أخبار الموقع
مقالات حول الاحتفال بالمولد النبوى الشريف
((حول الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف )) بقلم السيد العلامة الدكتور محمد بن علوي بن عباس المالكي الحسني رحمه الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . أما بعــــد : فقد كثر الكلام عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وما كنت أود أن أكتب شيئاً في هذا الموضوع وذلك لأن ما شغل ذهني وذهن العقلاء من المسلمين اليوم هو أكبر من هذه القضية الجانبية التي صار الكلام عنها أشبه ما يكون بالحولية التي تُقرأ في كل موسم وتُنشر في كل عام حتى ملّ الناس سماع مثل هذا الكلام، لكن لما أحب كثير من الإخوان أن يعرفوا رأيي بالخصوص في هذا المجال، وخوفاً من أن يكون ذلك من كتم العلم أقدمت على المشاركة في الكتابة عن هذا الموضوع سائلين من المولى عز وجل أن يلهم الجميع الصواب آمين . وقبل أن أسرد الأدلة على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاجتماع عليه أحب أن أبين المسائل الآتية: الأولى: أننا نقول بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاجتماع لسماع سيرته والصلاة والسلام عليه وسماع المدائح التي تُقال في حقه، وإطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب الأمة . الثانية: أننا لا نقول بسنية الاحتفال بالمولد المذكور في ليلة مخصوصة بل من اعتقد ذلك فقد ابتدع في الدين، لأن ذكره صلى الله عليه وسلّم والتعلق به يجب أن يكون في كل حين، ويجب أن تمتلئ به النفوس .نعم: إن في شهر ولادته يكون الداعي أقوي لإقبال الناس واجتماعهم وشعورهم الفياض بارتباط الزمان بعضه ببعض، فيتذكرون بالحاضر الماضي وينتقلون من الشاهد إلى الغائب . الثالثة : أن هذه الاجتماعات هي وسيلة كبرى للدعوة إلى الله، وهي فرصة ذهبية لا تفوت، بل يجب على الدعاة والعلماء أن يذّكروا الأمة بالنبي صلى الله عليه وسلّم بأخلاقه وآدابه وأحواله وسيرته ومعاملته وعبادته، وأن ينصحوهم ويرشدوهم إلى الخير والفلاح ويحذّروهم من البلاء والبدع والشر والفتن، وإننا دائما ندعو إلى ذلك ونشارك في ذلك ونقول للناس: ليس المقصود من هذه الاجتماعات مجرد الاجتماعات والمظاهر، بل هذه وسيلة شريفة إلى غاية شريفة وهي كذا وكذا، ومن لم يستفد شيئا لدينه فهو محروم من خيرات المولد الشريف . أدلة جواز الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلّم الأول: أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلّم، وقد انتفع به الكافر . وسيأتي في الدليل التاسع مزيد بيان لهذه المسألة، لأن أصل البرهان واحد وإن اختلفت كيفية الاستدلال وقد جرينا على هذا المنهج في هذا البحث وعليه فلا تكرار فقد جاء في البخاري أنه يخفف عن أبي لهب كل يوم الاثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشّرته بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلّم . ويقول في ذلك الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي : إذا كان هذا كافـراً جاء ذمـه بتبّت يداه في الجحيم مخلّدا أتى أنه في يوم الاثنين دائـمـا يُخفّف عنه للسرور بأحمدا فما الظن بالعبد الذي كان عمره بأحمد مسرورا ومات موحّدا وهذه القصة رواها البخاري في الصحيح في كتاب النكاح مرسلة ونقلها الحافظ ابن حجر في الفتح ورواها الإمام عبدالرزاق الصنعاني في المصنف والحافظ البيهقي في الدلائل وابن كثير في السيرة النبوية من البداية ومحمد ابن عمر بحرق في حدائق الأنوار والحافظ البغوي في شرح السنة وابن هشام والسهيلي في الروض الأُنُف والعامري في بهجة المحافل، وهي وإنْ كانت مرسلة إلا أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ لذلك ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام، وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقب والأحكام، وأما انتفاع الكفار بأعمالهم ففيه كلام بين العلماء ليس هذا محل بسطه، والأصل فيه ما جاء في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب بطلب من الرسول صلى الله عليه وسلّم . الثاني: أنه صلى الله عليه وسلّم كان يعظّم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه، وتفضّله عليه بالجود لهذا الوجود، إذ سعد به كل موجود، وكان يعبّر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم سُئل عن صيام يوم الاثنين ؟ فقال (فيه وُلدتُ وفيه أُنزل عليَّ ) رواه الإمام مسلم في الصحيح في كتاب الصيام . وهذا في معنى الاحتفال به، إلاّ أن الصورة مختلفة ولكن المعنى موجود سواء كان ذلك بصيام أو إطعام طعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم أو سماع شمائله الشريفة . الثالث: أن الفرح به صلّى الله عليه وسلّم مطلوب بأمر القرآن من قوله تعالى ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة، والنبي صلّى الله عليه وسلّم أعظم الرحمة، قال الله تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) . الرابع: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت، فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكّرها وتعظيم يومها لأجلها ولأنه ظرف لها . وقد أصّل صلّى الله