أخبار الموقع
صفات النبى من جواهر البحار
يقول الإمام الغزالي (بيان جملة من محاسن أخلاقه التي جمعها بعض العلماء والتقطها من الأخبار) فقال كان صلى الله عليه وسلم أحلم الناس وأشجع الناس وأعدل الناس وأعف الناس لم تمس يده قط يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرم منه * وكان أسخي الناس لا يبيت عنده دينار ولا درهم وإن فضل شئ ولم يجد من يعطيه وفجاه لليل لم يأوِ إلى منزله حتى يتبرأ منه الى من يحتاج اليه لا يأخذها مما آتاه الله إلا عامة من أيسر ما يجد من التمر والشعير ويضع سائر ذلك فى سبيل الله لا يسأل عبئا إلا أعطاه ثم يعود على قوم بين أعدائه بلا حارس أشد الناس تواضعا وأسكنهم فى غير كبر وأبلغهم فى غير تطويل وأحسنهم بشرا لايهوله شئ من أمور الدنيا ويلبس ما وجد فمرة شملة ومرة برد حبرة يمانيا ومرة جبة صوف ما وجد من المباح لبس وخاتمه فضة يلبسه فى خنصره الأيمن والأيسر يردف خلفه عبده أو غيره يركب ما أمكنه مرة فرسا ومرة بعيرا ومره بغلة شهباء ومرة حمارا ومرة يمشى راجلا حافيا بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة يعود المرضى فى أقصى المدينة يحب الطيب ويكره الرائحة الرديئة ويجالس الفقراء ويؤاكل المساكين ويكرم أهل الفضل فى أخلاقهم ويتألف أهل الشرف بالبر لهم يصل ذوى رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم لا يجفو على أحد يقبل معذرة المعتذر اليه يمزح ولا يقول إلا حقا يضحك من غير قهقهة يرى اللعب المباح فلا ينكره يسابق أهله وترفع الأصوات عليه فيصبر * وكان له لقاح وغنم يتقوت هو وأهله من ألبانها وكان له عبيد وإماء لا يرتفع عليهم فى مأكل ولا ملبس ولا يمضى له وقت فى غير عمل لله تعالى أو فيما لابد له منه من صلاح نفسه يخرج الى بساتين أصحابه لا يحتقر مسكينا لفقره وزمانته ولا يهاب ملكا لملكه يدعوا هذا وهذا الى الله دعاء مستويا قد جمع الله تعالى له السيرة الفاضلة والسياسة التامة وهو أمى لا يقرأ ولا يكتب نشأ فى بلاد الجهل والصحارى فى فقر وفى رعاية الغنم يتيما لا أب له ولا أم فعمله الله تعالى جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة وأخبار الأولين والآخرين وما فيه النجاة والفلاح فى الآخرة والغبطة والخلاص فى الدنيا ولزوم الواجب وترك الفضول وفقنا الله لطعته فى قوله والتأسى به فى فعله آمين يارب العالمين ( بيان جملة أخرى من آدابه وأخلاقه صلى الله عليه وسلم ) قالوا ما شتم رسول الله أحد من المؤمنين بشتيمة إلا جعل لها كفارة ورحمة وما يلعن إمرأة ولا خادما بلعنة وقيل له وهو فى القتا لو لعنتهم يا رسول الله فقال إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا وكان إذا سئل عن بدء على أحد مسلم أو كافر عام أو خاص عدل عن الدعاء عليه الى الدعاء له وما ضرب بيده أحدا قط إلا أن يضرب بها فى سبيل الله تعالى وما انتقم من شئ صنع اليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله وما خير بين أمرين إلا إختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إسم أو قطيعة رحم فيكون أبعد الناس من ذلك وما كان يأتيه أحد حر أو عبد أو أمة إلا قام معه فى حاجته * وقال أنس رضى الله عنه والذى بعثه بالحق ما قال لى فى شئ قط كرهه لم فعلته ولا لا منى نساوه إلا قال دعوه إنما كان هذا بكتاب وقدر * قالوا وما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا أن فرشوا له اضطجع وان لم يفرش له اضطجع على الأرض * وقد وصفه الله تعالى فى التوراة قبل أن يبعثه فى السطر الأول فقال محمد رسول الله عبدى المختار ولا فظ ولا غليظ ولا صخاب فى الأسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح مولده بمكة وهجرته بطابة وملكه بالشام يأتزر على وسطه هو ومن معه رعاة للقرآن والعلم يتوضأ على أطرافه وكذلك نعته فى الإنجيل * وكان من خلقه أن يبدأ من لقيه بالسلام ومن قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ وكان إذا لقى أحدا من أصحابه بدأه بالمصافحة ثم أخذ بيده فشلبكه ثم شد قبضته عليها وكان لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر الله وكان لا يجلس إليه أحد وهو يصلى إلا خفف صلاته وأقبل عليه وقال له ألك حاجة فإذا فرغ من حاجته عادا الى صلاته * وكان أكثر جلوسه أن ينصب ساقيه جميعا ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة ولم يكن يعرف مجلسه من مجالس أصحابه لأنه كان حيث انتهى به المجلس جلس وما رؤى قط مادا رجليه بين أصحابه حتى لايضيق بهما على أحد الا أن يكون المكان واسعا لا ضيق فيه وكان أكثر ما يجلس مستقبل القبله * وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه لمن ليست بينه وبينه قرابة ولا رضاع يجلسه عليه وكان يؤثر الداخل عليه بالوساده التى تحته فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل وما استفاه أحدا إلا ظن أنه أكرم الناس عليه حتى يعطى كل من جلس اليه نصيبه من وجهه حتى كان مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف محاسنه وتوجهه للمجالس اليه ومجلسه مع ذلك مجالس حياء وتواضع وأمانه قال الله تعالى "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غيظ القلب لانفضوا من حولك" ولقد كان يدعوا أصحابه بكناهم إكراما لهم واستمالة لقلوبهم ويكنى مالم تكن له كنية فكان يدعى بما كناه به بكنى أيضا النساء اللاتى لهن الأولاد واللاتي لم يلدن يبتدى لهن الكنى ويكنى الصبيان فيستلين به قلوبهم وكان أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضى وكان أرأف الناس بالناس وخير الناس للناس وأنفع الناس للناس ولم تكن ترفع فى مجلسه الأصوات وكان إذا قام من مجلسه قال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ثم يقول علمنيهن جبريل عليه السلام (بيان كلامه وضحكه صلى الله عليه وسلم) كان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس منطقا وأحلاهم كلاما ويقول أنا أفصح العرب وان أهل الجنة يتكلمون فيها بلغة محمد صلى الله عليه وسلم * وكان نزر الكلام سمح المقالة إذا نطق ليس بمهذار وكان كلامه كخرزات نظمن * قالت عائشة رضى الله عنها كان لا يسرد الكلام كسردكم هذا كان كلامه نزرا وأنتم تنثرون الكلام نثرا قالوا وكان أوجز الناس كلاما وبذاك جاءه جبريل وكان مع الإيجاز يجمع كل ما أراد * وكان يتكلم بجوامع الكلم لا فضول ولا تقصير كأنه يتبع بعضه بعضا بين كلامه توقف يحفظه سامعه ويعيه * وكان جهير الصوت أحسن الناس نعمة وكان طويل السكوت لا يتكلم فى غير حاجة ولا يقول المنكر ولا يقول فى الرضا والغضب إلا الحق ويعرض عمن تكلم بغير جميل ويكنى عما اضطره الكلام اليه مما يكره وكان إذا سكت تكلم جلساؤه ولا يتنازع عنده فى الحديث ويعظ بالجد والنصيحة ويقول لا تضربوا القرآن بعضه ببعض فإنه أنزل على وجوه * وكان أكثر الناس تبسما وضحكا فى وجوه أصحابه وتعجبا مما تحدثوا به وخلطا لنفسه بهم ولربما ضحك حتى تبدوا نواجذه وكان ضحك أصحابه عنده التبسم إقتداء به وتوقيرا له * قالوا ولقد جاءه أعرابى يوما وهو عليه الصلاة والسلام متغير اللون ينكره أصحابه فأرادان يسأله فقالوا لا نفعل يا أعرابى فإننا ننكر لونه فقال دعونى فوالذى بعثه بالحق نبيا لا أدعه حتى يبتسم فقال يا رسول الله بلغنا أن المسيح يعنى الدجال ييأتى الناس بالثريد وقد هلكوا جوعا افترى لى بأبى أنت وأمى أن أكف عن ثريده تعففا وتنزها حتى أهلك هزالا أم أضرب فى ثريده حتى إذا تضلعت شبعا آمنت بالله وكفرت به فقالوا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال لا بل يغنيك الله بما يغنى به المؤمنين * قالوا وكان من أكثر الناس تبسما وأطيبهم نفسا ما لم ينزل عليه قرآن أو يذكر الساعة أو يخطب بخطبة عظة * وكان إذا سر ورضى فهو أحسن الناس رضى فإن وعظ وعظ بجد وإن غضب وليس بغضب إلا لله لم يقم لغضبه شئ وكذلك كان فى أموره كلها * وكان إذا نزل به الأمر فوض الأمر الى الله وتبرأ من الحول والقوة واستنزل الهدى فيقول اللهم أرنى الحق حقا فأتبعه وأرنى المنكر منكرا وارزقنى اجتنابه وأعذنى من أن يشتبه على فأتبع هواى بغير هدى منك واجعل هواى تبعا لطاعتك وخذ رضى نفسك من نفسى فى عافية واهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء الى صراط مستقيم (بيان أخلاقه وآدابه فى الطعام) كان صلى الله عليه وسلم يأكل ما وجد وكان أحب الطعام اليه ما كان على ضفف والضفف ما كثرت عليه الأيدى * وكا إذا وضعت المائده قال بسم الله اللهم اجعلها نعمة مشكورة تصل بها نعمة الجنة * وكان كثيرا إذا جلس يأكل يجمع بين ركبتيه وبين قدميه كما يجلس المصلى إلا أن الركبة تكون الركبة والقدم فوق القدم ويقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجل العبد * وكان لا يأكل الحار ويقول إنه غير ذى بركة وان الله لم يطعمنا نارا فأبردوه * وكان يأكل مما يليه ويأكل بأصابعه الثلاث وربما استعان بالرابعة ولم يكن يأكل بإصبعين ويقول إن ذلك اكله الشيطان وجاءه عثمان بن عفان رضى الله عنه بفالوذج فأكل منه وقال ما هذا يا أبا عبد الله فقال بأبى أنت وأمى نجعل السمن والعسل فى البرمة ونضعها على النار ثم نغليه ثم نأخذ مخ الحنطة إذا طحنت فنقلبه على السمن والعسل فى البرمة ثم نسوطه حتى ينضج فيأتى كما ترى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الطعام طيب وكان يأكل خبز الشعير غير منخول وكان يأكل القثاء بالرطب وبالملح * وكان أحب الفواكه الرطبه اليه البطيخ والعنب وكان يأكل البطيخ بالخبز وبالسكر وربما أكله بالرطب ويستعين باليدين جميعا واكل يوما الرطب فى يمينه وكان يحفظ النوى فى يساره فمرت شاه فأشار اليها بالنوى فجعلت تأكل من كفه اليسرى وهو يأكل بيمينه حتى فرغ وانصرفت الشاة وكان ربما أكل العنب خرطا يرى رؤاله على لحيته كخرز اللؤلوء * وكان أكثر طعامه الماء والتمر وكان يجمع اللبن بالتمر ويسميهما الأطيبين وكان أحب الطعام اليه اللحم ويقول هو يزيد فى السمع وهوسيد الطعام فى الدنيا والآخرة ولو سألت ربى أن يطعمنيه كل يوم لفعل وكان يأكل الثريد باللحم والقرع وكان يحب القرع ويقول إنها شجرة أخى يونس عليه السلام * قالت عائشة رضى الله عنها وكان يقول يا عائشة إذا طبختم قدرا فأكثروا فيها من الدباء فإنه يشد القلب الحزين وكان يأكل لحم الطير الذى يصاد وكان لا يتبعه ولا يصيده ويحب أن يصاد له ويؤتى به فيأكله وكان اذا أكل اللحم لم يطاطئ رأسه اليه ويرفعه الى فيه رفعا ثم ينتهشه انتهاشا وكان يأكل الخبز والسمن وكان وكان يحب من الشاة الذراع والكتف ومن القدر الدباء ومن الصباغ الخل ومن التمر العجوة ودعا فى العجوة بالبركة وقال هى من الجنة وهى شفاء من السم والسحر وكان يحب من البقول الهندباء والباذروج والبقلة الحمقاء التى يقال لها الرجله وكان يكره الكليتين لمكانهما من البول * وكان لا يأكل من الشاة سبعا الذكر والإثنين والمثانة والمرارة والغدد والحياء والدم ويكره ذلك * وكان لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث وما ذم طعاما قط لكن ان عجبه أكله وان كرهه تركه وان عافه لم يبغضه الى غيره * وكان يعف الضب والطحال ولا يحرمهما وكان يلعق بأصابعه الصحفة ويقول آخر الطعام أكثر بركة وكان بأصابعه من الطعام حتى تحمر * وكان لا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه واحدة واحدة ويقول إنه لا يدرى فى أى الطعام البركة واذا فرغ من الطعام قال الحمد لله اللهم لك الحمد أطعمت فأشبعت وسقيت فأروي تلك الحمد غير مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه وكان اذا أكل الخبز واللحم خاصة غسل يديه غسلا جيدا ثم يمسح بفضل الماء على وجهه *وكان يشرب فى ثلاث دفعات وفيها ثلاث تسميات وفى أواخرها ثلاث تحميدات * وكان يمص الماء مصا ولا يعب عبا وكان يدفع فضل سؤره الى من على يمينه فإن كان من على يساره اجل رتبه قال للذى على يمينه السنة أن تعطى فإن أحببت آثرتهم وربما كان يشرب بنفس واحد حتى يفرغ وكان لا يتنفس فى الإناء بل ينحرف عنه وآتى بإناء فيه عسل ولبن فأبى أن يشرب به وقال شربتان فى شربة وادامان فى إناء واحد قال صلى الله عليه وسلم لا أحرمه ولكنى أكره الفخر والحساب بفضول الدنيا غدا وأحب التواضع فإن من تواضع لله رفعه الله * (بيان معجزاته وآياته الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم) اعلم أن من شاهد أحواله صلى الله عليه وسلم وأصغى الى سماع أخباره المشتملة على أخلاقه وأفعاله وأحواله وعاداته وسجاياه وسياسته لأصناف الخلق وهدايته إلى ضبطهم وتألفه أصناف الخلق وقوده إلى طاعته مع ما يحكى من عجائب أجوبته فى مضايق الأسئلة وبدائع تدبيراته في مصالح الخلق ومحاسن إشاراته في تفصيل ظاهر الشرع الذي يعجز الفقهاء والعقلاء عن إدراك أوائل دقائقها في طول أعمارهم لم يبق له ريب ولا شك فى أن ذلك لم يكن مكتسبا بحيلة تقوم بها القوة البشرية بلا لا يتصور ذلك إلا باستمداد من تأييد سماوي وقوة إلاهية وان ذلك كله لا يتصور لكذاب ولا ملبس بل كانت شمائله وأحواله شواهد قاطعة بصدقه حتى أن العربي القح كان يراه فيقول والله ما هذا وجه كذاب فكان يشهد له بالصدق بمجرد شمائله فكيف من شاهد أخلاقه ومارس أحواله فى جميع مصادره وموارده * وإنما أوردنا بعض أخلاقه لتعرف محاسن الأخلاق وليتنبه لصدقه عليه الصلاة والسلام وعلو منصبه ومكانته العظيمة عند الله اذ آتاه الله جميع ذلك وهو رجل أمى لم يمارس العلم ولم يطالع الكتب ولم يسافر قط فى طلب علم ولم يزل بين أظهر الجهال من الأعراب يتيما ضعيفا مستضعفا فمن أين حصل له محاسن الأخلاق والآداب ومعرفة مصالح الفقه مثلا فقط دون غيره من العلوم فضلا عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه وغير ذلك من خصائص النبوة لولا صريح الوحى ومن أين لقوة البشر الاستقلال بذلك ولو لم يكن له إلا هذه الأمور الظاهرة لكان فيه كفاية * وقد ظهر من آياته ومعجزاته مالا فيه محصل فلنذكر من جملتها ما استفاضت به الأخبار واشتملت عليه الكتب الصحيحة اشارة الى مجامعها من غير تطويل بحكاية التفصيل فقد خرق الله العادة على يده غير مرة إذ شق له القمر بمكة لما سألته قريش آية وأطعم النفر الكثير فى منزل جابر وفى منزل أبى طلحة ويوم الخندق ومرة أطعم ثمانين من أربعة امداد شعير وعناق وهو من أولاد المعز فوق العتود ومرة أكثر من ثمانين رجلا من أقراص شعير حملها أنس فى يده ومرة أهل الجيش من تمر يسير ساقته بنت بشر فى يدها فأكلوا كلهم حتى شبعوا من ذلك وفضل لهم ونبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام فشرب أهل العسكر كلهم وهم عطاش وتوضؤا من قدح صغير ضاق عن أن تبسط عليه الصلاة والسلام يده فيه وأهرق عليه الصلاة والسلام وضوأه فى عين تبوك ولا ماء فيها ومرة أخرى فى بئر الحديبية الف وخمسمائة ولم يكن فيها قبل ذلك ماء وأمر عليه الصلاة والسلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يزود أربعمائة راكب من تمر كان فى اجتماعه كر بضة البعير وهو موضع بر وبركة فزردهم كلهم منه وبقى منه بقية * ورمى الجيش بقبضة من تراب فعميت عيونهم ونزل بذلك القرآن فى قوله "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" وأبطل الله تعالى الكهانة بمبعثه صلى الله عليه وسلم فعمدت وكانت ظاهرة موجودة * وحن الجذع الذى كان يخطب اليه لما عمل له المنبر حتى سمع منه جميع أصحابه مثل صوت الإبل فضمه اليه فسكن * ودعا اليهود الى تمنى الموت وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه فحيل بينهم وبين النطق بذلك وعجزوا عنه وهذا مذكور فى سورة يقرأ بها فى جميع جوامع السلام من شرق الأرض الى غربها يوم الجمعة جهرا تعظيما للآية التى فيها * وأخبر عليه الصلاة والسلام بالغيوب وانذر عثمان بأن تصيبه بلوى بعدها الجنة وبأن عمارا تقتله الفئة الباغية وأن الحسن يصلح الله به فئتين من المسلمين عظيمتين * وأخبر عليه الصلاة والسلام عن رجل قاتل فى سبيل الله أنه من أهل النار فظهر ذلك بأن ذلك الرجل قتل نفسه وهذه كلها أشياء الاهية لا تعرف ألبته بشئ من وجوه تقدمت المعرفة بها لا بنجوم ولا بكشف ولا بخط ولا بزجر لكن بإعلام الله تعالى له ووحيه اليه * واتبعته سراقة بن مالك فساخت قدما فرسه فى الأرض واتبعه دخان حتى استغاثه فدعا له فانطلق الفرس وأنذره بأن سيوضع فى ذراعيه سوارا كسرى فكان كذلك * وأخبر بمقتل الأسود العنسى الكذاب ليلة قتله وهو بصنعاء اليمن وأخبر بمن قتله * وخرج على مائة من قريش ينتظرونه فوضع التراب على رؤسهم ولم يروه * وشكا اليه البعير بحضرة أصحابه وتذلل له * وقال لنفر من أصحابه مجتمعين أحدكم فى النار ضرسه مثل أحد فماتوا كلهم على استقامة وارتد منهم واحد فقل مرتدا * وقال لآخرين منهم آخركم موتا فى النار فسقط آخرهم موتا فى النار فاحترق فيها فمات * ودعا شجرتين فأتتاه واجتمعتا ثم أمرهما فافترقتا * وكان عليه الصلاة والسلام نحو الربعة فإذا مشى مع الطوال طالهم * ودعا عليه الصلاة والسلام النصارى الى المباهلة وعرفهم أنهم ان فعلوا هلكوا فعلموا صحة قوله فامتنعوا * وآتاه عامر بن الطفيل وإربد بن قيس وهما فارسا العرب عازمين على قتله عليه الصلاة والسلام فحيل بينهما وبين ذلك ودعا عليهما فهلك عامر بغدة وهلك إربد بصاعقه أحرقته * وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه يقتل أبى بن خلف فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا فكانت منيته فيه * وأطعم عليه الصلاة والسلام السم فمات الذى أكله معه وعاش صلى الله عليه وسلم بعده أربع سنين وكلمه الذراع المسموم * وأخبر عليه الصلاة والسلام يوم بدر بمصارع صناديد قريش ووتفهم على مصارعهم رجلا رجلا فلم يعتد واحد منهم ذلك الموضع * وانذر عليه الصلاة والسلام بأن طوائف من أمته يغزون فى البحر فكان كذلك * وزويت له الأرض ذارى مشارقها ومغاربها وأخبر بأن ملك أمته سيبلغ من زوى له منها فكان كذلك فقد بلغ ملكهم من أول المشرق الى آخر المغرب * وأخبر فاطمة ابنته رضى الله عنها بأنها أول أهله لحاقا به فكان كذلك وأخبر نساءه رضى الله عنهن بأن أطولهن يدا أسرعهن لحاقا به فكانت زينب بنت جحش الأسدية أطولهن يدا بالصدقة وأولهن لحوقا به * ومسح ضرع شاه حائل لا لبن لها فدرت وكان ذلك سبب إسلام بن مسعود * وفعل ذلك مرة أخرى فى خيمة أم معبد الخزاعية * وندرت عين بعض أصحابه فسقطت فردها عليه الصلاة والسلام بيده فكانت أصح عينيه وأحسنهما * وتفل فى عين على رضي الله عنه وهو أرمد يوم خيبر فصح من وقته وبعثه بالراية * وكانوا يسمعون تسبيح الطعام بين يديه صلى الله عليه وسلم وأصيلت رجل بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم فمسحها بيده فبرأت من حينها * وقل زاد جيش كان معه عليه الصلاة والسلام فدعا بجمع ما بقى فاجتمع شئ يسير جدا فدعا بالبركة ثم أمرهم فأخذوا فلم يبق وعاء فى العسكر الأملئ من ذلك * وحكى الحكم بن العاص مشيته عليه الصلاة والسلام مستهزئا فقال صلى الله عليه وسلم كن كذلك * فكان يزل يرتعش حتى مات * وخطب عليه الصلاة والسلام امرأه فقال له ابوها ان بها برصا امتناعا من خطبته واعتذارا ولم يكن بها برص فقال عليه الصلاة والسلام فلتكن كذلك فبرصت وهى أم شبيب بن البرصاء الشاعر االى غير ذلك من آياته ومعجزاته صلى الله عليه وسلم وانما اقتصرنا على المستفيض * ومن يستريب فى انخراق العادة على يده ويزعم أن آحاد هذه الرقائع لم تنقل تواترا بل المتواتر القرآن فقط كمن يستريب فى شجاعة على رضى الله عنه وسخاوة حاتم الطائى ومعلوم أن آحاد وقائعهم غير متواترة ولكن مجموع الوقائع يورث علما ضروريا ثم لا يتمارى فى تواتر القرآن وهى المعجزة الكبرى الباقية بين الحلق وليس لنبى معجزة باقية سواه اذ تحدى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغاء الحلق وفصحاء العرب وجزيرة العرب حينئذ مملوءة بآلاف منهم والفصاحة صنعتهم وبها منافستهم ومباهاتهم وكان ينادى بين أظهرهم أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة من مثله ان شكوا فيه وقال