيا به عوضاً فلم يجب غيره كما لو خلا عن شرط الرجعة.

فـصـل

  فإن شرط الخيار لها أو له يوماً أو أكثر وقبلت المرأة صح الخلع وبطل الخيار وبه قال أبو حنيفة فيما إذا كان الخيار للرجل، وقال إذا جعل الخيار للمرأة ثبت لها الخيار ولم يقع الطلاق.

  ولنا: إن سبب وقوع الطلاق وجد وهو اللفظ به فوقع كما لو أطلق ومتى وقع فلا سبيل إلى رفعه.

فقه الخلاف

نيل الأوطار

    عن ابن عباس قال:  «جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتٍ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مَا أَعْتَبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: اقْبَل الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»  رواه البخاري والنسائي.

   وعن ابن عباس:  «أَنَّ جَميلَةَ بِنْتَ سَلُولِ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَعْتبُ عَلَى ثَابِتِ فِي دِيْنٍ وَلاَ خُلُقٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلاَمِ لاَ أَطِيقهُ بُغْضاً فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَدِيقَتَهُ وَلاَ يَزْدَادَ»  رواه ابن ماجة.

    وعن الربيع بنت معوذ:  «أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ فَكَسَرَ يَدَهَا وَهِيَ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أُبَيَّ، فَأَتَى أَخُوهَا يَشْتَكِيهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى ثَابِتٍ فَقَالَ لَهُ: خُذِ الَّذِي لَهَا عَلَيْكَ وَخَلِّ سَبِيلَهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً وَاحِدَةً وَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا»  رواه النسائي.

    وعن ابن عباس:  «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ»  رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن غريب.

   وعن الربيع بنت معوذ:  «أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَوْ أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ»  رواه الترمذي. وقال: حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة.

    وعن  أبي الزبير:  «أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ كَانَتْ عِنْدَهُ بِنْتُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ وَكَانَ أَصْدَقَهَا حَدِيقَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أَعْطَاكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَزِيَادَةً. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلاَ وَلَكِنْ حَدِيقَتَهُ، قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخَذَهَا لَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ»  رواه الدارقطني بإسناد صحيح وقال: سمعه أبو الزبير من غير واحد.

  حديث ابن عباس الثاني رواه ابن ماجة من طريق أزهر بن مروان وهو صدوق مستقيم الحديث وبقية إسناده من رجال الصحيح. وقد أخرجه النسائي وأخرجه أيضاً البيهقي. وحديث الربيع بنت معوذ الأول إسناده في سنن النسائي، هكذا حدثنا أبو علي محمد بن يحيى المروزي، أخبرني شاذان بن عثمان أخو عبدان، حدثنا أبي، حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، أخبرني محمد بن عبد الرحمن أن الربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرته أن ثابت بن قيس الحديث. ومحمد بن يحيى ثقة، وشاذان هو عبد العزيز بن عثمان بن جبلة وهو من رجال الصحيح هو وأبوه. وكذلك علي بن المبارك ويحيى بن أبي كثير. وأما محمد بن عبد الرحمن فقد روى النسائي عن جماعة من التابعين اسمهم محمد بن عبد الرحمن وكلهم ثقات. فالحديث على هذا صحيح، وقد أخرجه أيضاً الطبراني. وحديث ابن عباس الثالث قد ذكر أنه مرسل ورواه الترمذي مسنداً. وحديث الربيع الثاني أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجة من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي فذكرت قصة وفيها: أن عثمان أمرها أن تعتد حيضة قالت: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم في امرأة ثابت بن قيس. وحديث أبي الزبير أخرجه أيضاً البيهقي وإسناده قوي مع كونه مرسلاً.