عليه وسلّم هذه القاعدة بنفسه كما صرح في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلّم: لما وصل المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك فقيل له: إنهم يصومون لأن الله نجّى نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومونه شكرا لله على هذه النعمة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: نحن أولى بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه . الخامس: أن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى: ( إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما ) . وما كان يبعث على المطلوب شرعاً فهو مطلوب شرعاً، فكم للصلاة عليه من فوائد نبوية، وإمدادات محمدية، يسجد القلم في محراب البيان عاجزاً عن تعداد آثارها ومظاهر أنوارها . السادس: أن المولد الشريف يشتمل على ذكر مولده الشريف ومعجزاته وسيرته والتعريف به، أولسنا مأمورين بمعرفته ومطالبين بالاقتداء به والتأسّي بأعماله والإيمان بمعجزاته والتصديق بآياته ؟ وكتب المولد تؤدي هذا المعنى تماما . السابع: التعرّض لمكافأته بأداء بعض ما يجب له علينا ببيان أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة، وقد كان الشعراء يفدون إليه صلى الله عليه وسلّم بالقصائد ويرضى عملهم، ويجزيهم على ذلك بالطيبات والصلات، فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله الشريفة، ففي ذلك التقرب له عليه السلام باستجلاب محبته ورضاه . الثامن: أن معرفة شمائله ومعجزاته وإرهاصاته تستدعي كمال الإيمان به عليه الصلاة والسلام، وزيادة المحبة، إذ الإنسان مطبوع على حب الجميل، ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل من أخلاقه وشمائله صلى الله عليه وسلّم، وزيادة المحبة وكمال الإيمان مطلوبان شرعاً، فما كان يستدعيهما فهو مطلوب كذلك . التاسع: أن تعظيمه صلى الله عليه وسلّم مشروع، والفرح بيوم ميلاده الشريف بإظهار السرور وصنع الولائم والاجتماع للذكر وإكرام الفقراء من أظهر مظاهر التعظيم والابتهاج والفرح والشكر لله بما هدانا لدينه القويم وما منّ به علينا من بعثه عليه أفضل الصلاة والتسليم . العاشر: يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلّم في فضل يوم الجمعة وعدِّ مزاياه: ( وفيه خُلق آدم ) تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبيٍّ كان من الأنبياء عليهم السلام، فكيف باليوم الذي وُلد فيه أفضل النبيين وأشرف المرسلين . ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه بل يكون له خصوصاً، ولنوعه عموماً مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة شُكراً للنعمة وإظهاراً لمزية النبوة وإحياءً للحوادث التاريخية الخطيرة ذات الإصلاح المهم في تاريخ الإنسانية وجبهة الدهر وصحيفة الخلود، كما يؤخذ تعظيم المكان الذي وُلد فيه نبيٌّ من أمر جبريل عليه السلام النبيَّ صلى الله عليه وسلّم بصلاة ركعتين ببيت لحم، ثم قال له: ( أتدري أين صلّيت ؟ قال: لا، قال: صلّيتَ ببيت لحم حيث وُلد عيسى ) كما جاء ذلك في حديث شداد بن أوس الذي رواه البزّار وأبو يعلى والطبراني . قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله رجال الصحيح، وقد نقل هذه الرواية الحافظ ابن حجر في الفتح وسكت عنها . الحادي عشر: أن المولد أمرٌ استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد، وجرى به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعاً للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه الموقوف ( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح ) أخرجه أحمد . الثاني عشر: أن المولد اشتمل على اجتماع وذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجناب النبوي فهو سنة، وهذه أمور مطلوبة شرعاً وممدوحة وجاءت الآثار الصحيحة بها وبالحثّ عليها . الثالث عشر: أن الله تعالى قال: ( وكلاًّ نقصُّ عليك من أنباء الرسل ما نثبّت به فؤادك ) فهذا يظهر منه أن الحكمة في قصّ أنباء الرسل عليهم السلام تثبيت فؤاده الشريف بذلك ولا شك أننا اليوم نحتاج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره أشد من احتياجه هو صلى الله عليه وسلّم . الرابع عشر: ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة منكرة سيئة يحرم فعلها ويجب الإنكار عليها بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب، أو على محرّم فهو محرّم، أو على مكروه فهو مكروه، أو على مباح فهو مباح، أو على مندوب فهو مندوب، وللوسائل حكم المقاصد، ثم قسّم العلماء البدعة إلى خمسة أقسام: واجبة : كالرد على أهل الزيغ وتعلّم النحو . ومندوبة : كإحداث الربط والمدارس، والأذان على المنائر وصنع إحسان لم يعهد في الصدر الأول . ومكروه : كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف . ومباحة : كاستعمال المنخل، والتوسع في المأكل والمشرب . ومحرمة : وهي ما أحدث لمخالفة السنة ولم تشمله أدلة الشرع العامة ولم يحتو على مصلحة شرعية . الخامس عشر: فليست كل بدعة محرّمة، ولو كان كذلك لحرُم جمع أبي بكر وعمر وزيد رضي الله عنهم القرآن وكتبه في المصاحف خوفاً على