لهم قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا * وقال ذلك تعجيزا لهم فعجزوا عن ذلك وصرفوا عنه حتى عرضوا أنفسهم للقتل ونساءهم وذرا ريهم للسبي وما استطاعوا أن يعارضوا ولا أن يقدحوا فى جزالته وحسنه ثم انتشر ذلك بعده فى أقطار العالم شرقا وغربا قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر وقد انقرض اليوم قريب من خمسمائة سنة ( وهو زمن حجة الإسلام الغزالى ) فلم يقدر أحد على معارضته فأعظم بغبارة من ينظر فى أحواله ثم فى أقواله ثم فى أفعاله ثم فى أخلاقه ثم فى معجزاته ثم فى استمرار شرعه الى الآن ثم فى انتشاره فى أقطار العالم ثم فى اذعا ملوك الأرض له فى عصره وبعد عصره مع ضعفه ويتمه ثم يتمارى بعد ذلك فى صدقه صلى الله عليه وسلم وما أعظم توفيق من آمن به وصدقه واتبعه عليه الصلاة والسلام فى كل ما ورد وصدر * فنسأل الله تعالى أن يوفقنا بمنه وسعة جوده للإقتداء به فى الأخلاق والأفعال * والأحوال والأقوال* صلى الله عليه وسلم . الأمر بعدم الإمكان بوجود الأجسام بلا محل فان تلك عادة أجراها الله تعالى تثبط بها العقل ولم يطلق سراحة فى فضاء الحقائق ول أطلق سراحه فى فضاء الحقائق لعلم أن الله تعالى قادر على خلق العالم فى غير محل وحيث كان الأمر كذلك فالله تعالى خلق الحقيقة المحمدية جوهرا غير مفتقر الى المحل ولا شك أن من كشف له عن الحقيقة الإلهية علم يقينا قطعيا أن إيجاد العالم فى غير محل ممكن إمكانا صحيحا * أما الحقيقة المحمدية هى فى هذه المرتبة لا تعرف ولا تدرك ولا مطمع لا حد فى نيلها فى هذا الميدان ثم استأثرت بالباس من الأنوار الإلهية واحتجبت بها عن الوجود فهى فى هذا الميدان تسمى روحا بعد احتجابها بالالباس وهذه غاية ادراك النبيين والمرسلين والأقطاب يصلون الى هذا المحل ويقفون ثم استأثرت بالباس من الأنوار الإلهية أخرى وبها سميت عقلا ثم استأثرت بالباس من الأنوار الإلهية أخرى فسميت بسببها قلبا ثم استأثرت بالباس من الأنوار الإلهية أخرى فسميت بسببها نفسا ومن بعد هذا ظهر جسده الشريف صلى الله عليه وسلم فألا ولا يختلفون فى الإدراك لهذه المراتب فطائفة غاية ادراكهم قلبه صلى الله عليه وسلم ولهم فى ذلك علوم وأسرار ومعارف أخرى وطائفة فوقهم غاية ادراكهم عقله صلى الله عليه وسلم ولهم فى ذلك علوم وأسرار ومعارف أخرى وطائفة وهم الأعلون بلغوا الغاية القصوى فى الإدراك فأدركوا مقام روحه صلى الله عليه وسلم وهو غاية ما يدرك ولا مطمع لأحد فى درك الحقيقة فى ماهيتها التى خلقت فيها وفى هذا يقول أبو يزيد غصت لجة المعارف طالبا للوقوف على عين حقيقة النبى صلى الله عليه وسلم فإذا بينى وبينها ألف حجاب من نور لو دنوت من الحجاب الأول لاحترقت به كما تحترق الشعرة اذا لقيت فى النار وكذا قال الشيخ مولانا عبد السلام فى صلاته وله تساءلت الفهوم فلم يدركه منا سابق ولا لاحق وفى هذا يقول أويس القرنى رضى الله عنه لسيدنا عمر وسيدنا على رضى الله عنهما لم تريا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا طلة قالا ولا بن أبى قحافة قلا ولا بن أبى قحافة فلعله غاص لجة لمعارف طالبا للوقوف على عين الحقيقة المحمدية قيل له عجز عنه أكابر الرسل والنبيين فلا مطمع لغيرهم فيه والسلام انتهى ما أملاه علينا سيدنا على رضى الله عنه * (ومن جواهر العارف التجانى أيضا) جوابه رضى الله عنه صفحة 180عن معنى قوله تعالى فى حق النبى صلى الله عليه وسلم ماكنت درى ما الكتاب ولا الإيمان وفى الآية الأخرى وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم الى غير ذلك من الآيات التى تحت هذا النحو مع حديث عائشة رضى الله عنها أنها قالت من قال أن النبى صلى الله عليه وسلم يعلم ما فى غد فقد كفرا وما هذا معناه مع أن علم الأولين والآخرين محمول فى ذاته الشريفة وهو الموصول الى كافة الخلق كل على قدره الجواب اعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يعلم علوم الأولين والآخرين اطلاقا وشمولا ومن جملة ذلك العلم بالكتب الإلهية فضلا عن القرآن وحده ويعلم مطالبة الإيمان بدايته ونهايته وماهية الإيمان وما يفسده وما يقويه كل ذلك هو ثابت فى حقيقته المحمدية صلى الله عليه وسلم * وأما قوله سبحانه وتعالى ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الأيمان فإن هذا الحال كان له قبل النبوة لم يعلمه الله بحقيقة الأيمان ولا بكيفية تنزيل الكتب ولا بماهية الرسالة وتفصيل مطالبها كل ذلك حجبه الله عنه قبل النبوة وهو مكنوز فى حقيقته المحمدية ولا يعلمه ولا يشعر به حتى اذا كان زمن النبوة رفع الله عنه الحجب وأراه ما فى حقيقته المحمدية يشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم رأيت ربى فى صورة شاب الى أن قال وضع يده بين كتفى حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمني علوم الأولين والآخرين وهذا كان فى زمن النبوة رفع الله عنه الحجاب وأراه ما أدرجه الله له فى حقيقته المحمدية من كنوز المعارف والعلوم والأسرار التى لا يحاط بساحلها ولا ينتهى الى غايتها وإياك أن تفهم من هذا أن حقيقته المحمدية لم تزل مشحونة من جميع هذه المعارف والعلوم وأسرار من أول الكون من حيث أنه أول موجود أوجده الله تعالى قبل وجود كل شئ وفطره على هذه العلوم والمعارف والأسرار ولم يزل مشحونا بها الى أن كان زمن وجود جسده الكريم صلى الله عليه وسلم فضرب الحجاب بينها وبين علمه بها صلى الله عليه وسلم الى أن كان زمن النبوة فرفع الحجاب وأطلعه على ما أودعه فى حقيقته المحمدية مما ذكر أو لا وما خاطبه به فى قوله ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان أخبر عن حالة احتجاب ما كان فى حقيقته أولا عن علمه صلى الله عليه وسلم فقط إنها لم يكن العلم بها فى حقيقته وقد كان صلى الله عليه وسلم قبل النبوة من حين خروجه من بطن أمه لم يزل من أكابر العارفين ولم يطرأ عليه حجاب البشرية الحائل بينه وبين مطالعة الحضرة الإلهية القدسية وكان من أفراد العالم والفرد نسبته الى عموم العارفين والصديقين كنسبة العارف بالله الى العامة لا يعرفون شيئا وكان فى تلك المرتبة صلى الله عليه وسلم متحققا بمرتبة أن يأخذ العلم عن الله بلا واسطة ولا يجهل شيئا من أحوال الحضرة الإلهية ولم يطرأ على شمسه فى هذا المحل أقوال صلى الله عليه وسلم والعلم بالله تعالى الذى هو عند الأفراد العارفين ثابت له فى هذه المرتبة وإنما حجب الله عنه فى هذا الميدان ماهية الرسالة ومطالبها وما تؤول اليه وما يراد منها وكذا حجب الله عنه العلم بكيفية نزول الكتب وما يؤول اليه وما يراد منه وما الأمور التى تطلبه فى نزول الكتب حتى إذا بلغ مرتبة النبوة رفع الحجاب بين علمه وبن ما كان مودعا فى حقيقته المحمدية من العلوم والمعارف والأسرار ويدل على هذا الذى ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم منت نبيا وآدم بين الماء والطين وحيث كان فى ذلك الوقت نبيا يستحيل أن يجهل الرسالة والنبوة والكتاب ومطالبات الجميع وما يؤول اليه كل منها وما يراد من جميعها فالحديث شاهد على ما ذكرناه ويدل على ذلك أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قبل وجود جسده الكريم ما بعث الله نبيا ولا رسولا فى الأرض إلا كان هو صلى الله عليه وسلم ممد من ذلك الرسول أو النبى من الغيب من حيث أنه لا يتأتى نبى ولا رسول أن ينال من الله تعالى قليلا ولا كثيرا من العلوم والمعارف والأسرار والفيوض والتجليات والمواهب والمنح والأنوار والأحوال إلا بواسطة الإستمداد منه صلى اله عليه وسلم وهو الممد لجميعهم فى عالم الغيب فكيف يمدهم بما هم علماء به وهو جاهل به صلى الله عليه وسلم ولم يزل يركض فى هذا الميدان ركضا لا تماثله فيه الأرواح ولا تشم لمقامه الأعظم فيه رائحة وهو فيما قبل وجوده صلى الله عليه وسلم كحالة علمه بعد رسالته فى الفيض والمدد على جميع الأرواح وإنما حجب الله عنه هذه الأمور أعنى عن علمه صلى الله عليه وسلم بعد وجود جسده الشريف وقبل نبوته وهى مكنوزة فى حقيقته المحمدية لسر علمه الله فالاحتجاب لا يطلع عليه غيره وسر ذلك سدل الحجاب على النبى صلى الله عليه وسلم إذ لو كشف الله له قبل النبوة ما أدرجه فى حقيقته المحمدية وتكلم به قبل زمن الرسالة والبعث لوقع الريب فى نفس المدعوين فيما تحدى لهم به من الرسالة يقولون له إنما منت تتكلم بهذا الأمر من أول أمرك نقلته عن غيرك لست نبيا فستره الله عنه كى لا ينطق به فلما كان زمن النبوة رفع الله الحجاب عنه وما أرى الله الناس فيه صلى الله عليه وسلم قبل نبوته من كونه أميا لا يعلم شيئا ولا يدرى شيئا ولا وقعت له مخالطة أحد من أهل الكتاب أو القرب منه ليكون إذا كلمهم بما كلمهم به من أحوال الرسالة والنبوة ويعلمون أن ذلك حق لكونه صدر من أمى لا يعلم شيئا ولم يكن ذلك ولا نبوة فهذا سر الإحتجاب وشاهد هذا قوله سبحانه وتعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون * وأما قوله تعالى وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم الآية الجواب أنه صلى الله عليه وسلم عنده العلم القطعى بأنه عروس المملكة الإلهية وأنه ليس فى جميع الخليقة أكرم منه على الله تعالى ولا أحب عليه منه ولا أعز ولا اكبر حظوة عند الله منه وأنه مأمون العاقبة فى الآخرة لا يلحقه لا ألم ولا عذاب وأنه فى الدرجة العالية من النعيم الدائم المقيم ورضا الله الأبدى السرمدى كل هذا لا يدخله فيك ريب ولا شك وما ذكر صلى الله عليه وسلم من قوله وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم يحتمل أنه أراد تفصيل ما يقع به من النعيم وتفصيل العطايا والمنح الواردة عليه من الله تعالى فإنه ان علمه بجملها يمكن ان لا يحيط بتفاصيلها على دوام الأبد فى الجنة فإن فى علم الله مالا تسعه العقول وإن قلنا أنه صلى الله عليه وسلم محيط علما بجميع هذا فيقع له فى باله أن يكون عند الله مالا يعلمه من العطايا والمنح التى يصبها عليه فى دار النعيم ولا يعلمها إلا عند وجودها فهذا غير مستبعد ويحتمل أن يكون أراد بقوله وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم فإنه رد الأمر الى إحاطة العلم الأزلى الإلهى فإن علم الله فى هذا الميدان لا يحيط به محيط لا نبينا صلى الله عليه وسلم ولا غيره يشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم ولا أعلم إلا ما علمنى الله وقوله حاكيا عن نفسه بما ذكر الله عنه فى الآية قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب فيحتمل أنه رد الأمر الى حقيقة العلم الأزلى لأنه لا يحاط به وإن كان عالما بما ذكر أولا * وإما أن يتوهم من هذا الخبر أنه لا يعلم هل يرحمه الله أو يعذبه ويقربه أو يطرده فى الدار الآخرة فهذا لا تقبله الحقيقة يدل عليه قوله سبحانه وتعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى وقوله وكان فضل الله عليك عظيما ومحال أن يكون هذا الأمر منه سبحانه وتعالى وهو يتخوف عليه العذاب فإن وعده لا يخلف * وأما الخبر الوارد عن عائشة إن صح وهو قولها من قال أن النبى صلى الله عليه وسلم يعلم ما فى غد فقد كفر ما هذا معناه فلا يتأتى هذا أن سمعته من النبى صلى الله عليه وسلم ألا أن يكون كتم الأمر عنها لسر ظهر له فى ذلك الوقت لا يمكن كشفه لها كما كتم عنها رؤيته للذات العلية بعينى رأسه وهو واقع له صلى الله عليه وسلم بالإجماع فيكون كتمه له عنها لسر ظهر له فى ذلك الوقت وأخبار والاوتار وكتب الحديث كلها مشحونه بإخباراته بالغيوب التى تأتى من بعده المتقارب والمتباعده حتى قال بعض الصحابة رضى الله عنه ما ترك صلى الله عليه وسلم أمرا يكون فى أمته من بعده لا ذكره الى قيام الساعة وقوله صلى الله عليه وسلم ما من شئ لم أكن أريته إلا رأيته فى مقامى هذا حق الجنة والنار الحديث والأخبار كثير متواترة حتى لا يكاد أن يرتاب فيها أحد من المسلمين والسلام * ويبقى اعتراض على ما ذكرنا وهو أن يقال إذا صح ما ذكرتم وكان هذا السر هو المانع من ظهور ما فى حقيقته المحمدية كما كان حال الغيب قبل وجود جسده الكريم * فالجواب عن هذا الإعتراض أن منع الله له من الرسالة والنبوة قبل بلوغه أربعين سنة أن النبوة والرسالة لا تكون إلا عن تجلى الهى ولو وضع أقل قليل منه على جميع ما فى كورة العالم كله لذابت كلها لثقل أعبائه وسطوة سلطانه فلا تقدر الأنبياء على تحمل أعبائه والثبوت لسطوة سلطانه إلا بعد بلوغهم أربعين سنة وأما قبل بلوغ الأربعين سنة فلا قدرة لأحد على تحمل أعباء ذلك التجلى لما فطرت عليه البشرية من شدة الضعف حتى إذا بلغ الإنسان أربعين سنة وكان فى علم الله نبيا أو رسولا أفاض على روحه من قوته الإلهية ما يقدر به على تحمل أعباء ذلك التجلى فلهذا السر لم يتنبأ أحد إلا بعد أربعين سنة وهذا هو المانع له من النبوة قبل ذلك صلى الله عليه وسلم ولغيره من النبيين * وأما سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام كونه نبيا قبل الأربعين فالجواب لم يكن بشريا محضا إنما كان نصفين نصف بشرى ونصف روحانى إذ نشأ من نفخة الروح الأمين فى أمه فقوى فيه ضعف البشرية وزاد بذلك قوة على النبيين فلذلك بعث قبل الأربعين للقوة التى أعطيها من نفخ الروح الأمين فى أمه . الإمام بدر الدين حسنبن عمر بن حبيب الحلبى : (الفصل الأول فى جليل فضله وعظيم قدره عند ربه صلى الله عليه وسلم ) اعلم وفقنا الله وإياك * وأتحفك بهدية الهداية وحياك * أن رسول الله أفضل البشر على الإطلاق * وأن لسيادته على ولد آدم أدلة ظاهرة الأشراف والأشراق * وأنه أرفع الناس درجة وأقربهم زلفى * وأكرمهم منزلة عند من يعلم السر وأخفى وأن الله تعالى خصه بمناقب عديدة * وفضائل مديدة * ومحامد كثيرة * وآثر أثيره * ومنحه بكرائم الكرامة * وأعلى فى الدارين مقاله ومقامه * وأظهر على يديه الآيات * وأقام له الأولوية والرايات * وكمل فيه جميع المحاسن * وأفاض عليه من عين العناية ماء غير آسن * وفضله على خاصته وأحبابه * وأثنى عليه فى مواضع من كتابه * ونصره بالرعب مسيرة شهر * وأبقى معجزته ما بقى الدهر * وجعل له الأرض مسجدا وطهورا * ولقى من نظر الى وجهه الكريم لضرة وسرورا * وأحل الغنائم * ودفع بع العظائم * وبعثه الى الناس كافة * وكلأه بحفظة لم تزل من حوله حافة * ونول الشفاعة * وأرسله بين يدى الساعة * وصرف عنه الأذى وأنزل عليه من المنة * وكتب اسمه على العرش وعلى مواضع من الجنة * وأطال فى وصفه وأطنب * وأعطاه أن لا تجوع فى أمته ولا تغلب * وأيده بالبراعة واللسن * وركب فيه كل خلق حسن * تبارك من حماه ومن حباه *** بحسن الخلق والخُلق العظيم وأغنى أهل ملته بدرّ *** أتى من بحر منطقه نظيم وصيره لمن يرجوه كهفا *** وعرفه بأصحاب الرقيم وسدد قوله وبه هدانا *** جميعا للصراط المستقيم وأتاه جوامع الكلم وخواتمه * وملكه خوافى الفضل وقوادمه * وألبسه خلع الجلال والجمال* وأجلسه على ذروة الشرف والكمال * وحض على الإقتداء بهديه * وأمر بإمتثال أمره ونهيه * وألزم بالدخول فى طاعته * وحث على اتباع سنته وجماعته * ونبه على علو شأنه لديه * وفرض الإيمان به والصلاة عليه * وأيده بالملائكة * وأجرى جوارى الخيرات على يده المباركة * وقربه وأدناه * وأوحى إليه وناجاه * وأراه من آياته الكبرى * وكرمه وعظمه فى الدنيا والأخرى * ونصب منصبه على بقاع الشرف * ورفع رتبته الى أعلى الغرف * وأعزه بالطاعة * وأغناه بالقناعة * وقلب له الأعيان * وأظهر دينه على سائر الأديان * وأطلعه على جميع المعارف * وأسبغ عليه من القبول أحسن المطارف * وأولاه كثيرا من الخصائص * وحماه من العيوب والنقائص * وسواه فعدل تركيبه * وأدبه فأحسن تأديبه * وعلمه ما لم يكن يعلم * وأرشده الى حل كل مشكل ومبهم * واتخذه حبيبا وخليلا * وأحله من دار السعادة محلا جديدا * وأناله من حاصل الحب غاية المطلوب * وغفر له الماضى والمستقبل إذ المحبوب لا يؤاخذ بالذنوب * هو الحبيب الذى أنوار طلعته *** تخفى إذا عاينتها الشمس والقمر هو الإمام الذى مذ آن طالعه *** سر الزمان به واستبشر البشر قد خص بالخلة المأنوس معهدها *** وبالمحبة ممن أمره قدر لا غرو أن عاد بالغفران مغتبطا *** أن الذنوب من المحبوب تغتفر ونص على وجوب توقيره وبره * وحكم بلزوم نصحه وتعظيم قدره * وجبله على الصيانة والعفاف * وعدل به ميزان العدل والإنصاف * وزين به الوجود * وقلده عقود العهود * وأفرده بإيداع سره المصون * وعضده بقرآن كريم فى كتاب مكنون * وسماه بجملة من أسمائه * وختم بمسكه رحيق أنبيائه * ونوه برفعة مكانته وشرف محتده * وأنزله منزلا فاق الأفق وعلا على فرق فرقده * ومنح جانبه العزيز لينا * وذاته الكريم لطفا * وفتح به أعينا عميا وأذانا صما وقلوبا غبفا * ورقا به أمته الى أرفع الدرج * ولم يجعل عليه ولا عليهم فى الدين من حرج * وعرفه بما أخرج لعباده من زينته * وأوجب له النبوة وآدم منجدل فى طينته * ولم يبعث نبيا إلا ذكر له نعته ومسلكه * وأخذ عليهم الميثاق بالإيمان به ونصره إن أدركه * ولم يعط أحد من الأنبياء فضيلة مستفادة إلا وقد أعطاه مثلها وزيادة * وأجرى عليه من مواد الفضل ما توقف عند مجاراته الغيث وتجمد * قال جبريل قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم ار رجلا مثل محمد * يا راغبا فى حصر فضل محمد *** خفض عليك ففضله لا يحصر إن قلت مثل الرمل ومثل الحصى *** أو مثل قطر الغيث قلنا أكثر أكرم به مولا عليا قدره *** متقدما كل له يتأخر ذا رتبة عند الإله عظيمة *** معروفها بين الورى لا ينكر صلى عليه الله ما هب الصبا *** من نحو روضته الخطيرة يخطر ( الفصل الثانى فى ثناء الله تعالى عليه فى كتابه العزيز صلى الله عليه وسلم ) أخبر الله تعالى فى كتابه العرب أنه بعث اليهم رسولا من أنفسهم على التدر لديهم يعرفون فضله ومكانته * ويتحققون صدقه وأمانته * عزيز عليه ما يهوى بهم فى الهوان * حريصا على دخولهم إلى دار آمان الأيمان * شريف النسب فيهم رؤفا رحيما بمؤمنيهم * وأن له من نيل الكرامة غاية السول * وقرن طاعته بطاعته بطاعته فى قوله تعالى من يطع الرسول * وأطلع فى أفق التوفيق نجمه * ورحم العالمين به فقال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة * فمن أصابه شيئا من رحمته فقد فاز * ووصل الى كعبة النجاة من غير حجاز * وحصنه من سور كتابه العزيز بأمنح صور * وسماه فيها نورا بقوله تعالى قد جاءكم من الله نور * وأرسله شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا * وشرح بالرسالة صدره * ووضع عنه وزره الذى أنقض ظهره * ورفع بذكره معه فى الشهادتين ذكره * وأظهر دينه على الدين كله وعظم أمره * ورمى المشركين منه بالمقعد المقيم * ونعته فى أم الكتاب بالصراط المستقيم * وآتاه سبعا من الثانى * وأكرمه بمنزلة محكمة المبانى * أتاه سبعا شمس آياته *** أضحت بأفاق الندى واضحه فيها معان سرها غامض *** يعرفها ذو الصفقة الرابحه سور كتاب الله ما حله *** أعظم منها سورة صالحه تختم بالخير لقرائها *** وهى لأبواب الرضا فاتحه وبعثه حرزا للأميين * ووضع كتاب الأبرار به فى عليين *ورفعه الى المحل الأسنى * وقربه منه فكان قاب قوسين أو أدنى * ونزه لسانه من النطق بهواه * وفؤاده عن الكذب فيما رآه * وبصره عن الزيغ والإلتفات * وزكى جملته الجميلة وعصمها من الآفات * وقسم على أنه ما ودعه ولا قلاه * ولم يقسم أحد فى قوله لعمرك من الخلق سواه * وزوى له أرض الحيرات طولا وعرضا * حيث أنزل عليه ولسوف يعطيك ربك فترضى * وأيده بأظهر البراهين وأبهر المعجزات * وأراده من تلك الرسل بقوله رفع بعضهم درجات * ودرأ العذاب عن أهل مكة لكونه بواديهم * فقال تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم * وأمر الذين هم فى حلبة الإيمان به به مجلون * أن يصلوا ويسلموا عليه بقوله تعالى إن الله وملائكته يصلون * وأعطاه الكوثر * ورد على عدوه بقوله إن شانئك هو البتر * وطهره من الأقذار والأدناس * وبين عصمته فى قوله تعالى والله يعصمك من الناس * وحماه ممن كان يقصد ضره *** بيد له مغلولة ولسان ورعاه من نظر العيون بعينه *** وكفاه شر طوارق الحدتان أمده