«الخلع»  بضم الخاء المعجمة وسكون اللام هو في اللغة فراق الزوجة على مال مأخوذ من خلع الثوب، لأن المرأة لباس الرجل معنى، وأجمع العلماء على مشروعيته إلاَّ بكر بن عبدالله المزني التابعي فإنه قال: لا يحل للزوج أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئاً لقوله تعالى:  {فلا تأخذوا منه شيئاً}  (النساء: 02) وأورد عليه:  {فلا جناح عليهما فيما افتدت به}  (البقرة: 922) فادعى نسخها بآية النساء، روى ذلك ابن أبي شيبة وتعقب بقوله تعالى:  {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه}  (النساء: 821) وبقوله فيهما:  {فلا جناح عليهما أن يصالحا}  (النساء: 4) الآية. (وبأحاديث الباب) وكأنها لم تبلغه، وقد انعقد الإجماع بعده على اعتباره. وأن آية النساء مخصوصة بآية البقرة وبآيتي النساء الآخرتين، وهو في الشرع فراق الرجل زوجته ببدل يحصل له.

   قوله: «امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ»  وقع في رواية ابن عباس والربيع أن اسمها جميلة، ووقع في رواية لأبي الزبير أن اسمها زينب، والرواية الأولى أصح لإسنادها وثبوتها من طريقين، وبذلك جزم الدمياطي. وأما ما وقع في حديث ابن عباس المذكور أنها بنت سلول، وفي حديث الربيع وأبي الزبير المذكورين أنها بنت عبدالله بن أبي ابن سلول، ووقع في رواية للبخاري أنها بنت أبي فقيل: إنها أخت عبدالله كما صرّح به ابن الأثير وتبعه النووي وجزما بأن قول من قال إنها بنت عبدالله وهم، وجمع بعضهم باتحاد اسم المرأة وعمتها، وأن ثابتاً خالع الثنتين واحدة بعد أخرى. قال الحافظ: ولا يخفى بعده ولا سيما مع اتحاد المخرج، وقد كثرت نسبة الشخص إلى جده إذا كان مشهوراً، والأصل عدم التعدد حتى يثبت صريحاً. ووقع في حديث الربيع عند النسائي وابن ماجة أن اسمها مريم وإسناده جيد. قال البيهقي: اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت، ويمكن أن يكون الخلع تعدد من ثابت انتهى. وروى مالك في الموطأ عن حبيبة بنت سهل أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم خرج إلى صلاة الصبح فوجدها عند بابه فقال:  «من هذه؟»  قالت: أنا حبيبة بنت سهل، قال:  «ما شأنك؟»  قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس، الحديث أخرجه أيضاً أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان من هذا الوجه. وأخرجه أبو داود من حديث عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت. وأخرج البزار من حديث ابن عمر نحوه. قال ابن عبد البر: اختلف في امرأة ثابت بن قيس فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل، قال الحافظ: الذي يظهر لي أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين، واختلاف السياقين بخلاف ما وقع من الاختلاف في تسمية جميلة ونسبتها، فإن سياق قصتها متقارب، فأمكن رد الاختلاف فيه إلى الوفاق انتهى. ووهم ابن الجوزي فقال: إنها سهلة بنت حبيب وإنما هي حبيبة بنت سهل ولكنه انقلب عليه ذلك.

   قوله: «إِنِّي مَا أَعْتَبُ عَلَيْهِ»  بضم الفوقية ويجوز كسرها والعتب هو الخطاب بالإدلال.

   قوله: «في خلق»  بضم الخاء المعجمة واللام ويجوز إسكانها أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه.

   قوله: «وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسلام»  أي كفران العشير والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له، ويمكن أن يكون مرادها أن شدة كراهتها له قد تحملها على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه. ووقع في الرواية الثانية: «لا أطيقه بغضاً» وظاهر هذا مع قولها ما أعتب عليه في خلق ولا دين أنه لم يصنع بها شيئاً يقتضي الشكوى منه، ويعارضه ما وقع في حديث الربيع المذكور أنه ضربها فكسر يده، وأجيب بأنها لم تشكه لذلك بل لسبب آخر وهو البغض أو قبح الخلقة كما وقع عند ابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعند عبد الرزاق من حديث ابن عباس.

   قوله: «حَدِيقَتَهُ»  الحديقة البستان.