ضياعه بموت الصحابة القراء رضي الله عنهم، ولحرم جمع عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله ( نعمت البدعة هذه ) وحرم التصنيف في جميع العلوم النافعة ولوجب علينا حرب الكفار بالسهام والأقواس مع حربهم لنا بالرصاص والمدافع والدبابات والطيارات والغواصات والأساطيل، وحرم الأذان على المنائر واتخاذ الربط والمدارس والمستشفيات والإسعاف ودار اليتامى والسجون، فمن ثَم قيّد العلماء رضي الله عنهم حديث (كل بدعة ضلالة ) بالبدعة السيئة، ويصرّح بهذا القيد ما وقع من أكابر الصحابة والتابعين من المحدثات التي لم تكن في زمنه صلى الله عليه وسلّم، ونحن اليوم قد أحدثنا مسائل كثيرة لم يفعلها السلف وذلك كجمع الناس على إمام واحد في آخر الليل لأداء صلاة التهجد بعد صلاة التراويح، وكختم المصحف فيها وكقراءة دعاء ختم القرآن وكخطبة الإمام ليلة سبع وعشرين في صلاة التهجد وكنداء المنادي بقوله ( صلاة القيام أثابكم الله ) فكل هذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلّم ولا أحد من السلف فهل يكون فعلنا له بدعة ؟ السادس عشر: فالاحتفال بالمولد وإن لم يكن في عهده صلّى الله عليه وسلّم فهو بدعة، ولكنها حسنة لاندراجها تحت الأدلة الشرعية، والقواعد الكلية، فهي بدعة باعتبار هيئتها الاجتماعية لا باعتبار أفرادها لوجود أفرادها في العهد النبوي عُلم ذلك في الدليل الثاني عشر . السابع عشر: وكل ما لم يكن في الصدر الأول بهيئته الاجتماعية لكن أفراده موجودة يكون مطلوباً شرعاً، لأن ما تركّب من المشروع فهو مشروع كما لا يخفى . الثامن عشر: قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: ما أحدث وخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئاً من ذلك فهو المحمود .ا.هـ . وجرى الإمام العز بن عبد السلام والنووي كذلك وابن الأثير على تقسيم البدعة إلى ما أشرنا إليه سابقاً . التاسع عشر: فكل خير تشمله الأدلة الشرعية ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة ولم يشتمل على منكر فهو من الدين . وقول المتعصب إن هذا لم يفعله السلف ليس هو دليلاً له بل هو عدم دليل كما لا يخفى على مَن مارس علم الأصول، فقد سمى الشارع بدعة الهدى سنة ووعد فاعلها أجراً فقال عليه الصلاة والسلام: ( مَنْ سنّ في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كُتب له مثل أجر مَن عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ) . العشرون: أن الاحتفال بالمولد النبوي إحياء لذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلّم وذلك مشروع عندنا في الإسلام، فأنت ترى أن أكثر أعمال الحج إنما هي إحياء لذكريات مشهودة ومواقف محمودة فالسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح بمنى كلها حوادث ماضية سابقة، يحيي المسلمون ذكراها بتجديد صُوَرِها في الواقع والدليل على ذلك قوله تعالى: ( وأذِّن في الناس بالحج ) وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ( وأرنا مناسكنا ) . الحادي والعشرون: كل ما ذكرناه سابقا من الوجوه في مشروعية المولد إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها، أما إذا اشتمل المولد على شئ مما يجب الإنكار عليه كاختلاط الرجال بالنساء وارتكاب المحرمات وكثرة الإسراف مما لا يرضى به صاحب المولد صلى الله عليه وسلّم فهذا لاشك في تحريمه ومنعه لما اشتمل عليه من المحرمات لكن تحريمه حينئذ يكون عارضاً لا ذاتياً كما لا يخفى على مَن تأمّل ذلك . رأي الشيخ ابن تيمية في المولد يقول: قد يُثاب بعض الناس على فعل المولد، وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلّم وتعظيما له، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع . ثم قال: واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضاً شر من بدعة وغيرها فيكون ذلك العمل شراً بالنسبة إلى الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين . وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة، فعليك هنا بأدبين : أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطناً وظاهراً في خاصتك وخاصة من يطيعك واعرف المعروف وأنكر المنكر . الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه فلا تَدْعُ إلى ترك المنكر بفعل ما هو أنكر منه أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة نوع من الخير فعوّض عنه من الخير المشروع بحسب المكان، إذ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشئ ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلا إلى مثله أو إلى خير منه . ثم قال : فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلّم كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد، ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء إنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك فقال: دعه فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب، أو كما قال، مع أن مذهبه : أن زخرفة المصاحف مكروهة، وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخط، وليس مقصود الإمام أحمد هذا وإنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة وفيه أيضاً مفسدة كُره لأجلها . مفهوم المولد في نظري إننا نرى أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ليست له كيفية مخصوصة لابد من الالتزام أو إلزام الناس بها، بل إن كل ما يدعو إلى الخير ويجمع الناس على الهدى و يرشدهم إلى ما فيه منفعتهم في دينهم ودنياهم يحصل به تحقيق المقصود من المولد النبوي . ولذلك فلو اجتمعنا على شئ من المدائح التي فيها ذكر الحبيب صلى الله عليه وسلّم وفضله وجهاده وخصائصه ولم نقرأ القصة التي تعارف الناس على قراءتها واصطلحوا عليها حتى ظن البعض أن المولد النبوي لا يتم إلا بها، ثم استمعنا إلى ما يلقيه المتحدثون من مواعظ وإرشادات وإلى ما يتلوه القارئ من آيات . أقول: لو فعلنا ذلك فإن ذلك داخل تحت المولد النبوي الشريف ويتحقق به معنى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وأظن أن هذا المعنى لا يختلف عليه اثنان ولا ينتطح فيه عنـزان . القيام في المولد أما القيام في المولد النبوي عند ذكر ولادته صلّى الله عليه وسلّم وخروجه إلى الدنيا، فإن بعض الناس يظن ظناً باطلاً لا أصل له عند أهل العلم فيما أعلم بل عند أجهل الناس ممن يحضر المولد ويقوم مع القائمين، وذاك الظن السيء هو أن الناس يقومون معتقدين أن النبي صلى الله عليه وسلّم يدخل إلى المجلس في تلك اللحظة بجسده الشريف، ويزيد سوء الظن ببعضهم فيرى أن البخور والطيب له وأن الماء الذي يوضع في وسط المجلس ليشرب منه . وكل هذه الظنون لا تخطر ببال عاقل من المسلمين، وإننا نبرأ إلى الله من كل ذلك لما في ذلك من الجراءة على مقام رسول الله صلى الله عليه وسلّم والحكم على جسده الشريف بما لايعتقده إلا ملحد مفتر وأمور البرزخ لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى . والنبي صلى الله عليه وسلّم أعلى من ذلك وأكمل وأجل من أن يُقال في حقه إنه يخرج من قبره ويحضر بجسده في مجلس كذا في ساعة كذا . أقول: هذا افتراء محض وفيه من الجراءة والوقاحة والقباحة ما لا يصدر إلا من مبغض حاقد أو جاهل معاند . نعم إننا نعتقد أنه صلى الله عليه وسلّم حيٌّ حياة برزخية كاملة لائقة بمقامه، وبمقتضى تلك الحياة الكاملة العليا تكون روحه صلى الله عليه وسلّم جوّالة سيّاحة في ملكوت الله سبحانه وتعالى ويمكن أن تحضر مجالس الخير ومشاهد النور والعلم، وكذلك أرواح خُلّص المؤمنين من أتباعه، وقد قال الإمام مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت . وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت . (كذا في الروح لابن القيم ) إذا علمت هذا فاعلم أن القيام في المولد النبوي ليس بواجب ولا سنة ولا يصح اعتقاد ذلك أبداً، وإنما هي حركة يعبّر بها الناس عن فرحهم وسرورهم فإذا ذكر أنه صلّى الله عليه وسلّم ولد وخرج إلى الدنيا يتصور السامع في تلك اللحظة أن الكون كله يهتز فرحاً وسروراً بهذه النعمة فيقوم مظهراً لذلك الفرح والسرور معبّراً عنه، فهي مسألة عادية محضة لادينية ، إنها ليست عبادة ولا شريعة ولا سنة وما هي إلا أنْ جرت عادة الناس بها استحسان العلماء لقيام المولد وبيان وجوهه واستحسن ذلك من استحسنه من أهل العلم، وقد أشار إلى ذلك البرزنجي مؤلف أحد الموالد بنفسه إذ قال بالنّص: ( وقد استحسن القيام عند ذكر مولده الشريف أئمةٌ ذوو رواية ورويّه، فطوبى لمن كان تعظيمه صلى الله عليه وسلّم غاية مرامه ومرماه )، ونعني بالاستحسان للشئ هنا كونه جائزاً من حيث ذاته وأصله ومحموداً مطلوباً من حيث بواعثه وعواقبه، لا بالمعنى المصطلح عليه في أصول الفقه، وأقل الطلاب علماً يعرف أن كلمة (استحسن) يجري استعمالها في الأمور العادية المتعارف عليها بين الناس فيقولون: استحسنت هذا الكتاب وهذا الأمر مستحسن واستحسن الناس هذه الطريقة، ومرادهم بذلك كله هو الاستحسان العادي اللغوي وإلا كانت أمور الناس أصولاً شرعية ولا يقول بهذا عاقل أو مَن عنده أدنى إلمام بالأصول . وجوه استحسان القيام الوجه الأول: أنه جرى عليه العمل في سائر الأقطار والأمصار واستحسنه العلماء شرقاً وغرباً، والقصد به تعظيم صاحب المولد الشريف صلى الله عليه وسلّم، وما استحسنه المسلمون فهو عند الله حسن، وما استقبحوه فهو عند الله قبيح كما تقدم في الحديث . الوجه الثاني: أن القيام لأهل الفضل مشروع ثابت بالأدلة الكثيرة من السنة، وقد ألف الإمام النووي في ذلك جزءاً مستقلاً وأيّده ابن حجر وردّ على ابن الحاج الذي ردّ عليه بجزء آخر سّماه رفع الملام عن القائل باستحسان القيام . الوجه الثالث: ورد في الحديث المتفق عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم للأنصار ( قوموا إلى سيدكم ) وهذا القيام كان تعظيماً لسيدنا سعد رضي الله عنه ولم يكن من أجل كونه مريضاً وإلا لقال قوموا إلى مريضكم ولم يقل إلى سيدكم ولم يأمر الجميع بالقيام بل كان قد أمر البعض . الوجه الرابع: كان من هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يقوم تعظيماً للداخل عليه وتأليفاً كما قام لابنته السيدة فاطمة وأقرّها على تعظيمها له بذلك، وأمر الأنصار بقيامهم لسيدهم فدلّ ذلك على مشروعية القيام، وهو صلى الله عليه وسلّم أحق من عظّم لذلك . الوجه الخامس: قد يقال إن ذلك في حياته وحضوره صلّى الله عليه وسلّم، وهو في حالة المولد غير حاضر، فالجواب عن ذلك أن قارئ المولد الشريف مستحضر له صلّى الله عليه وسلّم بتشخيص ذاته الشريفة، وهذا التصور شئ محمود ومطلوب بل لابد أن يتوفر في ذهن المسلم الصادق في كل حين ليكمل اتباعه له صلّى الله عليه وسلّم وتزيد محبته فيه صلّى الله عليه وسلّم ويكون هواه تبعاً لما جاء به . فالناس يقومون احتراماً وتقديراً لهذا التصور الواقع في نفوسهم عن شخصية ذلك الرسول العظيم مستشعرين جلال الموقف وعظمة المقام وهو أمر عادي – كما تقدم – ويكون استحضار الذاكر ذلك موجباً لزيادة تعظيمه صلّى الله عليه وسلّم . الكتب المصنفة في هذا الباب الكتب المصنفة في هذا الباب كثيرة جداً، منها المنظوم ومنها المنثور ومنها المختصر والمطول والوسط، ولا نريد في هذه العجالة الموجزة أن نستوعب ذكر ذلك كله لكثرته وسعته، وكذلك لا نستطيع أن نقتصر على ذكر شئ من ذلك على وجه الإجمال، لأنه ليس مصنف أولى من مصنف في تقديم ذكره، وإن كان لابد أن يكون بعضها أفضل وأجلّ من بعض، ولذلك فإني سأقتصر هنا على ذكر كبار علماء الأمة من الحفّاظ الأئمة الذين صنّفوا في هذا الباب وظهرت لهم موالد مشهورة معروفة فمنهم الحافظ محمد بن أبي بكر بن عبدالله القيسي الدمشقي الشافعي المعروف بالحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي المولود سنة (777 هـ) والمتوفَّى سنة (842 هـ) قال عنه الحافظ ابن فهد في لحظ الألحاظ ذيل تذكرة الحفاظ صفحة 319: هو إمام حافظ مفيد مؤرخ مجيد له الذهن الصافي السالم الصحيح والخط الجيد المليح على طريقة أهل الحديث، وقال: كتب الكثير وعلّق وحشّى وأثبت وطبق وبرز على أقرانه وتقدم وأفاد كل مَن إليه يمّم . وقد تولّى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وقال عنه الإمام السيوطي: صار محدّث البلاد الدمشقية، وقال الشيخ محمد زاهد في تعليقه على ذيل الطبقات: قال الحافظ جمال الدين بن عبدالهادي الحنبلي في الرياض اليانعة لما ترجم لابن ناصر الدين المذكور: كان معظِّماً للشيخ ابن تيمية محباً له مبالغاً في محبته .ا.هـ . قلت: وقد ذكر له ابن فهد مؤلفاً يُسمى ( الرد الوافر على مَن زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الاسلام كافر ) قلت: هذا الإمام قد صنف في المولد الشريف أجزاء عديدة، فمن ذلك ما ذكره صاحب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون صفحة 319 وجامع الآثار في مولد النبي المختار في ثلاث مجلدات واللفظ الرائق في مولد خير الخلائق وهو مختصر .ا.هـ. وقال ابن فهد وله أيضاً مورد الصادي في مولد الهادي . ومن أولئك الحافظ عبدالرحيم بن الحسين بن عبدالرحمن المصري الشهير بالحافظ العراقي المولود سنة 725 هـ والمتوفَّى سنة 808 هـ . وهو الإمام الكبير الشهير أبو الفضل زين الدين وحيد عصره وفريد دهره حافظ الإسلام وعمدة الأنام العلاّمة الحجة الحبر الناقد مَن فاق بالحفظ والاتقان في زمانه وشهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره وأوانه، برع في الحديث والإسناد والحفظ والإتقان، وصار المشار إليه في الديار المصرية بالمعرفة، وماذا أقول في إمام كهذا وبحر خضم وفحل من فحول السنة وطود عظيم من أركان هذا الدين الحنيف، ويكفينا قبول الناس لقوله في الحديث والإسناد والمصطلح ورجوعهم إليه إذا قيل العراقي، وألفيته في هذا الباب عليها الاعتماد ويعرفه فضلاً وعلماً كل مَن له أدنى معرفة وصِلة بالحديث، إن هذا الإمام قد صنّف مولداً شريفاً أسماه (المورد الهني في المولد السني ) ذكره ضمن مؤلفاته غير واحد من الحفاظ مثل ابن فهد والسيوطي في ذيولهما على التذكرة . ومن أولئك الحافظ محمد بن عبدالرحمن بن محمد القاهري المعروف بالحافظ السخاوي المولود سنة 831هـ والمتوفَّى سنة 902هـ بالمدينة المنورة، وهو المؤرخ الكبير والحافظ الشهير ترجمه الإمام الشوكاني في البدر الطالع وقال: هو من الأئمة الأكابر، وقال ابن فهد: لم ارَ في الحفاظ المتأخرين مثله، وهوله اليد الطولى في المعرفة وأسماء الرجال وأحوال الرواة والجرح والتعديل وإليه يُشار في ذلك، حتى قال بعض العلماء: لم يأتِ بعد الحافظ الذهبي مثله سلك هذا المسلك وبعده مات فن الحديث، وقال الشوكاني: ولو لم يكن له من التصنيف إلا الضوء اللامع لكان أعظم دليل على إمامته، قلت: وقد قال في كشف الظنون: إن للحافظ السخاوي جزءاً في المولد الشريف صلى الله عليه وسلّم . ومن أولئك الحافظ المجتهد الإمام ملا علي قاري بن سلطان بن محمد الهروي المتوفى سنة 1014هـ صاحب شرح المشكاة وغيرها . ترجمه الشوكاني في البدر الطالع وقال: قال العصامي في وصفه هو الجامع للعلوم النقلية والمتضلّع من السنة النبوية أحد جماهير الأعلام ومشاهير أولي الحفظ والأفهام، ثم قال: لكنه امتحن بالاعتراض على الأئمة لاسيما الشافعي ا.