بحراسة وعناية *** محفوفة باللطف والإحسان وهو الجدير بأن يعظم قدره *** عند القدير مدبر الأكوان وأحسن مخاطبته فى سورة نون * ووعده فيها بأجر غير ممنوع ولا ممنون * وأثنى عليه ثناء يجل أن يحمله الرسول الكريم * وبالغ فى التمجيد والتأكيد بقوله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم * وأتحفه تبارك اسمه فى سورة الفتح * بجزيل الصلات والواصلات والمنح * من ظهوره وغلبته * وعلو شراع شريعته وكلمته * وخضع من ترفع من أعدائه وتكبر * وغفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر * وإتمام النعمة عليه * وإرسال الهداية له * ونصره النصر العزيز ونصب حالل من حوله على التمييز * وأنزل السكينة على قلب من تابعه * ورضاه عمن تحت الشجرة من أصحابه بايعه * الى غير ذلك مما تضمنه آيات السور المشهورة * وكم له صلى الله عليه وسلم من معارف معروفة وثآتر مأثورة * شهد الكتاب بأن أحمد مرسل *** من صاحب الملكوت جل جلاله كم آية فيها اسمه يتلى وكم *** أخرى بها أوصافه وعلا له وآيته أقسم صادقا بحياته *** فى محكم شرح الصدور مقاله سبحان من أولاه أنواع الولا *** وأناله ملا يرام مناله أزكى الصلاة عليه من رب العلا أبدا وخصص بالتحية آله (الفصل الثالث عشر فى أسمائه وكناه وألقابه صلى الله عليه وسلم) أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم وألقابه كثيرة * وأوصافه حوت دور المحاسن ولم تغادر منها صغيرة ولا كبيرة * فمن أسمائه محمد وأحمد * وهما اسمان مخصوصان بالطالع الأسعد * منع الله تعالى أن يسمى بهما قبل زمانه أحد من الناس * لئلا يدخل على القلوب الضعيفة شك والتباس * وهو أحمد الحامدين والمحمودين وأكثر الناس حمدا * وهو حامل لواء الحمد يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا * ومنهم الماحي والحاشر * والمقدس والطاهر * فالماحي الذى يمحى الكفر بكلمه * والحاشر الذي يحشر الناس على قدمه * والنجم الثاقب * والمصلح والعاقب * وهو الذي لا نبي بعده ولا يعقب جزر ذى رسالة مدّه * والشاهد والمبشر والنذير * والداعى الى الله بإذنه والسراج المنير * والمقفى والقثم والقثوم * وهذا الإسم الأخير فى آل بيته معلوم * يا سيدا أسماؤه قد سمت *** وفى معانيه تحار الحلوم ومن حوت أزهار ألقابه *** نشر شذى تطوى عليه الرقوم أنت الذى أنوار أعلامه *** تهدى الى الحكمة أهل العلوم ومن له فضل اياديه لا *** تحصى وهل تحصى درارى النجوم ومن أسمائه المدثر والمزمل * والمختار والمتوكل * والرؤف الرحيم * والصراط المستقيم * والحق المبين * والصادق الأمين * فالحق هو المحقق صدقه وأمره * والمبين الذى تبين ما بعثه به من جل ذكره * وطه ويس * ورحمة للعالمين * وسيد المرسلين * وخاتم النبيين * وإمام المتقين * وقائد الغر المحجلين * ونعمة الله على الخلائق * وعبد الله المعبّد للطرائق * ونبى الراحة والرحمة * ورسول التوبة والملحمة * وهى اشارة الى ما بعث به من القتال * وما أمر به من ردع المشركين بحد النضال * وخليل الرحمن * وحبيب الملك الديان * ومقيم السنة وروح الحق * والشفيع المشفع فى الخلق * وصاحب الوسيلة * والدرجة الرفيعة والفضيلة * والحوض المورود * والمقام المحمود * والبراق والمعراج * والهراوة والتاج * وما المراد به تاج ملك موّه بالذهب * بل العمامة لأن العمامة تيجان العرب * بك يا رسول الله يا علم الهدى *** تتشرف الألقاب والأسماء وبيمن طالعك السعيد قدومه *** ذهب الظلام وآبت الأضواء وبنصر نصلك سر كل موحد *** وبعز عزمك ذلت الأعداء سقيا لأمتك التى طابت لهم *** بنبيهم بين الورى الأشياء وهو عليه الصلاة والسلام ذو الحجة والسلطان * والعلامة والبرهان * ورب اللواء والقضيب * وراكب الناقة والمجيب * وسيد ولد آدم * والمهيمن والفاتح والخاتم * والمصطفى والمجتبى والكريم * وأبو القاسم وأبو إبراهيم * والنبى الأمى و الهادي والنور * والعروة الوثقى التى من تمسك بها نال الغبطة والسرور * والبارقليط وهو الذى يفرق بين الحق والباطل * وحمطايا حامى الحرم بالمرهفات والذوابل * ولعمرى إنها أسماء على مسمى جليل * وألقاب علت بذى فضل أثير وقد أثيل * فمنها ما ورد فى حديثه الصحيح * ومنها ما ذكر فى القرآن الكريم باللفظ والتصريح * ومنها ما جاء فى التوراة والإنجيل * ومنها ما عرف من الكتب البعيد عهدها من التنزيل * ومنها ما سماه الله من أسمائه الحسنى * وفى ذلك ما فيه من التعظيم الأسمى * (الفصل الحادى والعشرون فى أخباره بالكائنات والغيوب صلى الله عليه وسلم) ومن معجزات النبى صلى الله عليه وسلم ما اطلعه الله عليه علام الفيوب * وما عرفه سبحانه مما ذهب ومما يؤب * وما أخبر بوقوعه فوقع * وأنه سيكون فلاح ضوء صبحه ولمع * فمنه ما ذكره من الظهور على أعدائه * وإعلاء أعلام أنصاره وأوليائه * والأمن الموجود بيمينه فى الرحلة والمقام * وفتح مكة وخيبر واليمن والعراق والشام * ودنو أمته من الدنيا وزهرتها * وتقبلهم فى جزيل نضارتها ونضرتها * وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر * وأخذهم من الإختلاف بالمكيال الأوفر * وافتراقهم على ثلاث وسبعين فرقه * الناجية منها واحدة ليس بينها وبين الحق فرقة * وإن أحدهم بغدو فى حله وبروح فى أخرى * وتوضع الصحاف بين يديه تنعما وفخرا * ويكون لهم عدة أنما طر حبه * ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة * وإن ملكهم يبلغ ما زوى له من الغرب والشرق * وأنه لا تزال طائفة منهم ظاهرين على الحق * نبىّ أمانة ورسول صدق *** جدير بالنبوة والرسالة اذا ما قال قولا فانتظره *** فسوف يكون حتما لا محاله اله العرش باأنوار منه *** هدى من شاء من ظلم الضلاله وعلم أمته من بعد جهل *** به وعلى الورى أعلى مقاله وما أشار اليه من قتال الحزر والترك * وزول ملك فارس والروم بأمر مالك الملك * وقبض العالم وظهور الهرج والفتن * وذهاب الأمثل فالأمثل وتقارب الزمن * وملك بنى أمية واتخاذهم المال دولا * وخروج بنى العباس لا يبغون عن الملك حولا * وقتل علىّ بعد قتل عثمان * وخروج المهدى فى آخر الزمان * وما ينال أهل بيته الأطهار * وما يلقونه من القتل والتشريد فى الأقطار * وأن الزبير يحارب عليا * وأن الفتن لا تظهر ما دام عمر حيا * وينبح على بعض أزواجه كلاب الحوأب * ويقتل حولها كثير وتنجو بعدما كادت تذهب * وأن عمارا تقتله الفئة الباغية * وأن الأمر فى قريش ما أقاموا للدين أعلا ما إليه * وأن يكون فى ثقيف كذاب ومبير * وأن مسيلمة يعقره من هو على كل شئ قدير* بعض الذى قاله خير الأنام جرى *** والبعض يأتى كما قد نص الخبر أما الصحاب وأهل البيت منه وما *** قد نالهم فهو أمر غير مستتر وسوف تظهر تصديقا له فتن *** كقطع ليل خلا من غرة القمر وما أخبر به من سحر لبيد بن الأعصم حليف الشيطان * وأنه فى جف طلع نخلة ذكر ملقى فى بئر ذروان * وأكل الأرضة ما كتبته قريش فى الصحيفة * وأنها أبقت فيها كل اسم لله تنزيها لأسمائه الشريفة * وأن العرب سوف يرتدون * وأن الخلافة بعده ثلاثون * وأن الأمر بدا نبوة ثم تكون خلافة ورحمة * ثم ملكا عضوضا ثم عتوا وفسادا فى الأمة * وكثرة العجم فى أمته وضربهم الرقاب * وأن الكذابين ثلاثون أخرهم الدجال الكذاب * وشأن الأمراء والذين يؤخرون الصلاة * والرجل الذى يخرج من قحطان يسوق الناس بعصاة * وأمر أويس القرنى وما قاله عنه * وأنه لا يأتى زمان إلا والذى بعده شر منه * ووقوع آخر هذه الأمة بسب أولها فى الآثام * وقلة الأنصار حتى يكونوا كالملح فى الطعام * وخروج الخوارج وأن سيماهم التحليق * وظهور القدرية والرافضة وعدولهم عن الطريق * تباًّ لقوم رفضوا عصبة *** محمد شانئهم يرفض عصبة خير صحبوا المصطفى *** والله قرضا حسنا اقرضوا وجه الذى يكرههم أسود *** ووجه كل منهم أبيض طوبى لمن كان حليفا لهم *** وويل مطرود لهم يبغض وما حدث به من أمر فاطمة الزهراء نجله * وأنها أول من يلحق به من أهله * وأن أرض الطف بها يقتل الحسين * وأن الله تعالى يصلح بالحسن بين فئتين * وأن رعاء الغنم يُرَون رؤساء عليهم التيجان * وأن الحفاة العراة يتطاولون فى البنيان * وولادة الإماء الربات * وموت النجاشى يوم مات * وكتاب حاطب وقصة عمير مع صفوان * وما يكون بعد فتح بيت المقدس من الموتان * ومن عل الشملة بتفريق شمله * ومن أخذ حرز يهود فوجدت فى رحله * وقتل أهل مؤته يوم قتلوا * ومصارع أهل بدر ومقابلتهم بما فعلوا * وبناء مدينة بين دجلة ودجيل يعنى بغداد *وما وعد به من سكنى البصرة ولم يخلف عليه السلام الميعاد * الى غير ذلك من الحوادث ونزولها * واشتراط الساعة وحلولها * وذكر البعث والنشر * وآيات الموقف والحشر * وأحوال الأبرار والفجار * وأهوال القيامة ووصف الجنة والنار * والجمل يستغنى بها عن التفصيل * والأقلام لا تحصر ما له صلى الله عليه وسلم من التفضيل * نبىٌّ عظيم القدر نوّر قلبه *** وعلمه من يعلم السر والنجوى وعرفه بالكائنات وغيبها *** فأصبح منشورا له كل ما يطوى أيا حبذا منه امام وقدوة *** شرائع دين الله من لفظه تروى له روضة تهتز بالند والندى *** سحائبها تنهل بالجود والجدوى تحف ضريحا ضم هديا ورحمة *** وحاز العلا والعلم والبر والتقوى عليه سلام لم يزل غصن دوحه *** رطيبا سريع الميل ينمى ولا يذوى (الفصل الثانى والعشرون فى عصمته من الناس صلى الله عليه وسلم) ومن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جلس فى بعض منازله تحت شجرة * فاخترط أعرابى سيفه عليه يريد الله ما عظم خطره * فأرعدت يده وسقط منها السيف * وضرب الشجرة برأسه كمن ألمَّ به من الشيطان طيف * فعفا عنه وأقامه بعد الابلاس * فرجع الى قومه قائلا جئتكم من عند خير الناس * وانفرد يوم بدر بقضاء الحاجة من أصحابه * فتبعه رجل من المنافقين مصلتا سيفه من قرابه * فعصمه الله من شره * ورد كيده فى نحره * وقصده دعثور بن الحارث * وفى يده عضب مرهف الحد فارث * وذلكفى غزوة غطفان * فوقع لظهره ثم هدى بعدها للإيمان * وكانت حمالة الحطب تضع على طريقه العصا وهو جمر * فكأنما يطؤه كثيبا مهيلا بقدرة صاحب الأمر * وتواعده المشركون مرات عديدة * وأتوا للفتك به بكل حيلة ومكيدة * فمنهم من هرب وفر * ومنهم من مر عيشه بعد أن مر * ومنهم من وقع مغشيا عليه * ومنهم من ضرب الله على عينيه * ومنهم من أصابته زلجة وسقط بين يديه * ومنهم من صدته الملائكة فلم يصل اليه * راموه بالسوء والجبار يحفظه *** من كل ذى حسد للشر منتصب وأقبلوا نحوه للكيد فانقلبوا *** بجهلهم وعماهم أىّ منقلب لما مشوا فى ظلام الظلم أورثهم *** خبطا وخلطا بهم أدَّى الى العطب تبا يلاقيهم لقيا أبى لهب *** وبئس ما صنعت حمالة الحطب وأجتمعت قريش على قتله وبيتوه لعكوسهم * فخرج عليهم من بيته وذر التراب على رؤسهم * وخلص منهم وهم له ينتظرون * صم بكم عمى فهم لا يبصرون * وأتبعه سراقه حين الهجرة أتباع قاتل * وقد جعلت قريش فيه وفى أبى بكر الجعائل * فلما قرب منهما دعا عليه سيد الثقلين * فخر عن فرسه بعدان ساخت قوائمها مرتين * فناداه بالأمان * فمنه وقابله بالإحسان * وعرف بعض الرعاة حقيقة خبرهما * فخرج يشتد ليعلم قريشا بأمرهما * فلما ورد مكة ضرب على جنانه * وانسى ما خرج له حتى رجع الى مكانه * وجاء أبو جهل بصخرة ليطرحها عليه * وكان إذ ذاك ساجدا وقريش تنظر اليه * فيبست يداه الى عنقه ولم ينفعه هَََََُبَل * ثم سأله أن يطلق يديه بدعائه ففعل * وآتاه مره أخرى وهو يصلى صلى الله عليه وسلم * فلما قرب منه ولى ناكصا على عقبيه * وأشرف على خندق نار كاد يهوى فيه * وأبصر من الهول العظيم ما يحزنه ويخزيه * تدانت منه واجتمعت قريش *** عليه وبيتوه للمكوس فلم يحصل لهم مما أرادوا *** سوى ذر التراب على الرؤس وأسر سراقة إذ خر ملقى *** وراعى الثناء دون فى الطروس وببس يدي أبى جهل شهير *** وكم آي لأحمد كالشموس وجاء عازما على قتله رجل من بنى المغيرة * فطمس الله بصره على أنه كان أعمى البصيرة * وأدركه يوم حنين رجل من خلفه * ورفع سيفه عيه عازما على حتفه * فلما دنا ارتفع اليه شواظ من نار * فولى ثم أقبل فأسلم وقاتل فى صف الأبرار * وخبر عامر بن الطفيل * حين قصد قتله مذكور * وما اتفق عليه مع اربد بن قيس من الكيد المردود عليهما مشهور * وكثير من اليهود والكهان * أنذروا به وعينوه لأصحاب الأوثان * وأخبروهم بنبئه وحضوهم على قتله * فعصمه الله تعالى منهم بنصره وفضله * وحرسه بعينه التى لا تنام * وكلأه بعنايته فى الرحلة والمقام * وجعل فى أعناقهم أغلالا * وألبسهم من العكس والطرد سر بالا * وكف أيديهم عنه عنه إذ هموا ببسطها * وقابل عزائمهم السيئة بطى نشرها وحل ربطها * ورد كلا منهم خاسئا وأطال بعده * وحمى رسوله عليه الصلاة والسلام وكفاه أليس الله بكاف عبده * سبحان من عصم الرسول من الأذى *** وله أذل عصابة الأوثان وحمى حماه وعنه كف أكفهم *** ورماهم فى هوة الخسران وأعزه وكفاه ما يخشاه من *** شر اليهود البهت والكهان وأقام دولته وأعلى دينه *** فضلا وإحسانا على الأديان صلى عليه الله رب العرش ما *** عطف النسيم معاطف الأغصان (الفصل التاسع والعشرون فى زيارة قبره وتعظيم مواطنه صلى الله عليه وسلم) زيارة قبر النبى صلى الله عليه وسلم سنة جميلة * أجمع المسلمون عليها ورغبوا فيما لديها من الفضيلة * فمن زاره بعد وفاته * فكأنما زاره فى حال حياته * ومن زار قبره دخل فى جواره المنيع * وكان فى شفاعته يوم لا حميم يطاع ولا شفيع * ومن أقام بمدينته طيبة حظى بطيب ثراها * ومن مات بها ظفر بشفاعة من به كثر ضيفها وقراها * وأقصد مسجده الذى تشد الرحال إليه * وفز بزيارته والسلام عليه وعلى صاحبيه * ولا ترفع صوتك فى مسجده * وكن ممن ظهر فى الأدب حسن مقصده * واتبع السلف الصالح فى تعظيمه * وبالغ كما بالغوا فى إجلاله وتكريمه * وتبرك بروضته ومنبره ومواطن قدميه * وشرف نظرك بمكان جبريل ينزل فيه بالوحى عليه * زر قبر من شمس الضحى عدله *** لما بدت ولى ظلام الشطط وكيما ترى نفسك فى روضة *** فى أرضها زهر القرى يلتقط واهرع الى طيبة تلك التى *** جود ابى الطيب فيها انبسط وانزل بها فى مسجد منجد *** جبريل فى أرجائه كم هبط يا له مسجدا أسس على التقوى * ومعبدا أفلح من تمسك بسببه الأقوى * فيه روضه من رياض الجنة * ومنه انتشرت أعلام الكتاب والسنة * وفيه بقعة هى أفضل البقاع فى الأرض * كيف وقد ضمت أعضاء الشفيع المشفع يوم العرض * وأكثر من الصلاة فى نواحيه حظى بالنعيم والأنعام * فصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام * لأنه مسجد وافر المآتر * زاهر المشاعر * صالح المناسك * واضح المسالك * عميم النعمة * عظيم الحرمة * شريف المواقف * مطهر للطائف والعاكف * مرفوع القواعد ثابت الأساس * جعله الله أمنا ومثابة للناس * نامى البركات وافى التعظيم * فيه آيات بينات مقام إبراهيم * ومن دخله كان آمنا بنص العزيز الجبار * ومن حجه ثلاث حجج حرمه الله عن النار * واجتهد فى تقديس مشاهده * وإقامة شعائر مساجده * وتعهد معالمه * وتطهير مواقفه ومعابده * وتشريف أماكنه المكينة * وتمجيد مواطنه من مكة والمدينة * حث المسير الى نحو الحجاز ولا *** تقف وسلم على عرب بذى سلم وأنزل بمكة خير الأرض مقتفيا *** آثار أقدام سر الكون فى القدم واجنح لكعبتها والمروتين بها *** والعرف من عرفات موقف الأمم والحجر والحجر السامى وخيف منى *** وكل موضع نسك حل فى الحرم أكرم بها مواطن عمرت بقاعها بالوحى والتنزيل * وزهرت ربوعها بترداد جبريل وميكائيل * وعلت بهبوط الملائكة وعوجها * وسميت بقمرها الطالع فى أفلاك روجها * وتنسمت بالتلاوة نفحات أسحارها * وتبسمت بالذكر ثغور زهور أشجارها * وأشرقت بالتكبير والتهليل سماؤها * وتأرجت بالتسبيح والتقديس أرجاؤها * وضم رغامها أعضاء سيد البشر * وانتشر عنها من دين الله ورسوله ما انتشر * ويا لها مدارس آيات * ومراكز رايات * ومساجد صلوات * ومنازل البركات الوافرة * ومحل المعجزات الباهرة * ومنشأ السراج المنير * ودار هجرة البشير النذير * ومهبط غيث الرسالة * وموطن موضح الدلالة * ومطلع فجر النبوة * ومعدن الفتوى والفتوة * ومناسك الحجاج والمعتمرين * ومحط رحال الآمرين والمؤتمرين * فجدير بها أن تحترم جدرانها * وتستلم أركانها * ويرفع مقامها * وتنشر أعلامها * ويحمى حماها * ويرعى ماؤها ومرعاها * ويستاف عرف روضتها * وتعفر الوجنات فى جنات تربتها * طوبى لمن يأتى لمكة لائذا *** بمشاعر جلت عن الأوصاف ويعظم البيت العتيق مجددا *** فيه برود السعى والتطواف ويسير كى يحظى بساكن طيبة *** ويواصل الأعناق بالإيجاف ويقب الأحجار من حجراتها *** حبا لمن يرتاح للأضياف أعنى رسول الله كشاف العنا *** ذا العدل والإحسان والأنصاف صلى عليه الله ما سقت الثرى *** عين الغمام بدمعها الوكاف (ومن جواهر الأمير عبد القادر الجزائرى أيضا) قوله رضى الله عنه الموقف الثانى بعد المائة قال تعالى مخاطبا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم إنك لتهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء * وإنك لتهدى الى صراط مستقيم وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم اعلم أنهلا تناقض بين هاتين الآيتين فى نفس الأمر والحقيقة وانما يظهر التناقض بينما ببادئ الرأى عند من لا يعرف مرتبة محمد صلى الله عليه وسلم ومن عرف كيف هو صلى الله عليه وسلم من ربه استراح وما اعتاص عليه مثل هذه وتوضيحها أنه صلى الله عليه وسلم كان حريصا على هداية عباد الله تعالى وإيمانهم وانقيادهم لطريق نجاتهم كما أخبرنا تعالى عنه (عزيز عليه ما عنتم ) أى عنتكم حريص عليكم وقال له مشفقا عليه لعلك باخع نفسك أى قاتلها أن يكون لا يكونوا مؤمنين . فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا وهو صلى الله عليه وسلم فى هذا الحال متخلق بأخلاق ربه متحقق بها فأنه تعالى يحب الإيمان والهداية لجميع عباده كما قال ولا يرضى لعباده الكفر أى لا يحبه لهم وإنما يحب لهم الإيمان والهداية وإن تشكروا يرضه لكم فلا يفهم أنه صلى الله عليه وسلم أحب غير ما أحب الله تعالى أو أراد غير ما أراده فإن المحبة غير الإرادة وإذا كان الولى الذى هو قطرة من بحره الذى لا نهاية له يصل عند نهاية كماله الى أن تتحد ارادته بإرادة الله تعالى فلا يريد غير ما تعلقت به الإرادة القديمة وأن كره ذلك شرعا أو طبعا أو أحب ضده شرعا أو طبعا ولهذا يقول للشئ بسم الله بمعنى كن فيكون وما ذلك إلا لإتحاد ارادته بإرادة الحق تعالى وقالوا حقيقة الكامل هو الذى لا يمتنع عن قدرته ممكن كما لا يمتنع عن قدرة خالقه فإن خزائن الأمور فى حكمه ومفاتيحها بيده ينزل بقدر ما يشاء فكيف به صلى الله عليه وسلم الذى لا ينقسم وهو الحق المخلوق به فهو على بصيرة عن ربه فيما يحب أو يريد فهو المنفذ لمراده تعالى فى عباده من ضلال وهدى وكفر وإيمان من حيث حقيقته فهو مظهر العلم القديم والإرادة الأزلية فلا إرادة له إلا إرادة الحق تعالى وارادته تعالى تابعه لعلمه فلا يريد إلا ما علم والعلم لا يتبدل ولا يتغير إذ لو جاز عليه ذلك ما كان علما وانقلاب الحقائق محال فمعلومات الحق تعالى هى صور أسمائه ومحال تغير الأسماء فإن ما ثبت للذات من التنزيه هو ثابت للأسماء وقوله ولكن الله يهدى من يشاء هو اثبات نفى به ما عسى أن يتوهم من وقوع شئ بغير ارادته تعالى وقدرته وقد قال ذلك بعض الفق الضالة ونقول نحن لا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما أراد الله تعالى ولا يحب إلا ما أحبه الله تعالى وهو واسطة بين الحق والخلق ولا شئ إلا وهو به منوط إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الوسيط فهو مظهر مرتبة الصفات التى لها الفعل و التأثير وقوله وهو أعلم بالمهتدين) أى هو تعالى أعلم العالمين من رسول وملك وولى بالمهتدين أى الذين لهم استعدا الهداية وطلبها من حيث حقائقهم ولهم قبولا إذ الحقائق العلمية بمثابة الشخوص والأعيان الظاهرة ظلالها وما كان فى الشاخص من عوج واستقامة أو طول أو قصر أو رقة أو غلظ مثلا يظهر فى ظله ولابد فغيره تعالى إذا أطلعه الله تعالى على الاستعدادات وهى الأغيان الثابته فى العلم فهذا الغير