   قوله: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ»  قال في الفتح: هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب. ولم يذكر ما يدل على صرف الأمر عن حقيقته، وفي ذلك دليل على أنه يجوز للرجل أخذ العوض من المرأة إذا كرهت البقاء معه. وقال أبو قلابة ومحمد بن سيرين: أنه لا يجوز له أخذ الفدية منها إلاَّ أن يرى على بطنها رجلاً، روى ذلك عنهما ابن أبي شيبة واستدلا بقوله تعالى:  {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلاَّ أن يخافا ألا يقيما حدود الله}  (البقرة: 922) مع قوله تعالى:  {إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينة}  (النساء: 91) وتعقب بأن آية البقرة فسرت المراد بالفاحشة، وأحاديث الباب الصحيحة من أعظم الأدلة على ذلك ولعلها لم تبلغهما، وحمل الحافظ كلامهما على ما إذا كانت الكراهة من قبل الرجل فقط، ولا يخالف ذلك أحاديث الباب لأن الكراهة فيها من قبل المرأة، وظاهر أحاديث الباب أن  مجرد وجود الشقاق من قبل المرأة كاف في جواز الخلع. واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق منهما جميعاً وتمسك بظاهر الآية. وبذلك قال طاوس والشعبي وجماعة من التابعين. وأجاب عن ذلك جماعة منهم الطبري بأن المراد أنها إذا لم تقم بحقوق الزوج كان ذلك مقتضياً لبغض الزوج لها فنسبت المخالفة إليهما لذلك، ويؤيد عدم اعتبار ذلك من جهة الزوج أنه صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم يستفسر ثابتاً عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له.