هـ. ثم تكلف الشوكاني وقام يدافع وينافح عن ملا علي قاري بعد سوقه كلام العصامي، فقال: أقول هذا دليل على علو منـزلته فإن المجتهد شأنه أن يبين ما يخالف الأدلة الصحيحة ويعترضه سواء كان قائله عظيماً أو حقيراً، تلك شكاة ظاهر عنك عارها قلت: هذا الإمام المحدّث المجتهد الذي ترجم له الشوكاني الذي قالوا عنه إنه مجتهد ومحدّث قد صنّف في مولد الرسول صلى الله عليه وسلّم كتاباً قال صاحب كشف الظنون: واسمه ( المورد الروي في المولد النبوي) قلت: وقد حقّقتُهُ بفضل الله وعلّقتُ عليه وطبعته لأول مرة . ومن أولئك الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير صاحب التفسير . قال الذهبي في المختص: الإمام المفتي المحدّث البارع ثقة متفنن محدّث متقن .ا.هـ . وترجمه الشهاب احمد بن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة في صفحة 374 جاء منها: أنه اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله، وقال: وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه وامتحن لسببه، وكان كثير الاستحضار حسن المفاكهة، سار تصانيفه في البلاد في حياته وانتفع بها الناس بعد وفاته سنة 744هـ وقد صنّف الإمام ابن كثير مولداً نبوياً طُبع أخيراً بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد . ومن أولئك الحافظ وجيه الدين عبدالرحمن بن علي بن محمد الشيباني اليمني الزبيدي الشافعي (المعروف بابن الديبع ، والديبع بمعنى الأبيض بلغة السودان هو لقب لجده الأعلى علي بن يوسف) ولد في المحرم سنة 866هـ وتوفي يوم الجمعة ثاني عشر من رجب الفرد سنة 944هـ وكان رحمه الله أحد أئمة الزمان، إليه انتهت مشيخة الحديث، حدّث بالبخاري أكثر من مائة مرة وقرأه مرة في ستة أيام . وقد صنّف مولداً نبوياً مشهوراً في كثير من البلاد وقد حقّقناه وعلّقنا عليه وخرّجنا أحاديثه بفضل الله . وكتبه محمد علوي المالكي الحسني خادم العلم الشريف ببلد الله الحرامتم بحمد الله   بلوغ المأمول في الاحتفاء والاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لراجي عفو ربه خادم العلم الشريف عيسى بن عبدالله بن مانع الحميري بسم الله الرحمن الرحيم (تمهيد) وقبل الدخول في تفاصيل الأدلة الواردة في تعظيم هذه الذكرى العزيزة يحسن بنا أن نذكر معنى المولد ، والمقصود من تعظيمه ، وفوائد ذلك كله فأقول : المولد معناه اللغوي : وقت الولادة أو مكانها . وأما في اصطلاح الأئمة فهو : اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم ورواية الأخبار الواردة في ولادة نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء ومدحهم بأفعالهم وأقوالهم . (إعانة الطالبين 3/361) فالمقصود من الاحتفال بالمولد هو تعظيم الأنبياء والأولياء والصلحاء مصداقا لقوله تعالى : (( ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب )) (الحج : 32) ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أعظم شعائر الله قطعا وأجلها قدرا ، ويتأكد ذلك عند مولد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم حيث ورد تعظيمه في الكتاب الكريم وفي السنة المطهرة . هذا وللمولد فوائد كثيرة ، منها : أن الاحتفال به يشتمل على ذكر مولده الكريم ، ومعجزاته ، وسيرته ، والتعريف به صلى الله عليه وآله وسلم . هذا بالإضافة إلى اجتماع الناس على تلاوة القرآن الكريم وقراءة الأحاديث والسير وإطعام الفقراء والمساكين . ومن فوائد الاحتفال بالمولد النبوي أيضا إحياء ذكرى مولده صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد قال الحافظ السيوطي في الحاوي للفتاوى 2528 : "إن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما وقع في مولده من الآيات ... هو من البدع* التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف" . وقال الإمام شهاب الدين المعروف بأبي شامة الشافعي رحمه الله في كتابه الباحث على إنكار البدع والحوادث ص23 : "ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق من مولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور ، فإن ذلك – مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء – مشعر بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم ، وتعظيمه في قلب فاعل ذلك ، وشكرا لله تعالى على ما من به من إيجاد رسوله ، الذي أرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه وآله وسلم" . وقد قسمت هذه الرسالة إلى أربعة فصول : الفصل الأول : الأدلة من القرآن الكريم الفصل الثاني : الأدلة من السنة المشرفة الفصل الثالث : دليل الإجماع الفاصل الرابع : شبهات وردود * من حيث الوسائل لا من حيث المقاصد لأن المقصد أصل الأصول ، وهو المحبة للرسول وآله الكرام ، وأصوله ثابتة من الكتاب والسنة كما ستعرف . [ الفصل الأول ] الأدلة من القرآن الكريم : لقد أورد القرآن الكريم أدلة كثيرة تحض على الاحتفاء والابتهاج بسيد ولد عدنان صلى الله عليه وآله وسلم ، إما تصريحا وإما تلويحا ، وأقتصر على بعض الأدلة التصريحية وهي على النحو الآتي : [ الدليل الأول ] : قال تعالى (( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا )) (يونس : 58) فالله عز وجل طلب منا أن نفرح بالرحمة ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمة ، وقد قال تعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) (الأنبياء : 107) وفي الدر المنثور للحافظ السيوطي (4/367) أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال : فضل الله