كان ما كان ما علمها إلا من علمه تعالى وهو تعالى علمها من حيث لا تعين لها لا فى العلم ولا فى العين ولكن لها صلاحية التعين فى العلم والعين وقوله وإنك لتهدى الى صراط الله وهو صراط النجاة ففى الآية إثبات لما قلنا من نيابته صلى الله عليه وسلم فى الهداية وغيرها وخلافته الكبرى وأنه الهادى من يشاء بهداية الله تعالى إذ حصول الهداية لكل مهتد إما بواسطة العقول أو واسطة الرسل عليهم الصلاة والسلام وكلاهما بواسطته صلى الله عليه وسلم فإنه النور الأصلى الذى منه كل نور وحقيقة كل حقيقة . ومنهم العلامة حمد بن خلكان صاحب التاريخ المشهور المتوفى سنة 681 (فمن جواهره) ما ذكره فى ترجمة الملك المعظم مظفر الدين صاحب اربل بقوله وأما احتفاله بمولد النبى صلى الله عليه وسلم فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به لكن نذكر طرفا منه وهو أن أهل البلاد كانوا قد سمعوا بحسن إعتقاده فيه فكان فى كل سنه يصل إليه من البلاد القريبة من اربل متن بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصبير وبلاد العجم وتلك النواحى خلق كثير من الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء ولا يزالون يتواصلون من المحرم الى اوائل شهر ربيع الأول ويتقدم مظفر الدين بنصب قباب من الخشب كل قبة ارب عاو خمس طبقات ويعمل مقدار عشرين قبة واكثر منها قبة له والباقي للأمراء وأعيان دولته لكل واحد قبة فاذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المتجملة وقعد في كل قبة جوق من الأغاني وجوق من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي ولم يتركوا طبقة من تلك الطباق حتى رتبوا فيها جوقا وتبطل معايش الناس في تلك المدة وما يبقي لهم شغل الا التفرج والدوران عليهم وكانت القباب منصوبة من باب القلعة الي باب الخانقاه المجاورة للميدان فكان مظفر الدين ينزل كل يوم بعد صلاة العصر ويقف علي كل قبة قبة الي آخرها ويسمع غناءهم ويتفرج علي خيالاتهم وما يفعلونه في القباب ويبيت في الخانقاه ويعمل في السماع فيها ويركب عقيب صلاة الصبح بتصيدهم يرجع الي القلعة قبل الظهر هكذا يعمل كل يوم الي ليلة المولد وكان يعمله سنة في ثامن الشهر وسنة في ثاني عشرة لأجل الاختلاف الذي فيه فاذا كان قبل المولد بيومين اخرج من الابل والبقر والغنم شيئا كثيرا زائدا عن الوصف وزفها بجميع ماعنده من الطبول والأغاني والملاهي حتى يأتي بها الى الميدان ثم يشرعون في نحرها ينصبون القدور ويطبخون الألوان المختلفة فاذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعدان يصلي المغرب في القلعة ثم ينزل وبين يديه من الشموع المشتعلة شىء كثير في جملتهم شمعتان أو أربع اشك في ذلك من الشموع الموكبية التي تحمل كل واحدة منها علي بغل ومن ورائها رجل يسندها وهي مربوطة علي ظهر البغل حتى ينتهي الى الخانقاه فاذا كان صبيحة يوم المولد انزل الخلع من القلعة الى الخانقاه علي أيدي الصوفية علي يد كل شخص منهم بقجة وهم متتابعون كل واحد وراء الآخر ينزل من ذلك شيء كثير لا اتحقق عدده ثم ينزل الى الخانقاه وتجتمع الأعيان والرؤساء وطائفة كبيرة من الناس وينصب كرسي للوعاظ وقد نصب لمظفر لدين برج خشب له شبابيك الى الموضع الذي فيه الناس والكرسي وشبابيك آخر للبرج أيضا الى الميدان وهو ميدان كبير في غاية الاتساع ويجتمع فيه الجند ويعرضهم ذلك النهار وهو تارة ينظر الى عرض الجند وتارة الى الناس والوعاظ ولا يزال كذلك حتى يفرغ الجند من عرضهم فعند ذلك يقدم السماط في الميدان وللصعاليك ويكون سماطا عاما من الطعام واخبز شيء كثير لا يحد ولا يوصف ويمد سماطا ثانيا في الخانقاة للناس المجتمعين عند الكرسي وفي مدة العرض ووعظ الوعاظ يطلب واحدا واحدا من الأعيان والرؤساء والوافدين لأجل هذا الموسم ممن قدمنا ذكرهم من الفقراء والوعاظ والقراء والشعراء ويخلع علي كل واحد منهم ثم يعود الي مكانه فاذا تكامل ذلك كله حضروا والسماط وحملوا منه لمن يقع التعيين علي الحمل الى داره ولا يزالون علي ذلك الي العصر او بعدها ثم يبيت تلك الليلة هناك ويعمل السماعات الى بكرة هكذا دأبه في كل سنة وقد لخصت صورة الحال فان الاستقصاء يطول فاذا فرغوا من هذا الموسم تجهز كل انسان للعود الى بلده فيدفع لكل شخص شيئا من النفقة وقد ذكرت في ترجمة الحافظ ابي الخطاب بن دحية في حرف العين وصوله الى أربل وعمله لكتاب التنوير في مولد السراج المنير لما رأى من اهتمام مظفر الدين به وانه اعطاه الف دينار غير ما غرم عليه مدة اقامته من الاقامات الوافرة . (مقدمة) اعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف فى الشهر الذى ولد فيه صلى الله عليه وسلم وأول من أحدثه الملك المظفر صاحب اربل * قال ابن كثير فى تاريخه كان يعمل المولد الشريف فى ربيع الأول ويحتفل فيه احتفالا هائلا وكان شهما شجاعا بطلا عاقلا عادلا وطالت مدته فى الملك الى أن مات وهو محاصر الفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة * وقال سبط ابن الحوزى فى مرآة الزمان حكى لى بعض من حضر سماط المظفر فى بعض المواليد أنه عد فيه خمسة آلاف رأس غنم شوى وعشرة آلاف دجاجة ومائة ألف زبدية وثلاثين ألف صحن حلوى وكان يحضر عدة فى المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم * وكان يصرف على المولد فى كل سنة ثلاثمائة ألف دينار كما فى سيرة العلامة الشيخ محمد الشامى تلميذ الإمام السيوطى ومثله فى شرح المواهب العلامة الزرقانى وقال فى روح السير للعلامة ابراهيم الحلبى الحسنى قد صنف بن دحية سنة 604 للملك المظفر كتابا فى المولد الشريف سماه التنوير لمولد النبى البشير فأجازه بألف دينار * وقال فى النعمة الكبرى للمؤلف يعنى ابن حجر الهيثمى وهو المولد الكبير عن الشمس بن الجزرى وأكثر الناس عناية بذلك أهل مصر والشام إذ شاهد من الظاهر برقوق سلطان مصر سنة 785 وأمره بقلعة مصر فى ليلة المولد لمذكورة من كثرة الطعام وقراءة القرآن والإحسان للفقراء والقراء والمداح ما بهره وأنه صرف على ذلك نحو عشرة آلاف مثقاله من الذهب * قال غيرهم وزاد ذلك فى زمن السلطان الظاهر أبى سعيد جقمق على ما ذكر بكثير * وكان لملوك الأندلس والهند ما يقارب ذلك أو يزيد عليه * وقد إكتر الإمام أبو شامه شيخ الإمام النووى الثناء على الملك المظفر بما كان يفعله من الخيرات ليلة المولد الشريف وثناء هذا الإمام الجليل على هذا الفعل الجليل فى هذه الليلة أدل دليل على أن عمل المولد بدعة حسنة لا سيما وقد ذكر أبو شامه هذا الثناء الذائق فى كتابه الذى سماه البواعث على إنكار البدع والحوادث وهذا الفضل إذا خلا عن المفاسد وعبارة أبى شامة ومن أحسن ما ابتدع فى زماننا ما يفعل كل عام فى اليوم الموافق ليوم مولد النبى صلى الله عليه وسلم من الصدقات وفعل الخيرات وإظهار الفرح والسرور كان ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبته عليه الصلاة والسلام وتعظيمه فى قلب فاعل ذلك وشكر الله على ما من به من إيجاده صلى الله عليه وسلم وفيه إعاظة للكثرة و ويعمان الولائم ويتصدقون فى لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور به ويزيدون فى المبرات ولا سيما ملوك الدولة العلية العثمانية وأمراؤها أصحاب الهمم القوية صانها رب البرية من كل آفة ورزية فإنهم يعتنون بقراءة قصة مولده الكريم صلى الله عليه وسلم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم * وقال عمدة المحققين نور الدين على الحلبى فى كتابه إنسان العيون فى سيرة الأمين المأمون صلى الله عليه وسلم والبرهان ابراهيم الحلبى فى روح السير بعد ذكر حاصل أكثر ما قدمناه واستحسان القيام عند سماع ذكر وضعه صلى الله عليه وسلم ما نصه * وقد سئل الإمام المحقق أبو زرعة العراقى عن عمل المولد هل هو مستحب أو مكروه وهل ورد فيه شئ وهل نقل فعله عمن يقتدى به * فأجاب رحمه الله تعالى بأن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب فى كل وقت فكيف اذا انضم الى ذلك الفرح والسرور بظهور ونور النبوة فى هذا الشهر الشريف ولا نعلم غير ذلك عن السلف ولا يلزم من كونه بدعه كونه مكروها فكم من بدعه مستحبة بل واجبة فهو بدعة حسنه قال السيوطى وهو مقتضى كلام ابن الحاج فى مدخله فأنه انما ذم ما احتوى عليه من المحرمات مع تصريحه قبل بأنه ينبغى تخصيص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الصدقات والخيرات وغير ذلك من وجوه القربات وهذا هو المولد المستحسن وقال فى المواهب ولقد أطنب بن الحاج فى المدخل فى الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والغناء بالألات المحرمة عند عمل المولد الشريف أو قال السيد أحمد عابدين بعد ما ذكر أقول ومن ذلك ما يفعله كثير من العوام من قراءة المولد فى منابر الإسلام المشتملة على الغناء واللعب فوق رؤوس الأنام وأقبح منهم من يفتيهم بلزوم نذر ذلك ليتوصل الى الحطام كما ذكره سيدى الهمام أى عمه السيد محمد عابدين فى حاشيته آخر كتاب الصيام * يقول الفقير يوسف النبهانى عفا الله عنه قد راجعت هنا حاشية السيد محمد عابدين وهذه عباراته قبل باب الإعتكاف أما لو نذر زيتا لا يفاد قنديل قوق ضريح الشيخ أو فى المنارة كما يفعل الناس من نذر الزيت لسيدى عبد القادر ويوقد فى المنارة جهة المشرق فهو باطل وأقبح منه النذر بقراءة المولد فى المنابر مع اشتماله على الغباء واللعب وايهاب ثواب ذلك الى حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم انتهت عبارته رحمه الله * وقال البرهان ابراهيم الحلبى الحنفى فى روح السير بعدما نقل استحسان فعل المولد عن جملة من الأعيان ما ملخصه أما إذ حصل بسبب ذلك شئ من المنكرات كإجتماع النساء فى عملهن المولد مع رفع أصواتهن بالغناء فو حرام فى جميع الأديان فإن نفس رف صوت النساء عورة فضلا عن ضم الغناء اليه كلامه ثم قال الزرقانى والحاصل أن عمل المولد بدعة لكنه اشتمل على محاسن وضدها فمن تحرى المحاسن واجتنب ضدها كانت بدعته حسنه ومن لا فلا * وقال الحافظ بن حجر فى جواب سؤال وظهر لى تخريجه على أصل ثابت وهو ما فى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى ونحن نصومه شكرا قال فيستفاد منه فعل الشكر على ما منَّ به تعالى فى يوم معين وأىّ نعمة أعظم من بروز نبى الرحمة والشكر يحصل بأنواع العبادات كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة وسبقه الى ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلى وزاد ابن حجر الهيثمى فى النعمة الكبرى قوله أن النعمة تمت بإرسال نبينا صلى الله عليه وسلم المحصل لسعادة الدارين فى صيام يوم تجددت فيه النعم من الله تعالى حسن جميل وهو باب مقابة النعم فى أوقات تجددها للناس بالشكر ونظير هذا صيام يوم عاشوراء حيث نجى الله تعالى فيه نوحا عليه الصلاة السلام من الفرق وموسى عليه الصلاة والسلام وقومه من فرعون وجنوده وأغرقهم فى اليم فصامه نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله تعالى وصيامه نبينا صلى الله عليه وسلم متابعة لأنبياء الله تعالى وقال لليهود نحن أحق بموسى منكم وأمر بصيامه ونقل البرهان الحلبى فى روح العبر عن الإمام الحافظ ابن حجر قوله إن قاصدى الخير وإظهار الفرح والسرور بمولد النبى صلى الله عليه وسلم والمحبة له يكفيهم أن يجمعوا أهل الخير والصلاح والفقراء والمساكين فيطعموهم ويتصدقوا عليهم محبة له صلى الله عليه وسلم فإن أرادوا فوق ذلك أمروا من ينشد من المدائح النبوية والأشعار المتعلقة بالحث على الأخلاق الكريمة مما يحرك القلوب الى فعل الخيرات والكف عن البدع المنكرات أى لأن من أقوى الأسباب الباعثة على محبته صلى الله عليه وسلم سماع الأصوات الحسنه المطربة بإنشاد المدائح النبوية إذا صادفت محلا قابلا فإنها تحدث للسامع شكرا ومحبة * ثم قال السيد أحمد عابدين فالاجتماع لسماع قصة مولد صاحب المعجزات عليه أفضل الصلاة وأكمل التحيات من أعظم القربات لما يشتمل عليه من المبرات والصلات وكثرة الصلاة عليه والتحيات بسبب محبة الموصل الى قربه وقد صرح الأعلام بأن عمل المولد آمان فى ذلك العام وبشرى عاجلة لنيل البغية والمرام كما صرح بن الجزرى ونقله عنه الحلبى فى سيرته وكذا المؤلف يعنى بن حجر الهيثمى والقسطلانى فى المواهب * وحكى بعضهم انه وقع فى خطب عظيم فرزقه الله النجاه من أهواله بمجرد أن خطر عمل المولد بباله * فينبغى لكل صادق فى حبه أن يستبشر بشهر مولده صلى الله عليه وسلم ويعقد فيه محفلا لقراءة ما صح فى مولده من الآثار فعسى أن يدخل بشفاعته مع السابقين الأخيار فإن من سرت محبته صلى الله عليه وسلم فى جسده لا يبلى * (ومن جواهر السيد أحمد عابدين رحمه الله تعالى) قوله عند ذكر ابن حجر فى مولده قوله تعالى يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا أى مضيئا يستضاء به من ظلمات الجهاله ويقتبس من نوره أنوار البصائر فيميز بين الحق والباطل فى المعتقدات وبين الحلال والحرام فى المعاملات وبين محاسن الأخلاق ومساويها فى الرياضات فهو الداعى بالشريعة والطريقة الحقيقة الى المراتب الحقية والدرجات العلية عليه أفضل الصلاة وأكمل التحية * قال فى الشفا لعلى القارئ جمع الله تعالى له صلى الله عليه وسلم فى هذه الآيه بعد ما تعلقت به عين العناية وتحقق له كمل الرعاية أنواعا وأصنافا من المنزلة والمرتبة المخصوصة مما استأثر به على غيره وجمع له جملة أوصاف من المدحة والثناء والذكر الحسن فجعله الله تعالى شاهد على أمته لنفسه بإبلاغهم الرسالة وذلك من خصائصه عليه الصلاة والسلام حيث لم يجعل الله تعالى غيره شاهدا بنفسه لنفسه على أمتع فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا جحدت أممهم تبليغهم اياهم حين يسألهم الله تعالى هل بلغتم فيقولون نعم فيطلبهم الله بالبينة وهو أعلم فشهد لهم به فتقول أممهم لنا بم عرفتم ذلك فنقول بإخبار الله تعالى لنا فى كتابه فيسأل الله نبينا عنا فيزكينا تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا أى خيارا وعدولا لتكونوا شهداء على الناس أى بتبليغ رسالة أنبيائهم ويكون الرسول عليكم شهيدا . (ومن جاهر السيد أحمد عابدين رحمه الله تعالى) ما ذكره عند قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قالى فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين وقول بن حجر ختم تعالى هذا المقام الأعظم لنبينا صلى الله عليه وسلم بقوله فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ليعلمنا بعظيم شرفه وعلو مرتبته وأنه المتبوع وهم التابعون والمقصود بالذات وهم له لاحقون قال السيد أحمد بعد ما ذكر وعن على رضى الله لم يبعث الله نبيا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد فى محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه * قال فى الشفا ونحوه أى نحو القول المروى عن على منقول عن السدى وقتاده آى تضمنت فضله صلى الله عليه وسلم من غير وجه واحد بل من وجوه متعدده قال تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح الآية قال شارحه القرى وهو تخصيص بعد تعميم تلويحا ببيان فضلهم وزيادة شرفهم فإنهم أولوا العزم من الرسل ومشاهير أرباب الشرائع وقدم نبينا صلى الله عليه وسلم تعظيما وتكريما وايماءً الى تقدم نبوته فى عالم الأرواح المشار اليه بقوله صلى الله عليه وسلم كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد وقوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا الى نوح الآية فيه تلويح الى فضله صلى الله عليه وسلم حيث قدمه على رسله إذ كان يمكن أن يقال كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده أوحينا اليك على نحوه * والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم قُدّم من جهة الفضل والشأن لا من جهة التقدم فى الزمان والواو وان لم تقض الترتيب لكن العرب تؤثر تقديم المتقدم فى الذكر على المتأخر فى اللفظ * وروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال فى كلام بكى به النبى صلى اله عليه وسلم بعد وفاته فقال * بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند الله تعالى أن بعثك آخر الأنبياء وقدمك فى الذكر فقال تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح الآية * بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك بين اطباقها يعذبون يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول الآية * وقد شرح الشفا لعلى القارى قال قتاده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال كنت أول الأنبياء فى الخلق أى خلق روحه الشريفة قبل أرواحهم أوفى عالم الذر أو فى التقدير بكتابته فى اللوح أو ظهوره للملائكة وأخرهم فى البعث أى لكونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فلذلك وقع ذكره مقدما قبل نوح وغير من أولى العزم فضلا عن غيرهم * واعلم أن اتصاف حقيقته صلى الله عليه وسلم بالأوصاف الشريفة المفرضه عليه من الحضرة الإلهية حاصل له من ذلك الوقت حيث كان نبيا أو حين أخذ الميثاق صلى الله عليه وسلم * (ومن جواهر السيد أحمد عابدين رحمه الله تعالى) قوله عند قول ابن حجر( وانما تأخر ظهوره الحسنى صلى الله عليه وسلم فى هذا العالم عن جميعهم أى الأنبياء ليكون مستدركا عليهم ومتمما ما فاتهم من الكمالات وجامعا لجميع فضائلهم وزيادات ) حاصل ما ذكره فى المواهب وغيره أنه صلى الله عليه وسلم نبى الأنبياء مرسل الى الجميع مع بقائهم على نبوتهم ولهذا ظهر فى الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه وفى الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم اماما ولو اتفق مجيئه فى زمن آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم لوجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته صلى الله عليه وسلم وبذلك أخذ الله عليهم الميثاق وتمامه فى النوع الثانى من القصد السادس من المواهب الدنية * وقول العارف بالله سيدى محيى الدين بن العربى رضى الله عنه فى الباب العشر من فتوحاته بعد بسط ما تقدم عن المواهب ولهذا لم يبعث الى الناس عامة إلا هو صلى الله عليه وسلم خاصة فهو الملك والسيد وكل رسول سواه بعث الى قوم مخصوصين فلم تعم رسالة أحد من الرسل سوى رسالته صلى الله عليه وسلم فمن زمن آدم عليه السلام الى زمن بعث محمد صلى الله عليه وسلم الى يوم القيامه ملكه وتقدمه فى الأخرة على جميع الرسل وسيادته منصوص عليه فى الصحيح فروحانيته صلى الله عليه وسلم موجودة مع روحانية كل نبى ورسول وكان الإمداد يأتى اليهم من تلك الروح الطاهرة فيما يظهرون به من الشرائع والعلوم فى زمن وجودهم رسلا وتشريعهم الشرائع كعلى وعاذ وغيرهما فى زمن وجودهم ووجوده صلى الله عليه وسلم وكإلياس والخضر عليهم السلام وكعيسى عليه السلام فى زمن ظهوره فى آخر الزمان حاكما بشرع محمد صلى الله عليه وسلم فى أمته المقرر فى الظاهر لكن لم يتقدم فى عالم الحس وجود عينه صلى الله عليه وسلم أولا بسبب كل شرع الى من بعث به وهو فى الحقيقة شرع محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان مفقود العين عند من حيث لا يعلم كما هو مفقود العين الآن وفى زمن نزول عيسى عليه السلام والحكم بشرعه وأما نسخ الله تعالى بشرعه جميع الشرائع فلا يخرج هذا النسخ والتقدم من الشرائع عن أن يكون من شرعه فإن الله تعالى قد أشهدنا فى شرعه الظاهر المنزل به صلى الله عليه وسلم فى القرآن والسنة والنسخ مع إجماعه واتفاقه على أن ذلك المنسوخ شرعه الذى بعث به إلينا صلى الله عليه وسلم فينسخ بالمتأخر المتقدم فكان تنبيها لنا هذا النسخ الموجود فى القرآن والسنة على أن نسخه لجميع الشرائع المتقدمة لا يخرجها عن كونهم شرعاً له صلى الله عليه وسلم وكان نزول عيسى عليه السلام فى آخر الزمان حاكما بغير شرعه الذى كان عليه فى زمان رسالته وحكمه بالشرع المحمدى المقرر اليوم دليل على أنه لا حكم لأحد اليوم من الأنبياء عليهم السلام مع وجود ما قرره صلى الله عليه وسلم فى شرعه ويدخل فى ذلك ما هم عليه أهل الذمة من أهل الكتاب ما داموا يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون فإن حكم الشرع على أحوال فخرج من هذا المجموع كله أنه صلى الله عليه وسلم ملك وسيد على جميع بنى آدم وأن جميع من تقدمه كان ملكا له وتبعا والمالكون فيه نواب عنه فهو صلى الله عليه وسلم الجامع لجميع فضائلهم وزيادات عليه أفضل الصلوات والتسليمات . (ومن جواهر السيد أحمد عابدين رحمه الله تعالى) ما ذكره عند قوله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وقول ابن حجر دلت على أنه لم يبق فيهم كمال وهدى ومعجزة وخصوصية إلا وقد توفر فيه صلى الله عليه وسلم ذلك الكمال والهدى الى آخره قال السيد أحمد عابدين المراد بهداهم جميع كما لا تهم المتفرقة فيهم وما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين الواحدة لا فروع فى الشرائع المختلفة فإنها لا تبقى هدى بع النسخ * فإن قيل فقد ثبت بما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم السلام * وقد روى الشيخان عن ابن عباس رضى الله والعجم والإنس والجن والملائكة ومعجزاته الباقية الى يوم القيامة ومن أجلها القرآن وغيره مما يفوت الحصر * واتج العلماء ومنهم المؤلف يعنى ابن حجر بهذه الآية أيضا على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أى لأن خصال الكمال وصفات الشرف كانت متفرقة فيهم فداوود وسليمان كان جامعا بينهما وموسى كان صاحب المعجزات القاهرات وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كانوا أصحاب الزهد وإسماعيل كان صاحب الصدق فكل منهم عليهم السلام قد غاب عليه خصلة معينه فجمع الله تعالى كل خصلة جميلة فيهم فى حبيبه الأعظم صلى الله عليه وسلم لأنه إذا كان مأمورا به بالإقتداء لم يقصر فى التحصيل صلى الله عليه وسلم . (ومن جواهر السيد أحمد عابدين رحمه الله تعالى) ماذكره عند قول ابن حجر (اعلم أن الله تعالى شرف نبيه صلى الله عليه وسلم يسبق نبوته فى سابق أزليته وذلك أنه تعالى لما تعلقت إرادته بإيجاد الخلق أبرز الحقيقة المحمدية من محض النور قبل وجود ما هو كائن من المخلوقات بد ثم نسخ منها العوالم كلها ثم أعلمه تعالى بسبق نبوته وبشره بعظيم رسالته كل ذلك وآدم لم يوجد ثم انبجست منه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح فظهر بالملأ الأعلى أصلا ممدا للعوالم كلها ) * قال السيد أحمد عابدين الحقيقة المحمدية هى الذات مع النعت الأول قال وفى لطائف الكاشى يشيرون بالحقيقة المحمدية المسماه بحقيقة الحقائق الشاملة أى للحائق والسارية بكليتها فى كلها سريان الكل فى جزئياته * قال وإنما كانت الحقيقة هى صورة الحقائق لأجل ثبوتها أى الحقيقة المحمدية فى خلق الوسيطة والبرزخية والعدالة بحيث لم يغلب عليه صلى الله عليه وسلم حكم اسمه أو وصفه أصلا وكانت هى البرزخية الوسطية هى عين النور الأحمدى المشار اليه بقوله عليه الصلاة والسلام أول ما خلق الله نورى أى قدر على أصل الوضع اللغوى وبهذا الإعتبار سمى المصطفى صلى الله عليه وسلم بنور الأنوار وبابى الأرواح ثم أنه صلى الله عليه وسلم آخر كل كامل إذ لا يخلق بعده مثله فهى أى الحقيقة المحمدية أول موجود من محض النور أى من النور الصمدى فى الحضرة الأحدية * مكتسية بجميع خلع الربوبية * مشتملة على جميع الأوصاف الرحمانية * واسطة بينه تعالى وبين العوالم * نائبه عنه عز وجل فى جميع العالم * حجابا بينه وبين الخلق لا يوصل اليه سبحانه إلا بها فظهر صلى الله عليه وسلم بالملأ الأعلى * أصلا ممد العوالم كلها وهو بالمنظر الأجلى * وكان لهم المورد الأحلى * فهو صلى الله عليه وسلم الجنس العالى على جميع الأجناس * والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس * صلى الله عليه وسلم * روى أنه لما اجتمع بآدم ليلة الإسراء فى السماء قال له مرحبا بابن صورتى وابى معناى * وروى عبد الرازق بسنده عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال قلت بأبى وأمى أنت يا رسول اله أخبرنى عن أول شئ خلقه الله تعالى قبل الأشياء قال صلى الله عليه وسلم يا جابر ان الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نور نبيك من نوره الحديث بطوله * قال الداوودى أى فى شرحه على مولد ابن حجر نقلا عن شيخه ابن عقيلة لما كان سبحانه كنزا لا يعرف فأحب أن يعرف أوجد نورا من نور وجهه الكريم وسماه بالنبى العظيم والنور المحمدى والسر الأوحدى أوجد منه الكائنات * ثم قال السيد أحمد عابدين قال شيخنا أبو بكر الكلالى الكردى فى تفسيره نقلا من العارف النابلسى قدس سرهما أن النور نوران النور الحق وهو الحق وهو الغيب المطلق وهو النور القديم المنزه عن الكيفية والمماثلة المشار اليه بقوله تعالى الله نور السماوات والأرض * ونور العالم المحدث وهو نور نبينا صلى الله عليه وسلم المشار اليه بقوله تعالى مثل نوره أى نور محمد صلى الله عليه وسلم كل شئ من حيث الحقيقة وغيره من حيث الصورة كما أنه صلى الله عليه وسلم نور الحق من حيث الحقيقة وغيره من حيث الصورة إذ العالم بجميع أجزائه موجود من العدم لتجلى الله تعالى له ويتجدد له الوجود كل لمحة بالتجلى وهو نور محمد صلى الله عليه وسلم لأن اله تعالى وهب هذا النور الأعظم له صلى الله عليه وسلم فأرسله رحمة للعالمين فلا يوجد شئ إلا بواسطة نوره صلى الله عليه وسلم ثم قبض من هذا النور الأعظم الذى هو أول تجلى الله تعالى فى العالم اقرار جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام وجميع الملائكة والأولياء والمؤمنين ثم خلق منه جميع الأرواح وأخذ عليهم الميثاق على توحيده تعالى والتكاليف الشرعية فهذا هو العالم اللطيف والملائكة بعض هذا العالم ثم خلق العالم الكثيف من السماوات والأرض وما فيهما * ثم قال العارف الأكبر فى الباب الثانى عشر من فتوحاته والمؤلف يعنى بن حجر فى النعمة الكبرى لما انتهى الزمان بالإسم الباطن فى حقه صلى الله عليه وسلم الى وجود جسمه وارتباط الروح انتقل حكم الزمان الى الإسم الظاهر فظهر محمد صلى الله عليه وسلم بكليته جسما وروحا فهو وإن تأخر وجوده هو خزانة السر فلا ينعقد أمر إلا منه ولا ينتقل خير إلا عنه وعزاه فى المواهب الى العارف الربانى عبد الله بن أبى جمرة فى كتابه بهجة النفوس والإمام أبى الربيع بن سبع فى شفاء الصدور والشهاب الخفاجى فى شرح الشفاء وابن الجوزى فى الوفاء (ومن جواهر السيد أحمد عابدين رحمه الله تعالى ) قوله عند قول بن حجر (وقال كعب الأحبار ما أراد الله تعالى أن يخلق محمدا صلى الله عليه وسلم أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التى هى قلب الأرض فهبط فى ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع الأعلى فقبضها من محل قبره المكرم أى وأصلها من محل الكعبة المشرفة موجها الطوفان الى هناك وفى المواهب وشرحها وروح البيان قيل لما خاطب الله تعالى السماوات والأرض بقوله ائتيا طوعا أوكرها قالتا أتيا طائعين كان المجيب من الأرض موضع الكعبة الشريفة ومن السماء ما حاذاها الذى هو البيت المعمور ووافقهم على الجواب البقية ولذا جعل الله تعالى لها حرمة على سائر الأرض حتى كانت كعبة الإسلام وقبلة الأنام * وقال السيهلى لم يجبه إلا أرض الحرم أى من الأرض * وقال ابن عباس رضى الله عنهما أصل طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرة الأرض بمكة * قال السهروردى * صاحب العوارف هذا يشعر بأنه ما أجاب من الأرض إلا درة المصطفى وهى تلك الطينة ومن موضع الكعبة دحيت الأرض فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل فى التكوين روحا وجسدا والكائنات تبع له * وقيل لذلك سمى أميا لأن مكة أم القرى ودرته صلى الله عليه وسلم أم الخليقة * فإن قلت ورد فى الخبر الصحيح تربة كل شخص من مدفنه فكان بمقتضى هذا أن يكون بمدفنه عليه الصلاة والسلام بمكة حيث كانت تربته منها * فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف بأنه قيل أن الماء لما تموج رمى ذلك العنصر الشريف والزبد اللطيف والجوهر المنيف الى النواحى فوقعت جوهرة النبى صلى الله عليه وسلم الى ما يحاذى تربته بالمدينة فكان صلى الله عليه وسلم مكيا مدنيا حنينه الى مكة وتربته بالمدينه وزاد فى روح البيان عن تاريخ مكة أن عنصره الشريف صلى الله عليه وسلم كان فى محله يضئ الى وقت الطوفان فرماه الموج فى الطوفان الى محل قبره الشريف لحكمة الهية وغيرة ربانية يعرفها أهل الله تعالى * ولذا لا خلاف بين علماء الأمة فى أن ذلك المشهد الأعظم والمرقد الأكرم أفضل من جميع الأكوان حتى من العرش والجنان وذهب اليه الإمام مالك واستشهد بذلك وقال لا أعرف أكبر فضل لأبى بكر وعمر رضى اللع عنهما من أنهما خلقا من طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقرب قبريهما من حضرة الروضة المقدسة المفضلة على الأكوان بأسرها * قال الإمام السهروردى لما قبض عزرائيل قبضة الأرض وكان ابليس قد وطئ الأرض بقدميه صار بعض الأرض بين قدميه وبعضها موضع أقدامه فخلقت النفوس الأمارة مما ماس قدم إبليس فصارت النفوس الأمارة مأوى الشرور وبعض الأرض لم يصل اليها قدم ابليس فمن تلك التربة طينة الأنبياء والأولياء عليهم السلام وكانت طينة رسول الله صلى اله عليه وسلم موضع نظر الله تعالى من قبضة عزرائيل لم تمسها قدم ابليس فلم يصبه حظ جهل النفس الأمارة بل صار منزوع الجهل موفرا حظه من العلم فبعثه الله تعالى بالعلم والهدى وانتقل من قلبه الشريف الى القلوب الشريفة ومن نفسه القدسية المطمئنة فوقعت المناسبة فى أصل طهارة الطينة فكل من كان أقرب مناسبة فى ذلك كان أوفر حظا فى القبول والتسليم والكمال الذاتى ثم بعض من كان أقرب مناسبة الى النبى صلى الله عليه وسلم فى الطهارة الذاتية وأوفر حظا ميزاته اللدنى قد أبعد فى أقاصى الدنيا مسكنا ومدفنا وذلك لا ينافى قربه المعنوى فإن إبعاده فى الأرض كإبعاد النبى صلى الله عليه وسلم من مكة الى المدينة بحسب المصلحة وذكر بعضهم أن الحكمة فى انفراده صلى الله عليه وسلم عن مكة زيادة فى إظهار فضله صلى الله عليه وسلم وأنه متبوع لا تابع إذ لو دفن بمكة لكان قصده يقع تابعا لقصدها أو لقصد الحج فيصير غير متبوع وذلك لا يليق بعلىّ كماله فاقتضى ذلك أن يفرد بمحل مخصوص بعيد من مكة حتى يكون قصد زيارته مستقلا . (ومن جواهر الحافظ الشامى) أنه ذكر فى الباب السابع أيضا أحاديث فيها ذكر شق الصدر الشريف من غير تعيين زمان فقال * عن أبى ذر قال قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبى حتى علمت ذلك واستيقنت أنك نبى قال يا أبا ذر أتانى ملكان وأنا فى بعض بطحاء مكة فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض فقال أحدهما لصاحبه هو هو فقال زنه برجل فوزنت برجل فرجحته ثم قال زنه بعشرة فوزننى بعشرة فوزنتهم ثم قال زنه بمائة فوزننى بمائه فرجحتهم ثم قال زنه بألف فوزننى بألف فرجحتهم فجعلوا ينتثرون على من كفة الميزان فقال أحدهما للآخر لو وزنته بأمته رجحها ثم قال أحدهم لصاحبه شق بطنه فشق بطنى ثم قال أحدهم لصاحبه اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الملاءة ثم دعا بسكينة كأنها برهرهة بيضاء فادخلت قلبى ثم قال أحدهما لصاحبه خط بطنه فخاط بطنى فجعل الخاتم بين كتفى فما هو إلا أن وليا عنى فكأنما اعاين الأمر معينة رواه الدارمى والبراز والرويانى وابن عساكر والضياء فى المختارة * وروى البيهقى عن يحيي بن جعدة مرسلا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ملكين جاآنى فى صورة كركيين معهما ثلج وبرد وماء بارد فشق أحدهما صدرى وخج الآخر بمنقاره فيه فغسله * وروى أبو نعيم عن يونس بن ميسرة مرسلا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانى ملكك بطست من ذهب فشق بطنى فاستخرج حشوة جوفى فغسلها ثم ذر عليها ذرورا ثم قال قلب وكيع فيه عينان بصيرتان وأذنان تسمعان وأنت محمد رسول الله المقفى الحاشر قلبك سليم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة وخلقك قيم وأنت قثم * وروى الدارمى وابن عساكر عن ابن غنم وهو مختلف فى صحبته قال نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق بطنه ثم قال جبريل قلب وكيع فيه أذنان سميعتان وعينان بصيرتان محمد رسول الله المقفى الحاشر خلقك قيم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة . ثغرة النحر النقرة بين الترقوتين . ومغمز الشيطان هو الذى يغمز الشيطان من كل مولود إلا عيسى بن مريم وأمه لقول أمها حنة إنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم قال السيهلى هذا على أفضلية عيسى على نبينا صلى الله عليهما وسلم فقد نزع ذلم منه وملئ حكمة وإيمانا بعد أن غسله روح القدسبالثلج والبرد . والملاءة الازار . والبرهرهة الرحرحة يعنى الواسعة وقيل يجوز أن يكون بمعنى الأبيض المتلألئ .والوكيع الواعى . والقثم من القثم وهو الإعطاء أو من القثم وهو الجمع يقال للرجل الجموع الخير قثوم وقثم وقد كان صلى الله عليه وسلم جامعا لخصال الخير والفضائل كلها . (ومن جواهر الحافظ الشامي ذكره فى الباب السابع تنبيهات مهمة تتعلق بشق صدره الشريف صلى الله عليه وسلم (التنبيه الأول) قال الحافظ العراقي فى أول شرحه لتقريبه قد أنكر صحة وقوع شق الصدر ليلة الإسراء ابن حزم وعياض وادعيا أنه تخليط من شريك وليس كذلك فقد ثبت فى الصحيحين من غير شريك وقال الإمام أبو العباس القرطبى فى المفهم لا يلتفت لإنكار شق الصدر ليلة الإسراء لأن رواته ثقات مشاهير * وقال الحافظ ابن حجر قد أنكر وقوع شق الصدر ليلة الإسراء بعضهم ولا إنكار فى ذلك فقد تواترت به الروايات . (التنبيه الثانى) قال القرطبى فى المفهم والثور بشتى فى شرح المصابيح والطيبى فى شرح المشكاة والحافظ ابن حجر والحافظ السيوطى وغيرهم أن جميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شئ من ذلك ويؤيده الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المخيط فى صدره صلى الله عليه وسلم * قال الحافظ السيوطى وما وقع من بعض جهلة العصر من إنكار ذلك وحمله على الأمر المعنوى والزام قائله القول بقلب الحقائق هو جهل صريح وخطأ قبيح نشأ من خذلان الله تعالى لهم وركونهم الى العلوم الفلسفية وبعدهم عن دقائق السنة عافانا الله تعالى من ذلك . (التنبيه الثالث) قال العلامة ابن المنير وشق الصدر له صلى الله عليه وسلم وصبره عليه من جنس ما ابتلى الله تعالى بالذبيح وصبر عليه بل هذا أشق وأجل لأن تلك معاريض وهذه حقيقة وأيضا فقد تكرر ووقع له وهو صغير يتيم بعيد عن أهله صلى الله عليه وسلم . (التنبيه الرابع) سئل شيخ الإسلام أبو الحسن السبكى رحمه الله تعالى عن العلقة السوداء التى أخرجت من قلبه صلى الله عليه وسلم حين شق فؤاده وقول الملك هذا حظ الشيطان منك فأجاب رحمه الله تعالى بأن تلك العلقة خلقها الله تعالى فى قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها فأزيلت من قلبه صلى الله عليه وسلم فلم يبق فيه مكان لأن يلقى الشيطان فيه شيئا هذا معنى الحديث ولم يكن للشيطان فيه حظ وأما الذى نفاه الملك فهو أمر فى الجبلة البشرية فأزيل القابل الذى لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف فى القلب قيا له فلم خلق الله تعالى هذا القابل فى هذه الذات الشريفة وكان يمكن أن لا يخلقه الله تعالى فيها فقال أنه من جملة الأجزاء الإنسانية فخلق تكملة للخلق الإنسانى ولابد منه ونزعه كرامة ربانية طرأت * وقال غيره لو خلق الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم كذلك لم يكن للآدميين اطلاع على حقيقته صلى الله عليه وسلم فأظهره الله تعالى على يد جبريل عليه الصلاة والسلام ليتحققوا كمال باطنه كما برز لهم مكمل الظاهر صلى الله عليه وسلم . (التنبيه الخامس) قال الشيخ أبو محمد بن أبى جمره الحكمة فى شق صدره صلى الله عليه وسلم مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانا وحكمة من غير شق الزيادة فى قوة اليقين لأنه أعطى برؤيته شق صدره وعدم تأثره بذلك ما آمن معه من جميع المخاوف العادية فلذلك كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس حالا ومقالا ولذلك وصف بقوله تعالى ما زاغ البصر وما طغى * (التنبيه السادس) قال الحافظ واختلف هل كان شق صدره وغسله مختصا به أو وقع لغيره من الأنبياء وقد وقع عند الطبرى فى قصة تابوت بنى إسرائيل أنه كان فيه الطست التى تغسل فيها قلوب الأنبياء وهذا مشعر بالمشاركة ورجح الحافظ السيوطى إختصاصه به صلى الله عليه وسلم . (التنبيه السابع) فى الحكمة فى تكرره قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الأولى والثالثة والرابعة ولكل من الثلاث حكمة فالأولى كانت فى زمن الطفولية لينشأ على أكمل الأحوال من التطهير ثم وقع عند إرادة العروج الى السماء ليتأهب للمناجاة * قال الحافظ الشامى قلت وسئلت عن حمكة المرة الثانية مع ذكره إياها فى كتاب التوحيد جازما بها ويحتمل أن يقال لما كان التمييز فى ثامن سن التكليف شق صدره عليه الصلاة والسلام وقدس حتى لا يلتبس بشئ مما يعاب على الرجال والله أعلم * قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ويحتمل أن تكون الحكمة فى هذا الغسل لتقع المبالغة فى الأسباغ بحصول المرة الثالثة كما هى فى شرعه صلى الله عليه وسلم * وقال ابن أبى جمرة رحمه الله تعالى وإنما غسل قلبه وقد كان مقدسا وقابلا لما يلقى فيه من الخير وقد غسل أولا وهو صغير السن وأخرجت منه العلقة إعظاما وتأهبا لما يلقى هناك فى المعراج وقد جرت الحكمة بذلك فى غير ما وضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان هناك متوضئا لأن الوضوء فى حقه إنما هو إعظام وتأهب للوقوف بين يدى الله تعالى ومناجاته ولذلك الزيادة على الواحدة والاثنتين إذا أسبغ بالأولى لأن الأجزاء قد حصل وبقى ما بعد الإسباغ الى الثلاث إعظاما وكذلك غسل البطن هنا وقد قال تعالى ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب فكان الغسل له صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم الشعائر كما نص لهم عليه بالقول * وقال البرهان النعمانى رحمه الله تعالى تعالى قد حسن لداخل الحرم الشريف الغسل فما ظنك بداخل الحضرة المقدسة فلما كان الحرم الشريف من عالم الملك وهو ظاهر الكائنات أنيط الغسل له بظاهر البدن فى عالم المعاملات ولما كانت الحضرة الشريفة من عالم الملكوت وهو باطن الكائنات أنيط بالغسل بباطن البدن فى الحقيقات وقد عرج به لتعرض عليه الصلاة وليصلى بملائكة السماوات ومن شأن الصلاة الطهور فقدس ظاهرا أو باطنا صلى الله عليه وسلم * فإن قلت ان الله تعالى خلقه نورا متنقلا من الأنبياء وفى صفاء النور ما يغنى عن التطهير الحسى ثن إن المرة الأولى لم تكن كافية فى تطهير الباطن ويلزم عليه أنه بعد النبوة كان فيه شئ يحتاج الى ذلك وهو منزه عن ادران البشرية (قلت) الأولى لعلم اليقين والثانية لعين اليقين والثالثة لحق اليقين . (التنبيه الثامن) قال الحافظ ابن حجر وقع ذلك من غير مشقة وبه جزم ابن الجوزى فقال فشقه وما شق عليه . (التنبيه التاسع) وقع السؤال هل كان شق صدره صلى الله عليه وسلم بآلة أم لا ولم يجب عنه أحد ولم أرَ من تعرض له بعد التنبع وظاهر قوله فشق أنه كان بآله ويدل لذلك قول الملك فى حديث أبى ذر خط بطنه فخاطه * وفى لفظ عن عتبة بن عبد فحصه فخاطه وفى الحديث أنس كانوا يرون أثر المخيط فى صدره صلى الله عليه وسلم . (التنبيه العاشر) فى حديث أبى ذر وأتيت بالسكينة كأنها برهرهة فوضعت فى صدرى * قال ابن الأنبارى البرهرهة السكينة المعوجة الرأس التى تسميها العامة بالمنجل بالجيم * وقال الخطابى عثرت على رواية وفيها أنه شق عن قلبه قال فدعا بسكينة كأنها درهمة بيضاء فوقع لى أنه أراد بالبرهرهة سكينة بيضاء صافية الحديد تشبيها بالبرهرهة من النساء فى بياضها وصفائها * قال بن دحية والصواب فى هذه اللفظة السكينة بالتخفيف لأنه قال بعد شق البطن ثم أتيت بالسكينة كأنها برهرهة فوضعت فى صدرى وإنما عنى بها السكينة التى هى فى أصل اللغة فعلية من السكون وهى أكثر ما يأتى فى القرآن العظيم بمعنى السكون