   قوله: «تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً»  استدل بذلك من قال: إن الخلع فسخ لا طلاق. وقد حكي ذلك في البحر عن ابن عباس وعكرمة والناصر في أحد قوليه، وأحمد بن حنبل وطاوس وإسحاق وأبي ثور، وأحد قولي الشافعي وابن المنذر. وحكاه غيره أيضاً عن الصادق والباقر وداود والإمام يحيى بن حمزة، وحكي في البحر أيضاً عن علي عليه السلام وعمر وعثمان وابن مسعود وزيد بن علي والقاسمية وأبي حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى وأحد قولي الشافعي أنه طلاق بائن. ووجه الاستدلال بحديث ابن عباس وحديث الربيع أن الخلع لو كان طلاقاً لم يقتصر صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم على الأمر بحيضة، وأيضاً لم يقع فيهما الأمر بالطلاق بل الأمر بتخلية السبيل. قال الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير: إنه بحث عن رجال الحديثين معاً فوجدهم ثقات، واحتجوا أيضاً لكونه فسخاً بقوله تعالى:  {الطلاق مرتان}  (البقرة: 922) ثم ذكر الافتداء ثم عقبه بقوله تعالى؛  {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره}  (البقرة: 922) قالوا: ولو كان الافتداء طلاقاً لكان الطلاق الذي لا تحل له فيه إلاَّ بعد زوج هو الطلاق الرابع. وبحديث حبيبة بنت سهل عند مالك في الموطأ أنها قالت للنبي صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي، فقال النبي صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم لثابت:  «خذ منها»  فأخذ وجلست في أهلها ولم يذكر فيه الطلاق. ولا زاد على الفرقة. وأيضاً لا يصح جعل الخلع طلاقاً بائناً ولا رجعياً. أما الأول فلأنه، خلاف الظاهر لأنها تطليقة واحدة. وأما الثاني فلأنه إهدار لمال المرأة الذي دفعته لحصول الفرقة. (واحتج القائلون) بأنه طلاق بما وقع في حديث ابن عباس المذكور من أمره صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم لثابت بالطلاق. وأجيب بأنه ثبت من حديث المرأة صاحبة القصة عند أبي داود والنسائي ومالك في الموطأ بلفظ: «وَخَلِّ سَبِيلَهَا»  وصاحب القصة أعرف بها. وأيضاً ثبت بلفظ الأمر بتخلية السبيل من حديث الربيع وأبي الزبير كما ذكره المصنف. ومن حديث عائشة عند أبي داود بلفظ «وَفَارِقْهَا»  وثبت أيضاً من حديث الربيع أيضاً عند النسائي بلفظ: «وَتَلْحَقْ بِأَهْلِهَا» . ورواية الجماعة أرجح من رواية الواحد. وأيضاً قد روي عن ابن عباس هذا الحديث بدون ذكر الطلاق من طريقين كما في الباب. وأيضاً ابن عباس من جملة القائلين بأنه فسخ. ويبعد منه أن يذهب إلى خلاف ما يرويه عن النبي صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم. وقد حكي ذلك عن ابن عباس ابن عبد البر، ولكنه ادعى شذوذ ذلك عنه قال: إذ لا يعرف أحد نقل عنه أنه فسخ وليس بطلاق إلاَّ طاوس. قال في الفتح: وفيه نظر لأن طاوساً ثقة حافظ فقيه فلا يضر تفرده، وقد تلقى العلماء ذلك بالقبول، ولا أعلم من ذكر الاختلاف في المسألة إلاَّ وجزم أن ابن عباس كان يراه فسخاً انتهى. وقال الخطابي في معالم السنن: أنه احتج ابن عباس على أنه ليس بطلاق بقول الله تعالى:  {الطلاق مرتان}  (البقرة: 922) انتهى. وأما الاحتجاج بقول الله تعالى:  {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}  (البقرة: 822) فيجاب عنه أولاً بمنع اندراج الخلع تحت هذا العموم لما قررناه من كونه ليس بطلاق. وثانياً بأنا لو سلمنا أنه طلاق لكان ذلك العموم مخصصاً بما ذكرنا من الأحاديث، فيكون بعد ذلك التسليم طلاقاً عدته حيضة. واحتجوا أيضاً على كونه طلاقاً بأنه قول أكثر أهل العلم كما حكى ذلك الترمذي فقال: قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم وغيرهم أن عدة المختلعة عدة المطلقة انتهى. ويجاب بأن ذلك مما لا يكون حجة في مقام النزاع بالإجماع لما تقرر أن الأدلة الشرعية. إما الكتاب أو السنة أو القياس أو الإجماع على خلاف في الأخيرين. وأيضاً قد عارض حكاية الترمذي حكاية ابن القيم فإنه قال: لا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة. قال ابن القيم أيضاً: والذي يدل على أنه ليس بطلاق أنه تعالى رتّب على الطلاق بعد الدخول ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع. أحدها: أن الزوج أحق بالرجعة فيه. الثاني: أنه محسوب من الثلاث فلا تحل بعد استيفاء العدد إلاَّ بعد دخول زوج وإصابة. الثالث: أن العدة ثلاثة قروء. وقد ثبت بالنص والإجماع أنه لا رجعة في الخلع انتهى. قال الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير في بحث له: وقد استدل أصحابنا يعني الزيدية على أنه طلاق بثلاثة أحاديث ثم ذكرها وأجاب عنها بوجوه حاصلها أنها مقطوعة الأسانيد، وأنها معارضة بما هو أرجح، وإن أهل الصحاح لم يذكروها وإذا تكرر لك رجحان كونه فسخاً. فاعلم أن القائلين به لا يشترطون فيه أن يكون للسنة، فيجوز عندهم أن يكون في حال الحيض، ويقول بوقوعه منهم من لم يقل بوقوع الطلاق البدعي، لأنه لا يعد من جملة الطلاق الثلاث التي جعله الله للأزواج. والدليل على عدم الاشتراط عدم استفصاله صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم كما في أحاديث الباب وغيرها، ويمكن أن يقال إن ترك الاستفصال لسبق العلم به. وقد اشترط في الخلع نشوز الزوجة الهادوية. وقال داود والجمهور: ليس بشرط وهو الظاهر لأن المرأة اشترت الطلاق بمالها، فلذلك لم تحل فيه الرجعة على القول بأنه طلاق، قال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: أن الأمر المشترط فيه أن لا يقيما حدود الله هو طيب المال للزوج لا الخلع، وهو الظاهر من السياق في قوله تعالى:  {فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}  (البقرة: 922).