والطمأنينة . (التنبيه الحادى عشر) خص الطست بما ذكر لكونه أشهر الآنية للغسل عرفا . (التنبيه الثانى عشر) قال السهيلى وخص الذهب لكونه مناسبا للمعنى الذى قصد به وأن نظرت الى لفظ الذهب فمطابق للذهاب وأن الله تعالى أراد أن يذهب عنه الرجس ويطهره تطهيرا صلى الله عليه وسلم وإن نظرت الى معنى الذهب وأوصافه وجدته أنقى شئ وأصفاه . (التنبيه الثالث عشر) قال النووى ليس فى هذا الخبر ما يوهم استعمال إناء الذهب والفضة لأن هذا فعل الملائكة واستعمالهم وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا ولأنه كان قبل تحريم النبى صلى الله عليه وسلم استعمال أوانى الذهب والفضة انتهى أى لأن التحريم إنما وقع فى المدينة كما نبه عليه الحافظ ابن حجر . (التنبيه الرابع عشر) يؤخذ من غسل قلبه صلى الله عليه وسلم بماء زمزم أنه أفضل المياه به جزم الإمام البلقينى * قال ابن جمرة إنما لم يغسل بماء الجنة لما اجتمع فى زمزم من كون أصل مائها من الجنة ثم استقر فى الأرض فأريد بقاء بركته صلى الله عليه وسلم فى الأرض * وقال غيره لما كان ماء زمزم أصل من أوتيه اسماعيل صلى الله عليه وسلم وقد ربى عليه ونما عليه قلبه وجسده وصار هو وصاحبه وصاحب البلدة المباركة ناسب أن يكون ولده الصادق المصدوق كذلك ولما فيه من الإشارة الى اختصاصه بذلك بعده فإنه قد صارت الولاية اليه فى الفتح فجعل السقاية للعباس ولولده وحجابة البيت لعثمان بن شيبة وعقبة الى يوم القيامة . (التنبيه الخامس عشر) الحكمة فى غسل صدره صلى الله عليه وسلم بماء الثلج والبرد هى مع ما فيهما من الصفاء وعدم التكدر بالأجزاء الترابية التى هى محل للأرجاس وعنصر الأكدار الإيماء الى أن الوقت يصفو له ولأمته ويروق لشريعته الغراء وسنته والإشارة الى ثلوج صدره أى انشراحه بالنصر على أعدائه والظفر بهم والإيذان ببرودة قلبه أى طمئنينته على أمته بالمغفرة لهم والتجاوز عن سيآتهم * وقال بن دحية إنما غسل قلبه بالثلج لما يشعر به من ثلج اليقين الى قلبه وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول بين التكبير والقراءة اللهم اغسلنى من خطاياى بالثلج والبرد واراد تعالى أن يغسل قلبه بماء حمل من الجنة فى طست من ذهب ممتلئ حكمة وايمانا ليعرف قلبه طيب الجنة ويجد حلاوتها فيكون فى الدنيا أزهد وعلى دعوة الخلق الى الجنة أحرص ولأنه كان له أعداء يتقولون عليه فأراد الله تعالى أن ينفى عنه طبع البشرية من ضيق الصدر وسوء مقالات الأعداء فغسل قلبه ليورث ذلك صدره سعة ويفارقه الضيق كما قال تعالى ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فغسل قلبه غير مرة فصار بحيث إذا ضرب أو شج رأسه أو كسرت رباعيته كما فى يوم أحد يقول اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون . (التنبيه السادس عشر) جاء فى رواية أن المغسول البطن فقيل المراد بالبطن هنا ما بطن وهو القلب واستطهره بعضهم لأنه جاء فى رواية ذكر القلب ولم يذكر البطن ويحتمل أن تحمل كل رواية على ظاهرها ويقع الجمع بينهما بأن يقال أخبر صلى الله عليه وسلم مرة بغسل البطن ولم يتعرض لذكر القلب * وأخبره مرة بغسل القلب ولم يتعرض لذكر البطن فيكون الغسل قد حصل فيهما معا مبالغة فى تنظيف المحل . (التنبيه السابع عشر) قال السهيلى فإن قيل كيف يكون الإيمان والحكمة فى طست من ذهب والإيمان عرض والاعراض لا يوصف بها إلا محلها والذى تقوم به ولا يجوز فيها الإنتقال لأن الإنتقال من صفة الأجسام لا من صفة الاعراض قلنا إنما عبر عما فى الطست بالحكمة والإيمان كما عبر عن اللبن الذى شربه وأعطى فضله عمر بن الخطاب بالعلم فكان تأويل ما افرغ فى قلبه ايمانا وحكمة ولعل الذى كان فى الطست ثلجا وبردا كما ذكر فى الحديث الأول فعبر فى المرة الثانية بما يؤول اليه وعبر عنه فى المرة الأولى بصورته التى رآها لأنه فى الأولى كان طفلا فلما رأى الثلج فى طست الذهب اعتقده ثلجا حتى عرف تأويله بعد وفى المرة الأخرى كان نبيا فلما رأى طست الذهب مملوأ ثلجا علم التأويل لحينه واعتقده فى ذلك المقام حكمة وإيمانا فكان لفظه فى الحديثين على حسب اعتقاده فى المقامين انتهى * وقال النووى والحافظ ابن حجر المعنى جعل فى الطست شئ يحصل به زيادة فى كمال الإيمان وكمال الحكمة وهذا المملوء يحتمل أن يكون على الحقيقة وتجسد المعانى جائز كما جاء أن سورة البقرة تجئ يوم القيامة كأنها الظلة والموت فى صورة كبش وكذلك وزن الأعمال وغير ذلك من أحوال الغيب * وقال البيضاوى فى شرح المصابيح لعل ذلك من باب التمثيل إذ تمثيل المعانى وقع كثيرا كما مثلت له الجنة والنار فى عرض الحائط بضم العين المهملة وفائدته كشف المنوى المحسوس وأشار النووى بقوله جعل به زيادة فى كمال الإيمان وكمال الحكمة الى آخره الى أنه صلى الله عليه وسلم كان متصفا بأقوى الإيمان . (التنبيه الثامن عشر) المملوء البطن أو الصدر ففى رواية ذكر البطن وفى غيرها ذكر القلب والظاهر أنهما ملئا معا وأخبر صلى الله عليه وسلم فى رواية بالبطن وأخبر فى أخرى بالقلب ويحتمل أن يكون القلب وذكر البطن توسعة لأن العرب تسمى الشئ بما قاربه أو بما كان فيه وقد قال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام والمراد بالصدر فى الآية القلب باسم ما هو فيه وهو الصدر . (التنبيه التاسع عشر) اختلف فى تفسير الحكمة فقيل أنها العلم المشتمل على معرفة الله مع نفاد البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده والحكيم من حاز ذلك قال الإمام النووى هذا ما صفا لنا من أقوال كثيرة انتهى * وقد تطلق الحكمة على القرآن وهو مشتمل على ذلك كله وعلى النبوة كذلك وقد تطلق على العلم فقط وعلى المعرفة فقط ونحو ذلك * وقال الحافظ ابن حجر أصح ما قيل أنها وضع الشئ فى محله أو الفهم فى كتاب الله تعالى وعلى التفسير الثانى قد توجد الحكمة دون الإيمان وقد لا توجد وعلى الأول فقد يتلازمان لأن الإيمان تدل عليه الحكمة . (التنبيه العشرون) قال بعض العلماء المراد بالوزن فى قوله زنة بعشرة من أمته الى أخره الوزن الإعتبارى فيكون المراد بالرجحان الفضل وهو كذلك وفائدة فعل الملكين ذلك ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حتى يخبر به غيره ويعتقده إذ هو من الأمور الإعتقادية * قال الحافظ الشامى وسألت شيخ الإسلام برهان الدين بن أبى شريف رحمه الله تعالى عن هذا الحديث قبل وقوفى على الكلام السابق فكتب لى بخطه هذا الحديث يقتضى أن المعانى جعلها الله تعالى ذوات فعند ذلك قال الملك لصاحبه اجعله فى كفة واجعل ألفا من أمته فى كفه ففعل فرجح ما له صلى الله عليه وسلم رجحانا طاش معه ما للآلف بحيث تخيل اليه أنه سقط بعضهم ولما عرف الملكان منه الرجحان وان معنى لو اجتمعت المعانى كلها التى للأمة ووضعت فى كفة ووضع ما له صلى الله عليه وسلم لرجح على الأمة قالا لو أن أمته وزنت به مال بهم لأن مآثر خير الخلق وما وهبه الله تعالى له من الفضائل يستحيل أن يساويها غيرها انتهى . ( ومن جواهر الإمام السمهودى فى خلاصة الوفافى الباب الثانى أيضا ) قوله فى الفصل الثانى فى توسل الزائر به صلى الله عليه وسلم الى ربه تعالى واستقباله فى سلامه ودعائه وآداب الزيارة والمجاورة * التوسل والتشفع به صلى الله عليه وسلم وبجاهه وبركته من سنن المرسلين وسير السلف الصالحين وصحح الحاكم حديث لما اقترف آدم الخطيئة قال يارب أسألك بحق محمد صلى الله عليه وسلم لما غفرت لى فقال يا آدم كيف عرفت محمد أو لم أخلقه قال يارب لا لأنك لما خلقتنى بيدك ونفخت فىّ من روحك رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لم تضف الى إسمك أحب الخلق اليك فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق الىّ وإذا سألتنى بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك * وللنسائى والترمذى وقال حسن صحيح غريب عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله لى أن يعافينى قال ان شئت صبرت فهو خير لك قال فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوأه ويدعوا بهذا الدعاء اللهم انى أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجه بك الى ربى فى حاجتى لتقضى اللهم شفعه فىّ وصححه البيهقى وزاد فقام وقد أبصر * وله للطبرانى عن عثمان بن حنيف أيضا أن رجلا كان يختلف الى عثمان بن عفان رضى الله عنه فى حاجة فكان لا يلتفت اليه ولا ينظر فى حاجته فشكا ذلك لابن حنيف فقال له ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت الى المسجد فصل ركعتين ثم قل اللهم إنى أسألك وأتوجه اليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبى الرحمة يا محمد انى أتوجه بك الى ربى فتقضى حاجتى وتذكر حاجتك فانطلق الرجل فصنع ذلك ثم أتى باب عثمان فجاءه البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه على نفس الطنفسة فقال ما حاجتك فذكر حاجته وقضاها له ثم قال ما ذكرت حاجتك حتى الساعة وما كانت لك من حاجة فأذكرها ثم خرج من عنده فلقى ابن حنيف فقال له جزاك الله خيرا ما كان ينظر فى حاجتى حتى كلمته فىَّ فقال ابن حنيف والله ما كلمته ولكنى شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا اليه بصره فقال له صلى الله عليه وسلم أو تبصر فقال يا رسول الله إنه ليس لى قائد وقد شق علىَّ فقال له النبى صلى الله عليه وسلم ائت الميضأة فتوضأ فصل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات قال ابن حنيف فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط وسيأتى فى قبر فاطمة بنت أسد قوله صلى الله عليه وسلم فى دعائه لها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلى الحديث وسنده جيد * وذكر المحبوب أو المعظم قد يكون سببا فى الإجابة وفى العادة أن من توسل بمن له قدر عند شخص فأجاب إكراما له وقد يتوجه بمن له جاه الى من هو أعلى منه وإذا جاز التوسل بالأعمال كما صح فى حديث الغار وهى مخلوقة فالسؤال به صلى الله عليه وسلم أولى ولا فرق فى ذلك بين التعبير بالتوسل والإستغاثة أو التشفع أو التوجه أى التوجه به صلى الله عليه وسلم فى الحاجة * وقد يكون ذلك بمعنى طلب أن يدعو كما فى حال الحياة إذ هو غير ممتنع مع علمه بسؤال من يسأله * ومنه ما رواه البيهقى وابن أبى شيبة بسند صحيح عن مالك الدار وكان خازن عمر رضى الله عنه قال أصاب الناس قحط فى زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل الى قبر النبى صلى الله عليه وسلم فقال استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام فقال ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون وقل له عليك الكيس الكيس فأتى الرجل عمر رضى الله عنه فأخبره فبكى عمر ثم قال يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه * وبين سيف فى الفتوح أن الذى رأى هذا المنام بلال بن الحرث أحد الصحابة رضى الله عنهم * وقال الإمام أبو بكر بن المقرى كنت أنا والطبرانى وأبو الشيخ فى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا فى حالة اضطرار وأثر فينا الجوع وواصلنا ذلك اليوم فلما كان وقت العشاء حضرت قبر النبى صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله الجوع وانصرفت فنمت أنا وأبو الشيخ والطبرانى جالس ينظر فى شئ فحضر علوى معه غلامان مع كل واحد زنبيل فيه شئ كثير فجلسنا وأكلنا وترك عندنا الباقى وقال يا قوم أشكوتم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنى رأيته فى المنام فأمرنى أن أحمل بشئ إليكم * وقال أبو العباس بن نفيس المقرى الضرير جعت بالمدينة ثلاثة أيام فجئت الى القبر فقلت يارسول الله جعت ثم بت ضعيفا فركضتنى جارية برجلها فقمت معها الى دارها فقدمت الىَّ خبز بر وتمرا وسمنا وقالت كل يا أبا العباس فقد أمرنى بهذا جدى صلى الله عليه وسلم ومتى جعت فأت الينا والوقائع فى هذا المعنى كثيرة جدا * قال أبو سليمان داود الشاذلى فى كتابه البيان والإنتصار عقب ذكر كثير من ذلك قد وقع مما ذكر وأمثاله أن الذى يأمره صلى الله عليه وسلم سيما اذا كان المسئول طعاما إنما يكون من الذرية اذ من أخلاق الكرام إذا سئلوا ذلك أن يتولونه بأنفسهم أو بمن يكون منهم * وقال أبو محمد الأشبيلى نزلت برجل من أهل غرناطة علة عجز عنها الأطباء وأيسوا من برئها فكتب عنه الوزير ابن ابى الخصال كتابا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله فيه الشفاء لدائه وضمنه شعرا ذكرناه فى الأصل أوله : كتاب وقيذ من زمانته مشفى * بقبر رسول الله أحمد يستشفى قال فما هو إلا أن وصل الركب المدينة الشريفة وقرئ على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر وبرأ الرجل مكانه * وسيأتى ما يقتضى أمر عائشة رضى الله عنها بالإستسقاء عند الجدب بقبره صلى الله عليه وسلم * بل يجوز كما قال السبكى التوسل بسائر الصالحين أن نقل عن اين عبد السلام أن سؤال الله بعظيم من خلقه ينبغى أن يخص بنبينا صلى الله عليه وسلم ففى الصحيح عن أنس رضى الله عنه أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان اذا قحطوا استقى بالعباس ابن عبد المطلب رضى الله عنه فقال اللهم أما كنا نتوسل اليك بنينا صلى الله عليه وسلم قتسقينا وأنا نتوسل اليك بعم نبينا صلى الله عليه وسلم فاسقنا قال فيسقون * وفى رواية للحافظ أبى القاسم هبة الله عن ابن عباس أن عمر رضى الله عنه قال اللهم إنا نستسقيك بعم نبينا صلى الله عليه وسلم ونستشفع اليك بشيبته فسقوا وفى ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبى لهب : بعمى سقى الله الحجاز وأهله * عشية يستقى بشيبته عمر وفى رواية للزبير بن بكار أن العباس رضى الله عنه قال فى دعائه وقد توجه بى القوم اليك لمكانى من نبيك صلى الله عليه وسلم فاسقنا الغيث فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض * وفى الشفا بسند جيد عن أبى حميد قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك فى هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوما فقال لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى الآية ومدح قوما فقال إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله الآية وذم قوما فقال إن الذين ينادونك من وراء الحجرات الآية وأن حرمته ميتا كحرمته حيا فاستكان لها أبو جعفر وقال يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وادعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام الى الله تعالى يوم القيامة بل أستقبله واستشفع به فيشفعه الله تعالى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية * وفى المستوعب لأبى عبد الله السامرى الحنبلى ثم يأتى حائط القبر فيقف ناحيته ويجعل القبر تلقاء وجهه والقبلة خلف ظهره والمنبر عن يساره وذكر السلام والدعاء ومنه اللهم إنك قلت فى كتابك لنبيك عليه الصلاة والسلام ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية وإنى أتيت نبيك مستغفرا فأسألك أن توجب لى المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه فى حياته اللهم إنى أتوجه اليك بنبيك صلى الله عليه وسلم الخ * وقال عياض قال مالك وفى رواية ابن هب اذا سلم على النبى صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه الى القبر لا الى القبلة ويدعو ويسلم * وفى رواية عن المبسوط أنه قال لا أرى أن يقف عند القبر ويدعو ولكن يسلم ويمضى وهى مخالفة لما سبق ولما نقله ابن الموازى فى الحج قال قيل لمالك فالذى يلتزم أترى له أن يتعلق بأستار الكعبة عند الوداع قال لا ولكن يقف ويدعو قيل له وكذلك عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم قال نعم وحمل ما فى المبسوط على من لم يؤمن منه سوء أدب فى دعائه عند القبر * وفى رؤس المسائل للتودى عن الحافظ أبى موسى الأصفهانى أنه روى عن مالك قال اذا أراد الرجل أن يأتى قبر النبى صلى الله عليه وسلم فيستدبر القبلة ويستقبل النبى صلى الله عليه وسلم ويصلى عليه ويدعو له * ونقل ابن يونس عن أبى حبيب أنه قال ثم أقصد اذا قضيت ركعتين الى القبر من وجاه القبلة فادن منه ثم سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَثن عليه وعليك السكينة والوقار فإنه صلى الله عليه وسلم يسمع ويعلم وقوفك بي يديه وتسلم على أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وتدعو لهما وقال ابراهيم الحربى فى مناسكه تولى ظهرك القبلة وتستقبل وسطه يعنى القبر * وفى مسند أبى حنيفة رحمه الله لأبى القاسم طلحة عن أبى حنيفة جاء أيوب السختيانى فدنا من قبر النبى صلى الله عليه وسلم فاستدبر القبلة وأقبل بوجهه الى القبر وبكى بكاء غير متباك * وقال المجد اللغوى روينا عن عبد الله بن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول قدم أيوب السختيانى وأنا بالمدينة فقلت لأنظرنَّ ما يصنع فجعل ظهره مما يلى القبلة ووجهه مما يلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى غير متباك فقام مقام رجل فقيه * ويشهد له ما أخرجه أبو ذر الهروى فى سننه فى بيان الإيمان والإسلام من أن حماد بن زيد حدث أبا حنيفة بالحديث فى ذلك عن شيخه أيوب السختيانى فقال له أبو حنيفة فحدثك أيوب بهذا وبكى ثم قال ما ذكرت أيوب السختيانى إلا بكيت فقد رأيته يلوذ بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما رأيته من أحد وفيه مخالفة لما ذكره أبو الليث فى الفتاوى عطفا على حكاية حكاها الحسن ابن زياد عن أبى حنيفة من أن الزائر يستقبل القبلة فى سلامه قال السروجى من الحنيفة يقف مستقبل القبلة * وقال الكرمانى منهم ويقف عند رأسه ويكون وقوفه بين القبر والمنبر مستقبل القبلة * وعن أصحاب الشافعى وغيره يقف وظهره الى القبلة ووجهه الى الحضرة وهو قول ابن حنبل انتهى * وقال المحقق الكمال بن الهمام رحمه الله تعالى أن ما نقل عن أبى الليث مردود بما روى عن أبى حنيفة فى مسنده عن ابن عمر رضى الله عنهما قال من السنة أن تأتى قبر النبى صلى الله عليه وسلم من قبل القبلة وتجعل ظهرك الى القبلة وتستقبل القبر بوجهك ثم تقول السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته * وفى المنسك الكبير لابن جماعة مذهب الحنفية أنه يقف للسلام عند الرأس المقدس بحيث يكون على يساره ويبعد عن الجدار قدر أربعة أذرع ثم يدور الى أن يقف قبالة الوجه المقدس مستدبر القبلة وشذ الكرمانى من الحنفية فقال يقف مستدبر القبر المقدس مستقبل القبلة وتبعه بعضهم وليس بشئ فاعتمد على ما نقلته انتهى ولا ينبغى أن يتردد فيه اذ الميت يعامل معاملة الحى والحى يسلم عليه مستقبلا له وما سبق عن علقمه القروى الكبير من أن الناس كانوا قبل ادخال البيت فى المسجد يقفون على باب البيت يسلمون سببه تعذر استقبال الوجه الشريف حينئذ وكانوا يستقبلون القبر الشريف من ناحية باب البيت ومن ناحية الرأس الشريف لما سبق عن المطرى من أن موقف على بن الحسين للسلام عند الاسطوانه التى تلى الروضة قال وهو موقف السلف قبل ادخال الحجرات كانوا يستقبلون اتلسارية التى فيها الصندوق مستدبرين الروضة فلما ادخلت الحجرات وقفوا مما يلى الوجه الشريف * ولابن زبالة عن سلمة بن وردان قال رأيت أنس بن مالك إذا سلم على النبى صلى الله عليه وسلم يأتى فيقوم أمامه (آداب الزيارة والمجاورة) قال السمهودى وآداب الزيارة والمجاورة كثيرة (منها) ما يتعلق بسفرها من الإستخارة وتجديد التوبة والوصية وإرضاء من يتوجه ارضاؤه وإطابة النفقة والتوسعة فى الزاد وعدم المشاركة فيه وتوديع الأهل والإخوان والمنزل بركعتين والدعاء عقبهما والتصدق بشئ عند الخروج منه الى غير ذلك مما هو مذكور فى آداب سفر الحج (ومنها) اخلاص النية فينوى التقرب بالزيارة وينوى معها التقرب بشد الرحل للمسجد النبوى والصلاة فيه كما قاله أصحابنا وغيرهم لحثه صلى الله عليه وسلم على ذلك ففيه تعظيمه أيضا بامتثال أوامره والمراد من حديث لا تعمله حاجه إلا زيارتى اجتناب قصد حاجة لم يدعه الشارع اليها فلينو ذلك مع الاعتكاف فيه والتعلم والتعليم وذكر الله تعالى واكثار الصلاة والسلام على النبى صلى الله عليه وسلم والصدقة على جيرانه وختم القرآن عنده الى غير ذلك مما يستحب للزائر فعله فنية المؤمن خير من عمله وينوى أيضا اجتناب المكروهات فضلا عن المحظورات حياء من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (ومنها) أن يرد بالعزم شوقا وصبابة وتوقا وكلما ازداد دنوا وازداد غراما وحنوا اذ من لازم حبه صلى الله عليه وسلم كثرة الشوق اليه وطلب القرب من معاهده وآثاره وأماكنه ومهابط أنواره تلك الديار التى قلب المحب له * شوق اليها وتذكار وأشجان وأنة وحنين كلما ذكرت * ولوعة وشجيً منه وأحزان (ومنها) أن يقول اذا خرج من بيته بسم الله آمنت بالله حسبى الله توكلت على الله لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم * اللهم اليك خرجت وأنت أخرجتني * اللهم سلمنى وسلم منى وردنى سالما فى دينى كما أخرجتنى * اللهم إنى أعوذ بك أن أضِل أو أضَل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل على عز جارك وجل ثناؤك وتبارك اسمك ولا اله غيرك * اللهم انى أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاى هذا اليك الى آخر الذكر المستحب لقاصد المسجد (ومنها) الإكثار فى المسير من الصلاة والتسليم على النبى صلى الله عليه وسلم بل يستغرق أوقات فراغه فى ذلك وغيره من القربات ويتتبع ما فى طريقه من المساجد والآثار المنسوبة للنبى صلى الله عليه وسلم فيحييها بالزيارة والصلاة فيها ولا يخل بما يمكنه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والغضب عند تضييع شئ من حقوقه صلى الله عليه وسلم اذ من علامات المحبة غيرة المحب لمحبوبه وأقوى الناس ديانة أعظمهم غيرة وادعاء المحبة بلا غيرة كذب (ومنها) اذا دنا من حرم المدينة الشريفة وأبصر رياها وأعلامها فليزدد خضوعا وخشوعا وليستبشر بالهنا وبلوغ المنى وان كان على دابة حركها أو بعير أوضعه تباشرا بالمدينة ولله در القائل : قرب الديار يزيد شوق الواله * لاسيما إن لاح نور جماله أو بشر الحادى بان لاح البقا * وبدت على بعد رؤس جباله فهناك عِيلَ الصبر من ذى صبوة * وبدا الذى يخفيه من أحواله ويجتهد حينئذ فى مزيد الصلاة والسلام وترديدهما كلما دنا من تلك الأعلام ولا بأس بالترجل والمشي إذا قرب لأن وفد عبد القيس لما رأَوا النبى صلى الله عليه وسلم نزلوا عن الرواحل ولم ينكر عليهم * وقال أبو سليمان داود أن ذلك يتأكد لمن أمكنه من الرجال تواضعا لله وإجلالا لنبيه صلى الله عليه وسلم * وفى الشفا أن أبا الفضل الجوهرى لما ورد المدينة زائراً وقرب من بيوتها ترحل باكيا منشدا: ولما رأينا رسم من لم يدع لنا * فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا نزلنا عن الأكوار نمشى كرامة * لمن بان عنه أن نلم به راكبا (ومنها) إذا بلغ حرم المدينة فليقل بعد الصلاة والتسليم اللهم ان هذا هو الحرم الذى حرمته على لسان حبيبك ورسولك صلى الله عليه وسلم ودعاك أن تجعل فيه من الخير والبركة مثلى ما هو بحرم بيتك الحرام فحرمنى على النار وأمنى من عذابك يوم تبعث عبادك وارزقنى ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك ووفقنى فيه لحسن الأدب وفعل الخيرات وترك المنكرات وان كانت طريقه على ذى الحليفة فلا يجاوز المعرس حتى ينيخ به ويصلى بمسجده ومسجد ذى الحليفة (ومنها) الغسل لدخول المدينة ولبس أنظف ثيابه صرح باستحبابه جماعة من الشافعية والحنابلة وغيرهم * وفى حديث قيس بن عاصم فى قدومه مع وفده وحديث المنذر ابن ساوى التميمى ما يشهد لذلك * وفى الأحياء وليغتسل قبل الدخول من بئر الحرة وليتطيب ويلبس أنظف ثيابه * وقال الكرمانى من الحنفية فإن لم خارج المدينة فليغتسل بعد دخولها وليجتنب ما يفعله بعض الجهلة من التجرد عن المخيط تشبيها بحال الإحرام (ومنها) إذا شارف المدينة الشريفة وتراءت له قبة الحجرة المنيفة فليستحضر عظمتها وتفضيلها وأنها البقعة التى اختارها الله لحبيبه صلى الله عليه وسلم ويمثل فى نفسه مواقع أقدامه الشريفة عند تردده فيها وأنه ما من موضع يطؤه الا هو موضع قدمه العزيز مع خشوعه وسكينته وتعظيم الله له حتى أحبط عمل من انتهك شيئا من حرمته ولو برفع صوته فوق صوته ويتأسف على فوات رؤيته فى الدنيا وأنه من ذلك فى الآخره على خطر لقبيح فعله ثم يستغفر لذنوبه ويلتزم سلوك سبيله ليفوز بالإقبال عند اللقا * ويحظى بتحية المقبول من ذوى التقى (ومنها) أن يقول عند دخوله من باب البلد بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا آمنت بالله حسبى الله الى آخر ما سبق أنه يقول اذا خرج من بيته وليقو فى قلبه شرف المدينه وأنها حوت أفضل البقاع بالإجماع وتفضيلها مطلقا عند بعضهم أرض مشى جبريل فى عرصاتها * والله صرف أرضها وسماها (ومنها) أن يقدم صدقة بين يدى نجواه ويبدأ بالمسجد الشريف ولا يعرج على ما سواه مما لا ضرورة به اليه فاذا شاهده فليستحضر أنه أتى مهبط أبى الفتوح جبريل عليه السلام ومنزل أبى الغنائم ميكائيل وموضع الوحى والتنزيل فليزدد خشوعا وخضوعا يليق بالمقام ويقصد باب جبريل لقول بعضهم ان الدخول منه أفضل لما سيأتى فيه فإذا أراد الدخول فليفرغ قلبه وليصف ضميره مستحضراً عظيم ما هو متوجه اليه * قال أبو سليمان داود يقف يسيرا كالمستأذن كما يفعله من يدخل على العظماء ويقدم رجله اليمنى فى الدخول قائلا أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبنوره القديم من الشيطان الرجيم بسم الله والحمد لله ولا حول ولا قوة الا بالله اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك وعى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الله اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب رحمتك ووفقنى وسددنى وأعنى على ما يرضيك عنى ومنَّ على بحسن الأدب والسلامُ عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولا يتركه كلما دخل المسجد أو خرج الا أنه يقول عند الخروج وافتح لى أبواب فضلك (ومنها) أنه اذا صار فى المسجد فلينو الإعتكاف وان قل زمانه ثم يتوجه للروضه الشريفة خاشعا غاضا طرفه غير مشغول بالنظر الى شئ من زينة المسجد وغيره مع الهيبة والوقار والخشية والإنكسار والخضوع والافتقار ثم يقف فى المصلى النبوى إن كان خاليا وإلا ففيما قرب منه ومن المنبر وإلا ففي غير ذلك فيصلى التحية ركعتين خفيفتين يقرأ فيهما قل ياايها الكافرون والإخلاص فإن أقيمت مكتوبة أو خاف فوتها صلاها وحصلت التحية ثم يحمد الله ويشكره ويسأل الرضا والتوفيق والقبول وأن يهب له من مهمات الدارين نهاية السول ويسجد شكرا لله تعالى عند الحنفية * وفى التشويق للجما بن المحب الطبرى موافقتهم ويبتهل فى أن يتم له ما قصد من الزيارة النبوية ومحل تقديم التحية إذا لم يكن مروره قبالة الوجه الشريف فإن كان استحبت الزيارة أولا كما قال بعضهم ورخص بعض المالكية فى تقديم الزيارة على الصلاة وقال كل ذلك واسع ودليل الأول حديث جابر رضى الله عنه قال قدمت من سفر فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم عليه فقال ادخلت المسجد فصليت فيه قلت لا قال فاذهب فاخل المسجد فصل فيه ثم ائت فسلم على * وقال اللخمى وتبتدئ فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم بتحية المسجد قبل أن تأتى القبر هذا قول مالك وقال بن حبيب يقول اذا دخل باسم الله والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أنه يبتدئ بالسلام من موضعه ثم يركع ولو كان دخوله من الباب الذى بناحية القبر ومروره عليه فوقف فسلم ثم عاد الى موضع يصلى فيه لم يكن ضيقا ومراد ابن حبيب الإتيان أولا بالسلام المستحب لداخل المسجد لحديث إذا دخل أحدكم المسجد فيسلم على النبى صلى الله عليه وسلم (ومنها) أن يتوجه بعد ذلك الى الضريح الشريف مستعينا بالله فى رعاية الأدب بهذا الموقف المنيف فيقف بخضوع ووقار وذلة وانكسار غاض الطرف مكفوف الجوارح واضعا يمينه على شماله كما فى الصلاة فيما قاله الكرمانى من الحنفية مستقبلا للوجه الشريف تجاه مسمار الفضة وذلك فى محاذاة الصرعة الثانية من باب المقصورة القبلى التى عن يمين مستقبله وقد حدث الآن شباك من نحاس وموقف السلف قبل ادخال الحجرة فى المسجد وبعده داخل تلك المقصورة وهو السنة اذ المنقول الوقوف على نحو أربعة أذرع من رأس القبر الشريف * وقال ابن عبد السلام ثلاثة وقال ابن حبيب فى الواضحة وأقصد القبر الشريف من وجاه القبلة وادن منه وفى الأحياء بعد بيان الموقف بنحو ما سبق فينبغى أن يقف بين يديه كما وصفنا وتزوره ميتا كما كنت تزوره حيا ولا تقرب من قبره إلا كما كنت تقرب من شخصه الكريم لو كان حيا انتهى * ولينظر الزائر الى أسفل ما يستقبله من الحجرة والحذر من اشتغال النظر بشئ مما هناك من الزينة فإنه صلى الله عليه وسلم كما قال فى الأحياء عالم بحضورك وقيامك وزيارتك له قال فمثل صورته الكريمة فى حيالك موضعا فى اللحد بإزائك وأحضر عظيم رتبته فى قلبك انتهى ثم سلم مقتصدا من غير رفع صوت ولا خفاء فتقول بحياء ووقار السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته ثلاثا * السلام عليك يا رسول رب العالمين * السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين * السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين * السلام عليك يا إمام المتقين * السلام عليك يا قائد الغر المحجلين * السلام عليك أيها المبعوث رحمة للعالمين * السلام عليك يا شفيع المذنبين * السلام عليك يا حبيب الله * السلام عليك يا خيرة الله * السلام عليك يا صفوة الله * السلام عليك أيها الهادى الى صراط مستقيم * السلام عليك يامن وصفه الله تعالى بقوله وإنك لعلى خلق عظيم وبقوله بالمؤمنين رؤوف رحيم * السلام عليك يا من سبح الحصى فى يده وحن الجذع اليه * السلام عليك يا من أمرنا الله بطاعته والصلاة والسلام عليه * السلام عليك وعلى سائر الأنبياء والمرسلين * وعباد الله الصالحين * وملائكة الله المقربين * وعلى آلك وأزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين * وأصحابك أجمعين * كثيرا دائما أبدا كما يحب ربنا ويرضى * جزاك الله عنا أفضل ما جزى به رسولا عن أمته وصلى الله عليك أفضل وأكمل وأزكى وأنمى صلاة صلاها على أحد من خلقه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنك عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأشهد أنك قذ بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وكشفت الغمة وأقمت الحجة وأوضحت المحجة وجاهدت فى الله حق جهاده وكنت كما نعتك الله تعالى فى كتابه حيث قال لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم فصلوات الله وملائكته وجميع خلقه فى سماواته وأرضه عليك يا رسول الله * اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته وآته نهاية ما ينبغى أن يسأله السائلون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره اللهم فثبتنى على ذلك ولا تردنا على أعقابنا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب * اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبى الأمى وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل ابراهيم وبارك على محمد النبى الأمى وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم فى العالمين انك حميد مجيد * ومن عجز عن حفظ ذلك أو ضاق عنه الوقت اقتصر على بعضه وأقله السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم * وعن عمر وغيره الإقتصار جدا * وعن مالك يقول السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته واختار بعضهم التطويل وعليه الأكثر * وقال بن حبيب ثم تقف بالقبر فتصلى عليه صلى الله عليه وسلم وتثنى بما يحضرك انتهى * ثم ان كان أوصاك احد بالسلام فقل السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان بن فلان يسلم عليك يا رسول الله ونحوه * ثم يتأخر الزائر الى صوب يمينه قدر ذراع فيصير تجاه أبى بكر الصديق رضى الله عنه فيقول السلام عليك يا أبا بكر الصديق صفىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وثانيه فى الغار ورفيقه فى الأسفار جزاك الله عن أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الجزاء * ثم يتأخر الى صوب يمينه قدر ذراع فيقول السلام عليك يا عمر الفاروق الذى أعز الله به الإسلام جزاك الله تعالى عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الجزاء هذا ما ذكره النووى وغيره من أصحابنا وغيرهم وذكر ابن حبيب السلام والثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعطف عليه قوله السلام عليكما يا صاحبى رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ويا عمر جزاكما الله تعالى عن الإسلام وأهله أفضل ماجزى وزيرى نبى عن وزارته فى حياته وعلى حسن خلافتهما اياه فى أمته بعد وفاته فقد كنتما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزيرى صدق فى حياته وخلفتماه بالعدل والإحسان فى أمته بعد وفاته فجزاكما الله تعالى على ذلك مرافقته فى جنته وايانا معكم برحمته قال النووى وغيره ثم يرجع الزائر الى موقفه قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتوسل به ويستشفع به الى ربه ومن أحسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن العتبى مستحسنين له قال كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول ولو أنهم اذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله الآيه قد جئتك مستغفرا من ذنبى مستشفعا بك الى ربى ثم أنشأ يقول : يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال ثم انصرفت فغلبتنى عيناى فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال يا عتبى الحق الأعرابى فبشره بأن الله قد غفر له * قال السمهودى قلت وليقدم على ذلك ما تضمنه خبر ابن أبى فديك رحمه الله تعالى عن بعض من أدركه قال بلغنا أن من وقف عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فقال إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما صلى الله وسلم عليك يا محمد يقولها سبعين مره ناداه ملك صلى الله عليك يا فلان ولم تسقط لك اليوم حاجة قال بعضهم والأولى أن يقول صلى الله عليك يا رسول الله اذ من خصائصه أن لا ينادى باسمه تعالى والذى يظهر أن ذلك فى النداء الذى لا يقترن به الصلاة والسلام ثم يجدد التوبة عقب ذلك ويكثر من الإستغفار والتضرع الى الله تعالى والإستشفاع بنبيه صلى الله عليه وسلم فى جعلها توبة نصوحا * ثم يقول يا رسول الله ان الله تعالى قال فيما أنزل عليك ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية وقد ظلمت نفسى ظلما كثيرا وأتيت بجهلى وغفلتى أمرا كبيرا وقد وفدت عليك زائرا وبك مستجيرا * وجئتك مستغفرا من ذنبى * سائلا منك أن تشفع لى الى ربى * وأنت شفيع المذنين * المقبول الوجيه رب العالمين * وهنا أنا معترف بخطئى مقر بذنبى متوسل بك الى الله مستشفع بك اليه وأسأل الله البر الرحيم بك أن يغفر لى ويميتنى على سنتك ومحبتك ويحشرنى فى زمرتك ويوردنى وأحبائى حوضك غير خزايا ولا نادمين فاشفع لى يا حبيب رب العالمين وشفيع المذنبين فها أنا فى حضرتك بجوارك وبزيل بابك وعلقت بكرم ربى الرجاء لعله يرحم عبده وان أساء ويعفو عما جنى ويعصمه ليقى فى الدنيا ببركتك وشفاعتك يا خاتم النبيين وشفيع المذنبين أنت الشفيع وآمالى معلقة * وقد رجوتك ياذا الفضل تشفع لى هذا نزيلك اضحى لا ملاذ له * الا جنابك يا سؤلى ويا أملى ضعيف ضعيف غريب قد أناخ بكم * ومستجير بكم يا سادة العرب يا مكرمى الضيف يا عون الزمان ويا * غوث الفقير ومرمى القصد والطلب هذا مقام الذى ضاقت مذاهبه * وأنتمُ فى الرجا من أعظم السبب وعن الأصمعى وقف أعرابى مقابل القبر الشريف فقال هذا حبيبك وأنا َعبدك والشيطان عدوك فإن غفرت لى سر حبيبك وفاز عبدك وغضب عدوك وان لم تغفر لى غضب حبيبك ورضى عدوك وهلك عبدك وأنت أكرم من أن تغضب حبيبك وترضى عدوك وتهلك عبدك * اللهم ان العرب الكرام اذا مات فيهم سيد اعتقوا على قبره وان هذا سيد العالمين فاعتقنى على قبره * قال الأصمعى فقلت يا أخا العرب ان الله قد غفر لك واعتقك بحسن هذا السؤال * ويجلس الزائر ان شق عليه طول القيام فيكثر من الصلاة والتسليم ويتلو ما تيسر ويقصد الآى والسور الجامعة لصفات الإيمان ومعانى التوحيد * وفى شرح المهذب عن آداب زيارة القبور لأبى موسى الأصفهانى أن الزائر بالخيار ان شاء زار قاعدا كما يزور أخاه فى الحياة فربما جلس وربما زار قائما وماراً انتهى ويدعو بمهماته ولوالديه واخوانه والمسلمين * وقال النووى ثم يتقدم أى بعد الدعاء والتوسل قبالة الوجه الشريف الى رأس القبر فيقف بين القبر والاسطوانه التى هناك ويستقبل القبلة ويحمد الله ويمجده ويدعو لنفسه بما أهمه وما أحبه ولوالديه ولمن شاء من أقاربه وأشياخه واخوانه وسائر المسلمين * وفى كتب الحنفية وغيرهم نحو ذلك * وفى كتب بعض المالكية سرد الدعاء مع سلام الزيارة أولا من غير ذكر عود وهو موافق لقول العز بن جماعة ان ما ذكره من العود الى قبالة الوجه الشريف ومن التقدم الى رأس القبر المقدس للدعاء عقب الزيارة لم ينقل عن فعل الصحابة والتابعين * قال الإمام السمهودى قلت غرض من رتب ذلك هكذا تأخير الدعاء عند الوجه الشريف عن السلام على الشيخين رضى الله عنهما والجمع بين موقفى السلف قبل ادخال الحجرة وبعده مع الدعاء مستقبل القبلة فى الثانى وهو حسن (ومنها) أن يأتى القبر الشريف ويقف عنده ويدعو الله تعالى ويحمده على ما يسر له ويسأله من الخير اجمع ويستعيذ به من الشر اجمع فعن يزيد ابن عبد الله بن قسيط رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خلا المسجد يأخذون برمانة المنبر الصلعاء التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسكها بيده ثم يستقبلون القبلة ويصلون ويدعون * ويصلى ويدعوا عند اسطوانة المهاجرين وغيرها من الأساطين ذات الفضل ويكثر من الصلاة والدعاء بالروضة الشريفة (ومنها) أن يجتنب لمس جدار القبر وتقبيله والطواف به * قال النووى لا يجوز أن يطاف به ويكره إلصاق البطن والظهر به قال الحليمى وغيره قال ويكره مسحه باليد وتقبيله بل الآدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر فى حياته هذا هو الصواب وهو الذى قاله العلماء وأطبقوا عليه ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ فى البركة فهو من جهالته وغفلته لأن البركة إنما هى فيما وافق الشرع وأقوال العلماء انتهى * وفى الأحياء مس المشاهد وتقبيلها عادة النصارى واليهود * وعن الزعفرانى أن ذلك من البدع التى تنكر شرعا * وعن أنس بن مالك أنه رأى رجلا وضع يده على قبر النبى صلى الله عليه وسلم فنهاه وقال ما كنا نعرف هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال السروجى من الحنفية لا يلصق بطنه بالجدار ولا يمسه بيده * وفى كتاب أحمد ابن سعيد الهندى كما فى الشفا فيمن وقف بالقبر لا يلصق به ولا يحسه ولا يقف عنده طويلا * وفى المغنى للحنابلة ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبى صلى الله عليه وسلم ولا يقبله * وقال أبو بكر الأثرم قلت لأبى عبد الله يعنى ابن حنبل قبر النبى صلى الله عليه وسلم يلمس ويتمسح به قال ما أعرف هذا قلت له فالمنبر أى قبل احتراقه قال أما المنبر فنعم قد جاء فيه شئ يروونه عن ابن أبى فديك عن ابن أبى ذئب عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه مسح المنبر ويروونه عن سعيد بن المثيب * ويروى عن يحيى بن سعيد شيخ الإمام مالك أنه حيث أراد الخروج الى العراق جاء الى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسن ذلك قلت لأبى عبد الله أنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر وقلت له رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية ويسلمون فقال أبو عبد الله ونعم وهكذا كان يفعل ذلك نقله ابن عبد الهادى عن تأليف شيخه ابن تيمية * ولابن عساكر فى تحفته عن ابن عمر أنه كان يكره أن يكثر مس قبر النبى صلى الله عليه وسلم وفيه تقييد لما سبق * وفى كتاب العلل والسؤالات لعبد الله بن أحمد ابن حنبل سألت