   قوله: «أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلاَ»  استدل بذلك من قال: إن العوض من الزوجة لا يكون إلاَّ بمقدار ما دفع إليها الزوج لا بأكثر منه، ويؤيد ذلك ما عند ابن ماجة والبيهقي من حديث ابن عباس: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا وَلاَ يَزْدَادَ» . وفي رواية عبد الوهاب عن سعيد قال أيوب: لا أحفظ فيه ولا يزداد. وفي رواية الثوري: وكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطى، ذكر ذلك كله البيهقي، قال: ووصله الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال أبو الشيخ: هو غير محفوظ يعني الصواب إرساله، وبما ذكرناه يعتضد مرسل أبي الزبير، ولا سيما وقد قال الدارقطني أنه سمعه أبو الزبير من غير واحد كما ذكره المصنف. قال الحافظ: فإن كان فيهم صحابي فهو صحيح، وإلاَّ فيعتضد بما ورد في معناه. وأخرج عبد الرزاق عن علي أنه قال: لا يأخذ منها فوق ما أعطاه. وعن طاوس وعطاء والزهري مثله وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق والهادوية. وعن ميمون بن مهران: من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرح بإحسان. وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن سعيد بن المسيب. قال: ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها ليدع لها شيئاً. وذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يخالع المرأة بأكثر ممّا أعطاها. قال مالك: لم أر أحداً ممن يقتدى به يمنع ذلك لكنه ليس من مكارم الأخلاق. وأخرج ابن سعد عن الربيع قالت: كان بيني وبين ابن عمي كلام وكان زوجها، قالت: فقلت له لك كل شيء وفارقني، قال: قد فعلت فأخذ والله كل فراشي، فجئت عثمان وهو محصور فقال: الشرط أملك خذ كل شيء حتى عقاص رأسها. وفي البخاري عن عثمان أنه أجاز الخلع دون عقاص رأسها. وروى البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: «كَانَتْ أُخْتِي تَحْتَ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَارْتَفَعَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا: أَتَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: وَأُزِيدُهُ، فَخَلَعَهَا فَرَدَّتْ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ وَزَادَتْهُ»  وهذا مع كون إسناده ضعيفاً ليس فيه حجة، لأنه ليس فيه أنه قررها صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم على دفع الزيادة بل أمرها برد الحديقة فقط، ويمكن أن يقال: إن سكوته بعد قولها وأزيده تقرير. ويؤيد الجواز قوله تعالى:  {فلا جناح عليهما فيما افتدت به}  (البقرة: 922) فإنه عام للقليل والكثير، ولكنه لا يخفى أن الروايات المتضمنة للنهي عن الزيادة مخصصة لهذا العموم ومرجحة على تلك الرواية المتضمنة للتقرير لكثرة طرقها وكونها مقتضية للحصر، وهو أرجح من الإباحة عند التعارض على ما ذهب إليه جماعة من أئمة الأصول. (وأحاديث الباب) قاضية بأنه يجوز الخلع إذا كان ثم سبب يقتضيه، فيجمع بينها وبين الأحاديث القاضية بالتحريم بحملها على ما إذا لم يكن ثم سبب يقتضيه. وقد أخرج أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث ثوبان: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلاَقَ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» . وفي بعض طرقه من غير ما بأس وقد تقدم الحديث. وأخرج أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة: «الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ»  وهو من رواية الحسن عنه وفي سماعه منه نظر.

 

 

القرآن الكريم
القرآن الكريم مقروءا
ترتيلات القرآن الكريم
تسجيلات نادرة القرآن الكريم
نور النبي
رسول الله في أعين محبيه
رد الشبهات عن رسول الله
آل بيت رسول الله
صحابة رسول الله
أضف لمعلوماتك الإسلامية
المنتدى الإسلامي
البحث في الملفات
 
البحث في المقالات
 
السيرة النبوية
مقروءة
مسموعة
نور النبي
المكتبة الإسلامية
الكتب والبحوث
التسجيلات الصوتية
التسجيلات المرئية
نور النبي
المرأة والطفل
نصائح ذهبية
إيمانك يا مؤمنة
علمي طفلك الإيمان
نور النبي
Facebook
صفحة موقع نور النبي

صفحة فضيلة الشيخ
أبوهاشم الشريف
نور النبي
انت الزائر رقم 6215846
أخبار الموقع عن الموقع اتصل بنا رد الشبهات عن رسول الله آل بيت رسول الله الرئيسية
Powered By Ray-IT - All Rights Reserved 2006