أبى عن الرجل يمس قبر النى صلى الله عليه وسلم يتبرك بمسه وتقبيله ويفعل بالقبر مثل ذلك رجاء ثواب الله تعالى فقال لا بأس به قال العز ابن جماعة وهذا يبطل ما نقل عن النووى من الإجماع * وقال السبكى عدم التمسح بالقبر ليس مما قام الإجماع عليه واستدل فى ذلك بما رواه يحيي بن الحسن عن عمر بن خالد عن أبى نباتة عن كثير بن يزيد عن المطلب ابن عبد الله بن حنطب قال اقبل مروان بن الحكم فاذا رجل ملتزم القبر فأخذ مروان برقبته ثم قال هل تدرى ما تصنع فأقبل عليه فقال نعم انى لم آت الحجر ولم آت اللِّبن وإنما جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث الآتى من رواية أحمد لكن يصرح فيه برفعه فى نسخة يحيي التى وقعت للسبكى وصرح برفعه فى غيرها ثم قال المطلب وذلك الرحل أبو أيوب الأنصاري قال السبكى وعمر بن خالد لم أعرفه وأبو نباته ومن فوقه ثقات فان صح هذا الإسناد لم يكره مس جدار القبر * قال الإمام السمهودى قلت رواه أحمد بسند حسن ولفظه أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعاً وجهه على القبر فأخذ مروان برقبته ثم قال هل تدرى ما تصنع فأقبل عليه فقال نعم انى لم آت الحجر إنما جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آت الحجر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تبكوا على الدين اذا وليه أهله ولكن ابكوا على الدين اذا وليه غير أهله وسبق فى الفصل الأول قصة زيارة بلال رضى الله عنه وأنه أتى القبر فجعل يبكى ويمرغ وجهه عليه * وذكر الخطيب ابن جملة أن بلال رضى الله عنه وضع خديه على القبر الشريف وأن ابن عمر رضى الله عنهما كان يضع يده اليمين عليه ثم قال ولا شك أن الإستغراق فى المحبة يحمل على الإذن فى ذلك والقصد بع التعظيم والناس تختلف مراتبهم كما فى الحياة فمنهم من لا يملك نفسه بل يبادر اليه ومنهم من فيه اناة فيتأخر ونقل عن أبى الصيف والمحب الطبرى جواز تقبيل قبورالصالحين * وعن اسماعيل التيمى قال كان ابن المنكدر يصيبه الصمات فكان يقوم فيضع خده على قبر النبى صلى الله عليه وسلم فعوتب فى ذلك فقال انه يستشفى بقبر النبى صلى الله عليه وسلم (ومنها) اجتناب الإنحناء للقبر عند التسليم فهو من البدع ويظن من لا علم له أنه شعار من شعار التعظيم وأقبح منه تقبيل الأرض للقبر * قال العز بن جماعة وليس عجبى ممن جهله فارتكبه بل ممن أفتى بتحسينه مع علمه بقبحه واستشهد له بالشعر * قال السمهودى قلت شاهدت بعض القضاة فعله وزاد السجود بجبهته بحضرة العوام فتبعوه ولا حول ولا قوة الا بالله (ومنها) أن لا يستدبر القبر المقدس فى الصلاة ولا فى غيرها ولا يصلى اليه * قال ابن عبد السلام واذا أردت صلاة فلا تجعل حجرته صلى الله عليه وسلم وراء ظهرك ولا بين يديك قال والأدب معه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته مثله فى حياته فما كنت صانعه فى حياته فاصنعه بعد وفاته من احترامه والاطراق بين يديه وترك الخوض فيما لا ينبغى أن تخوض فيه فى مجلسه فإن أبيت فانصرافك خير من بقائك * وقال الأذرعى يجب الجزم بتحريم الصلاة الى قبور الأنبياء والأولياء تبركا وإعظاماً * وفى التمة أن الصلاة الى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام قال الأذرعى وينبغي أن لا يختص هذا بقبره الكريم بل هو كما ذكرنا وعجب قول النووى فى التحقيق تحرم الصلاة متوجهاً الى رأس قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكره الى غيره ويجتنب ما يفعله الجهلة من التقرب بأكل التمر اليحانى بالمسجد وإلقاء النوى فيه (ومنها) أن لا يمر بالقبر الشريف ولو من خارج المسجد حتى يقف ويسلم * حدث أبو حازم أن رجلا أتاه فحدثه أنه رأى النبى صلى الله عليه وسلم يقول لأبى حازم أنت المارّ بى معرضاً لا تقف تسلم علىّ فلم يدع ذلك أبو حازم منذ بلغته الرؤيا * وفى جامع البيان لابن رشد وسئل يعنى مالكا عن المارّ بقبر النبى صلى الله عليه وسلم أترى أ، يسلم كلما مر قال نعم أرى ذلك عليه كلما مر به وقد أكثر الناس من ذلك فأما اذا لم يمر به فلا أرى ذلك وذكر حديث اللهم لا تجعل قبرى وثنا فإذا لم يمر عليه فهو فى سعة من ذلك * وسئل عن الغريب يأتى قبر النبى صلى الله عليه وسلم كل يوم فقال ما هذا من الأمر ولكن اذا أراد الخروج قال ابن رشد معناه أنه يلزمه أن يسلم متى ما مر وليس عليه أن يمر ليسلم إلا للوداع عند الخروج ويكره أن يكثر المرور به والسلام عليه والإتيان كل يوم * وقال مالك فى المبسوط وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وانما ذلك للغرباء * وقال فيه لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبى صلى الله عليه وسلم فيصلى عليه ويدعو له ولأبى بكر وعمر رضى الله عنهما فقيل له فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه ويفعلون ذلك فى اليوم مرة أو أكثر أو فى الجمعة أو الأيام فقال لم يبلغنى هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع لا يصلح آخر هذه الأمة الا ما أصلح أولها ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعبون ذلك ويكره الا لمن جاء من سفر أو اراده قال الباجى ففرق بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم * قال السبكى والملخص من مذهب مالك أن الزيارة قربة ولكنه على عادته فى سد الذرائع يكره منها الإكثار الذى قد يفضى الى محذور والمذاهب الثلاثة يقولون باستحباب الإكثار من الخير وفى زيارة القبور من أذكار النووى يستحب الإكثار من الزيارة وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل وقال عبد الله ابن محمد بن عقيل رحمه الله تعالى كنت أخرج كل ليلة من آخر الليل حتى آتى المسجد فأبدأ بالنبى صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه * ولابن زبالة عن عبد العزيز بن محمد رأيت رجلا من أهل المدينة يقال له محمد بن كيسان يأتى اذا صلى العصر من يوم الجمعة ونحن جلوس مع ربيعة فيقوم عند القبر فيسلم ويدعو حتى يمسى فيقول جلساء ربيعة انظروا الى ما يصنع هذا فيقول دعوه فإنما للمرء ما نوى * (ومنها) الإكثار من الصلاة والسلام واغتنام ما أمكن من الصيام والحرص على الصلوات الخمس بالمسجد النبوى فى الجماعة والإكثار من النافلة فيه مع تحرى المسجد الأول والأماكن الفاضلة منه إلا أن يكون الصف الأول خارجه وليغتنم ملازمة المسجد إلا لمصلحة راجحة وكلما دخله جدد نية إعتكاف وليحرص الى المبيت فيه ولو ليلة يحييها على ختم القرآن العظيم به * وأخرج سعيد بن منصور ‘ن أبى مخلد قال كانوا يحبون لمن أتى المساجد التلاوة أن يختم فيها القرآن قبل أن يخرج قال المجد ويديم النظر الى الحجرة الشريفة فإنه عبادة قياسا على الكعبة فإذا كان خارج المسجد أدام النظر الى قبتها مع المهابة والحضور (ومنها) أنه يستحب الخروج كل يوم الى البقيع بعد السلام على النبى صلى الله عليه وسلم خصوصا يوم الجمعة قاله النووى فيقول اذا انتهى اليه السلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا ان شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد اللهم لا تحمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ثم يزور ما سيأتى من القبور الظاهرة به ولم يتعرض المروى لمن يبدأ به * وقال البرهان بن فرحون الأولى بالتقديم سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه لأنه أفضل من هناك واختار بعضهم البدأَة بإبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم * وقال العلامة فضل الله بن الغورى من الحنفية اذا أراد زيارة البقيع يخرج من باب البلد ويأتى قبة العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه ثم ذكر اتيان البقية ثم قال ثم يختم بصفية بنت عبد المطلب وملحظه فى ذلك أن مشهد العباس رضى الله عنه أول ما يلقى الخارج من باب البلد على يمينه فمجاوزته من غير سلام جفوة فإذا سلم عليه يسلم على من يمر به أولا فيختم بصفية رضى الله عنها فى رجوعه وقد صرح النووى بأنه يختم بها ثم اذا دخل من باب البقيع فليقصد مشهد سيدى اسماعيل فإنه صار داخل السور ويذهب الى مشهد سيدى مالك بن سنان والنفس الزكية وليسا بالبقيع وليأت قبور الشهداء بأحد * قال الهمام من الحنفية ويزور جبل أحد نفسه ففى الصحيح أحد جبل يحبنا ونحبه ويبكر بعد صلاة الصبح بالمسجد النبوى حتى يعود ويدرك الظهر به ويبدأ بسيد الشهداء حمزة رضى الله عنه وأفضلها يوم الخميس وكأنه لضيق الجمعة عن ذلك وقد قال محمد بن واسع بلغنى أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبله ويما بعده * ويستحب اتيان مسجد قباء وهو فى يوم السبت أولى فليتوضأ ويذهب * اليه ويستحب اتيان بقية المساجد والآثار المنسوبة للنبى صلى الله عليه وسلم مما عملت عينه أو جهته وكذا الآبار التى شرب أو تطهر منها والتبرك بذلك * وفى مناسك الشيخ خليل المالكى بعد ذكر استحباب زيارة البقيع ومسجد قباء ونحوهما وهذا فيمن كثرت اقامته والا فالمقام عنده صلى الله عليه وسلم لاغتنام مشاهدته أحسن * قال ابن أبى جمرة لما دخلت مسجد المدينة ما جلست الا الجلوس فى الصلاة وما زلت واقفا هناك حتى رحل الركب وخطر لى الخروج الى البقيع فقلت الى أين أذهب هذا باب الله مفتوح للسائلين والمتضرعين وليس ثم من يقصد مثله * قال السمهودى قلت هذا فيمن منح دوام الحضور وعدم الملل والا فالتنقل فى تلك البقاع أولى وأدعى للنشاط (ومنها) أن يلاحظ بقلبه مدة بالمدينة جلالتها وتردده صلى الله عليه وسلم فيها ومشيه فى بقاعها ومحبته لها وتردد جبريل عليه السلام بالوحى فيها ولا يركب بها دابة مهما قدر على المشى كما فعل مالك رحمه الله تعالى وقال استحييى من الله تعالى أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة * وروى أخشى أن يقع حافر الدابة فى محل مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه * ويزم نفسه مدة اقامته بزمام الخشية والتعظيم ويخفض جناحه ويغض صوته قال الله تعالى يغضون أصواتهم الآية ولما نزلت قال أبو بكر رضى الله عنه آليت أن لا أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الا كأخى السرار وحرمته صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا (ومنها) محبة سكان المدينة سيما العلماء والصلحاء والأشراف والخدام قال المجد وهلم جرا الى عوامها وخواصها على حسب مراتبهم الى من لا يبقى له مزية سوى كونه جارا فأعظم بها مزية لأنه صلى الله عليه وسلم أوصى بالجار ولم يخص جارا دون جار قال وكل ما احتج به محتج من رمى عوامهم بالابتداع وترك الإتباع فإنه اذا ثبت فى شخص لا يترك اكرمه فإنه لا يخرج عن حكم الجار وان جار ولا يزول عنه شرف مساكنته فى الدار كيف دار بل يرجى أن يختم له بالحسنى ويمنح ببركة القرب الصورى قرب المعنى فيا ساكنا أكتاف طيبة كلكم * الى القلب من أجل الحبيب حبيب قالوا ويستحب أن يتصدق فيها بما أمكنه قال فى شرح المهذب ويخص أقاربه صلى الله عليه وسلم بمزيد لحديث مسلم أذكركم الله فى أهل بيتى (ومنها) استحباب المجاورة بها لمن قدر عليها مع رعاية الأدب وانشراح الصدر ودوام السرور والفرح بمجاورة هذا النبى الكريم والإكثار من التضرع والدعاء بالتوفيق لشكر هذه النعمة وقرنها بحسن الأدب اللائق بها وجبر التقصير فى القيام بحقها والإعتراف بذلك مع الحرص على فعل أنواع الخيرات بحسب الإمكان ولا يضيق على من بها بسكنى الأربطة وأخذ الصدقة ألا يحتاج فيقتصر على قدر الحاجة من غير تعرض لذلك ولا اشراف نفس ولا ينتحل ما صورته عبادة وفائدته دنيا كإمامة وأذان وتدريس وقراءة أوخدمة فى الحرم إلا أن يخلص النية أو تدعوه الحاجة اليه قاله الأقشهرى (ومنها) اذا اختار الرجوع فليودع المسجد الشريف بركعتين بالمصلى النبوى أو ما قرب منه ثم يقول بعد الحمد والصلاة والسلام اللهم انى أسألك فى سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما تحب وترضى الى غير ذلك مما يستحب للمسافر ويدعو بما أحب ثم يقول اللهم لا تجعله آخر العهد بهذا المحل الشريف ويختم بالحمد والصلاة والسلام ويأتى القبر الشريف ويسلم ويدعو بما تقدم أولا ويقول نسألك يا رسول الله أن تسأل الله تعالى أن لا يقطع آثارنا من زيارتك وأن يعيدنا سالمين وأن يبارك فيما وهب لنا ويرزقنا الشكر على ذلك اللهم لا تجعله آخر العهد بحرم رسولك صلى الله عليه وسلم وحضرته الشريفة ويسر لى العود الى الحرمين سبيلا سهلة وارزقنى العفو والعافية فى الدنيا والآخرة * وصرح الكرمانى بتقديم وداع النبى صلى الله عليه وسلم على توديع المسجد بركعتين والأول هو المشهور والأصل فى ذلك حديث كان ينزل منزلا الا ودعه بركعتين * ثم ينصرف الزائر عقب ذلك تلقاء وجهه ولا يمشى الى خلفه ويكون متألما متحزنا على الفراق وما يفوته من البركات * وهناك يظهر من المحبين سوائق العبرات * ويتصعد من بواطنهم لواحق الرفرات * ويكون مع ذلك دائم الأشواق لذلك المزار * متعلق القلب بالعود لتلك الديار * ولله در القائل : احن الى زيارة حى ليلى * وعهدى من زيارتها قريب وكنت أظن قرب الدار يطفى * لهيب الشوق فازداد اللهيب ولا يستصحب شيئا من تراب الحرم ولا من الأكر المعمولة منه ونحو ذلك بل يستصحب هدية يدخل بها السرور على أهله واخوانه من غير أن يتكلفها سيما تمار المدينة الشريفة ومياه آبارها المباركة (ومنها) أن يتصدق بشئ مع خروجه وينوى حينئذ ملازمة التقوى والإستعداد للقاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فى يوم المعاد وليحذر كل الحذر من مقارفة الذنوب فإن النكسة أشد من المرض ويحافظ على الوفاء بما عاهد عليه الله تعالى ولا يكون خوانا أثيما * فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما . قال الشيخ عبد الله الميرغني شيخ السيد مرتضى الزبيدى : فإن قلت كيف حكم الدعاء بالمغفرة للنبى صلى الله عليه وسلم الذى كرهه العلماء فانى استشعرت مما مر عدم كراهة ذاك المظهر * قلت قد وضعت من منذ سنين رسالة عظيمة فى هذا البحث وسأسردها لك بلفظها فأقول : (بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله المنفرد بالكمال * الذى ما سواه باطل وخيال * وأشهد أن لا اله الا الله شهادة متيقن بأن كل ما سواه ملازم لوزره * اذ قال تعالى وما قدروا الله حق قدره * وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله شهادة معترف بأن كل أحد مقصر فى إجابته لمن يقال له لبيك * اذ قال صلى الله عليه وسلم سبحانك لا أحصى ثناء عليك * والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنام * وآله وصحبه الغر الكرام * وبعد فقد كان يتردد فى الخاطر الخلى * أن أضع رسالة فى نوعى الذنب الخفى والجلى * لينكشف بها النقاب * عن مسائل جرى فيها الأطناب * وسرى فيها الإضطراب * ولم يك ذلك * الا حينما اراد الله ما هنا لك * وسميتها (ذات الجنب فى معنى الذنب) فأقول مستعينا به ومستمدا من فيض حبيبه صلى الله عليه وسلم * اعلم أن الذنب والخطيئة والإثم والعصيان والإساءة والوزر والأصر ألفاظ مترادفة ومرجعها الى ثلاثة أنواع لغوى وعرفى وشرعى * فمعنى الذنب لغة فعل ما لا يليق بحسب الفاعل والمفعول معه كما لا يخفى على من تدبر اللغة ولذا قال البيضاوى فى سورة القتال أن الذنب ما له تبعة ما كترك الأولى * وأما العرفى فمخالفة الفاعل له بحسبها أيضا * وأما الشرعى المصطلح عليه عند العلماء فهو عبارة عن الصغائر والكبائر * واذا عرفت ذلك علمت أنه يطلق على غيرهما لغة وعرفا بل واصطلاحا للإجماع على قبول القاعدة التى قالها أبو سعيد الخراز رضى الله عنه وهى حسنات الأبرار سيآت المقربين فجوزوا اطلاق السيئة المرادفة للذنب واخوته على ضدها وهى الحسنة وخرجوا على ذلك كثيرا من المسائل لا سيما من كلام العارفين كقول رابعة العدوية رضى الله عنها استغفارنا يحتاج الى استغفار كثير وهو ظاهر اذا نزلت نفسها منزلة العوام لكونها مع الغفلة كما أوله به كثير من العلماء وأما ان نزلت نفسها منزلة العارفين شكرا للنعمة فهو أيضا كذلك لأنه باالنسبة الى مقام الشهود الذى هو أقصى مرادهم ذنب وأى ذنب كما أولته بذلك * ولذا قال بعضهم الإستغفار من الذنب ذنب آخر * قال سهل التوبة فرض على العبد فى كل نفس * وقال العارف ابن الفارض رحمه الله ولو خطرت لى فى سواك ارادة * على خاطرى سهوا قضيت بردتى وما ذاك الا ان كل ما سوى مقام شهود المحبوب * فهو من أعظم الذنوب * وعن هذا قلت فى كتابى جواذب القلوب * واعلم أن الإستغفار على ثلاثة أنواع * استغفار من الذنوب وهو للعوام * واستغفار عن الطاعات ورؤيتها وهو للخواص * واستغفار عن شهود كل ما سوى الله تعالى وهو لأخص الخواص * واذا فهمت هذا علمت أن العلماء محقون فى اجتهادهم فى المسئلتين الآتيتين اذ هو بحسب اصطلاحهم ولا مانع من غيره * أما المسئلة الأولى فما وقع من اضطرابهم وتكلفهم فى الواجب عما صدر فى الكتاب العزيز والسنة الشريفة فى شأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من قوله سبحانه وعصى آدم ربه فغوى . واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات . وقوله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر . وقوله ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك وقوله حاكيا عن ابراهيم عليه السلام والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين . وقوله عن موسى تبت اليك . وقوله ولقد فتنا سليمان . وقوله عن يونس لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين وغير ذلك من القرآن * وقوله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت الحديث * وقوله أنه ليُغان على قلبى فاستغفر الله الحديث * ونحوه من السنة ولو أعادوا الأمر الى مهدناه سابقا لما استشكلوا ذلك واستصعبوه * وأما الثانية فقد منعوا الدعاء بالمغفرة للأنبياء صلوات الله عليهم بناء على ما اصطلحوا عليه من قصر الذنوب على الصغائر والكبائر فأما ان كانت غير قاصرة على ذلك فأى مانع مما هنالك كيف وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة كما تقدم * والآثر كقول على رضى الله عنه فى تشهده اللهم اغفر لمحمد وتقبل شفاعته الخ * وكقول الحسن البصرى رحمة الله تعالى فى صلاته عليه صلى الله عليه وسلم ومغفرته ورضوانه * فاذا كان طلب المغفرة ثابتا فى قوله سبحانه وقول نبيه صلى الله عليه وسلم وقول بعض أصحابه وهو باب العلم وبعض التابعين وهو سيدهم فكان لذلك وجه وجيه وهو طلب غفران ما لايليق بمقامه الشريف * وان كان هو أجل من أكمل طاعة من كل ذى قدر منيف * فأى مانع من هذا والذى أقطع به وادين الله أنه لو تدبر هذا كل من قال بالمنع لما منع * ولرأى أن الأمر متسع الا لقاصر فى القصور * وجاحد فى القبور * والناس أحد رحلين * أما قاصر عن فهم قول العلماء * أو عارف به وبمقال الحكماء * فالأول المنع به أليق * والثانى عدمه به أجدر وأحق * وأما العوام فلا يعرفون ولا يميزون * فهم فيما جاء مأثورا مطلقون * وفى غيره محجوزون * ويكفى هذا لذوى الأنصاف * ويشقى لأولى الإعتراف * والحمد لله وكفى * وسلام على عباده الذين اصطفى * قال جامعه عبد الله بن ابراهيم بن حسن بن ميرغنى الحسينى الحنكى ملتمسا للدعاء * ومقتبسا لملأ الوعاء فى ساعة واحدة من يوم الأربعاء 14 ربيع سنة 1157 وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم .
القرآن الكريم
القرآن الكريم مقروءا
ترتيلات القرآن الكريم
تسجيلات نادرة القرآن الكريم
نور النبي
رسول الله في أعين محبيه
رد الشبهات عن رسول الله
آل بيت رسول الله
صحابة رسول الله
أضف لمعلوماتك الإسلامية
المنتدى الإسلامي
البحث في الملفات
 
البحث في المقالات
 
السيرة النبوية
مقروءة
مسموعة
نور النبي
المكتبة الإسلامية
الكتب والبحوث
التسجيلات الصوتية
التسجيلات المرئية
نور النبي
المرأة والطفل
نصائح ذهبية
إيمانك يا مؤمنة
علمي طفلك الإيمان
نور النبي
Facebook
صفحة موقع نور النبي

صفحة فضيلة الشيخ
أبوهاشم الشريف
نور النبي
انت الزائر رقم 6386993
أخبار الموقع عن الموقع اتصل بنا رد الشبهات عن رسول الله آل بيت رسول الله الرئيسية
Powered By Ray-IT - All Rights Reserved 2006