العلم ، ورحمته النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال الله تعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) انتهى . وذكر الرحمة في الآية بعد الفضل تخصيص بعد العموم المذكور وهو يدل على شدة الاهتمام ، ومجيء اسم الإشارة "ذلك" لأكبر الأدلة على الحض على الفرح والسرور لأنه إظهار في موضع الإضمار ، وهو يدل على الاهتمام والعناية . ولذلك قال الآلوسي في روح المعاني (10/141) عند قوله تعالى (( فبذلك فليفرحوا )) الآية للتأكد والتقرير ، بعد أن رجح كون الرحمة المذكورة في الآية هي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : والمشهور وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرحمة كما يرشد إليه قوله تعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) الآية انتهى . وينظر تفسير أبي السعود (4/156) . وقال الإمام الرازي في التفسير الكبير (17/123) عند قوله تعالى (( فبذلك فليفرحوا )) "يفيد الحصر ، يعني يجب ألا يفرح الإنسان إلا بذلك" انتهى . [ الدليل الثاني ] : قال الله تعالى (( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك )) (هود : 120) في الآية طلب قص أنباء الرسل لما في ذلك من تثبيت الفؤاد ، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الرسل ، والمولد النبوي الشريف يشتمل على أنباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ففي ذكره تثبيت لأفئدة المؤمنين ، فهو حث على تكرار ذكر المولد والعناية به . وقد قلت في هذا المعنى : كلا نقص عليك من أنبائهم == مما نثبت قلبك الذكارا فسواه أولى في ثبات فؤاده == وثناه أولى أن يكون شعار [ الدليل الثالث ] : قوله تعالى حكاية عن عيسى بن مريم عليهما السلام : (( ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين )) (المائدة : 114) قال الشيخ إسماعيل حقي في روح البيان (2/446) عند هذه الآية : "أي يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ، وإنما أسند ذلك إلى المائدة لأن شرف اليوم مستفاد من شرفها" انتهى . وآية أخرى تعضد ذلك وتقويه وهي قوله تعالى على لسان سيدنا عيسى عليه السلام (( والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا )) (مريم : 33) هذه الآية والتي قبلها وغيرهما من آيات* حافلة بالإشارات إلى ميلاد المسيح عليه السلام ، ومدحه ومزاياه التي من الله بها عليه ، وهي بمجموعها شاهدة وداعية إلى الاحتفال بهذا الحدث العظيم . وما كان ميلاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأقل شأنا من ميلاد عيسى عليه السلام ، بل ميلاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعظم منه ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أكبر نعمة ، فيكون ميلاده أيضا أكبر وأعظم . واقرأ قوله تعالى (( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله )) (إبراهيم : 5) وقوله تعالى (( واتل عليهم نبأ إبراهيم )) (الشعراء : 69) والمراد هو ذكرهم وذكر ما أنعم الله به عليهم ، وذكر ما جاؤوا به من الهدى والنور والتشريع والحكم والمواعظ والمعجزات ، مما يلفت القلوب والعقول إلى فضل الله على عباده ، ليلتفتوا بذلك إلى حق الله عليهم ، لعلهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ، ويدعونه رغبا ورهبا ، وذلك من أنباء الرسل منذ ولادتهم إلى أن يتوفاهم الله في جميع أحوالهم ، هدى للناس يثبت الله به القلوب ، وينير العقول ، ويسمو بالأرواح ، ويصقل البصائر ، ويزكي المشاعر ، ويسلس قياد الأنفس الجامحة ، فترد إلى طاعة الله وإلى الوله بحبه ، والعكوف عليه والتمسك به ، والتعلق بمراضيه ، والنفرة من غضبه ، وكل ذلك وأكثر منه مما تفيده الذكرى والتذكير بنعم الله ، والاحتفال بها ، ومن ثم حسنت دعوة الناس إليها ، وتوعيتهم وتحريضهم على اتباع أصحابها ، ومحاكاة مثلها السامية ، وإنما يكون تشويق النفوس ، إلى المقاصد السنية والغايات الشريفة والمقامات المنيفة بذكر من به تكون الأسوة الحسنة ، وليس ثمة أقوى تأثيرا في الحس من ذكر سيرة من عرفه الناس وأحبوه ، وانتصبت صورته بأذهانهم بمحل الإجلال والإكبار ، فإذا سمعوا أخباره وتليت عليه أنباؤه ، وجليت لهم مظاهر العظمة في سيرته ، ومواطن الإعجاب من أقواله وأفعاله ، وتطلعوا إلى الاقتداء به والمحاكاة له برغبة ملحة ، وأشواق كبيرة ، وكم أصاب المسلمين من الخسران المبين حينما طرحوا ذكر أمجادهم وسيرهم الحافلة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والغريب أنهم طرحوا تعاطي ذكر أمجاد رسولنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، والقرآن الكريم يكرر ذكر سير الأكابر ، ولقد عني بذكرهم من يوم أن كانوا أجنة في بطون الأرحام إلى أن توفاهم الله . وبذلك يستدل بصحة استحباب الاحتفال بمولده صلى الله عليه وآله وسلم [ الدليل الرابع ] : وفي كتاب الله عز وجل بيان لقصة ميلاد عيسى عليه سلام الله ، وميلاد يحيى بن زكريا عليهما السلام ، وقد نطقت آيات كثيرة بالإشارة إلى ميلاد مريم عليها السلام ، وما سبق ذلك الميلاد من دعاء الأم الرؤوم ، وما صحبه من تخوف واعتذار ، وما صحب مولدها عليها السلام من إكرام الله لها حيث كفلها زكريا ، وحيث الرزق المتجدد المتعدد الأنواع ، وحيث يتبارى أشراف القوم فيمن يكفل مريم ، واقترعوا من أجل ذلك ، هذا كله في سورة آل عمران من الآية (34) إلى الآية (44) ، وقد أتى ضمن هذه الآيات آيات تتكلم عن نبي الله يحيى بن نبي الله زكريا عليهما السلام ، محتفية به متحدثة بالإجلال والتكريم ، وقد تحدثت آيات أخر في سور آل عمران والمائدة ومريم عن ميلاد عبد الله ورسوله عيسى بن مريم عليهما السلام . أقول أليس في هذا كله مما يستأنس به لجواز ذكر النعمة بمولده صلى الله عليه وآله وسلم ؟! وهو بكل تأكيد أفضل خلق الله على الإطلاق ؟ [ الدليل الخامس ] : قال تعالى (( لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا )) (الفتح : 9) ذهب المفسرون في تفسير هذه الآية مذهبين : 1)المذهب الأول : من وحد الضمائر . 2)المذهب الثاني : من فرق بينهما . وخلاصة المذهب الأول أن الضمائر الواردة في الآية الكريمة تعود كلها إلى الله تعالى ، أو إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . وهو رأي جماعة من المفسرين نقله عنهم الإمام النووي ، فمن ذهب إلى أنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : 1)إنه عليه الصلاة والسلام أقرب مذكور في الآية . 2)لا يجوز التفريق بين الضمائر إلا لضرورة . 3)معنى "تسبحوه" أي تنزهوه عن النقائص وتدعوا له . والمذهب الثاني : وهو مذهب المفرقين بين الضمائر : فقالوا إن الضمير في "تسبحوه" يعود إلى الله تعالى ، والضمير في "تعزروه وتوقروه" يعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن ما أسند إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تعظيمه وتوقيره هو موصل إلى تسبيح الله عز وجل ، وهذا الأسلوب أساليب العرب من باب اللف والنشر . [ الدليل السادس ] : قال الله تعالى (( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين )) (آل عمران : 164) قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى : "إن بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إحسان إلى كل العالمين ، ولقد شرف الله به العرب ونقلهم ببركة مقدمه صلى الله عليه وآله وسلم من رعاة الشاء والغنم إلى رعاة الشعوب والأمم ، ورفعهم من عُبية الجاهلية إلى مقام السيادة والريادة كما قال تعالى (( وإنه لذكر لك ولقومك )) فقد أفردهم بالفخر على سائر الأمم وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركا بين اليهود والنصارى والعرب ثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى عليهما السلام وبالتوراة والإنجيل . فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم" انتهى بتصرف . وإن الناظر بعين الصدق إلى هذا النص الشريف يجد أن الاحتفاء بالمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والابتهاج به لو لم يرد به دليل غير هذه الآية لكفى ، لأن المنة لا تكافأ بعطاء ، فيعتبر شكرها والاحتفاء بها والثناء عليها خيرا عائدا على فاعله كما هو الحال في الصلاة والسلام عليه ، فهو ابتهاج وتعظيم وتوقير وتعزير لا يزيد في عمله صلى الله عليه وآله وسلم ولا في قدره صلاة المسلمين عليه لأن صلاة الله قد كفت حيث إنه يترقى بصلاة ربه من مقام إلى مقام في كل لحظة فتنتفع أمته بذلك . [ الدليل السابع ] : قوله سبحانه وتعالى (( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما )) وهذا دليل واضح الدلالة في توقيره وتعظيمه في كل وقت وحين لأن حبه صلى الله عليه وآله وسلم وولاءه أصل الدين وأساسه ، فكل العبادات تسوق إليه وتطبع القلوب على حبه وهذا مقام شريف واحتفاء عزيز ، وما الاحتفال بالمولد إلا تطبيع النفس على كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم رجاء أن ينطبع حبه وحب آله في القلوب ليؤسس ذلك الحب ركن الإيمان ويشيد صرح اليقين ، فيا له من احتفاء وابتهاج عظيم يأمر الله به ملائكته فتتشرف بهذا التكريم ، ويأمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه ، فيا له من شرف ما بعده شرف وتكريم وتخصيص حكيم بالمؤمنين ولم يقل سبحانه بالمسلمين لأن معرفة قدره حبيبه عزيزة المنال فأدنى مقامات معرفتها مقام الإيمان ، والإسلام دون ذلك . (( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم )) فالحب لا يدرك إلا بالإيمان ، ولا يذوق حلاوة الإيمان من لم يعرف الحب إلى قلبه سبيلا . [ الدليل الثامن ] : قوله سبحانه وتعالى (( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير )) وفي هذا النص القرآني – أخي القارئ – ما لا يخفى عليك من تعظيم الله سبحانه وتعالى لحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره وإظهار قدره للخلق أجمعين ، فهي آية عظيمة قدس الله فيها نفسه قبل ذكر قدر نبيه لما في ذلك من الحفاوة والتبجيل والتعظيم والتوقير لحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم حتى أن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت : "وما أرى ربك إلا ويسارع في هواك" . فهذا رب السماوات والأرض يقدس ويعظم ويفخم مسرى حبيبه ويضم اسمه إلى اسمه في كل موقف .. ففي الشهادة لا يتم الإيمان إلا باسمه .. وفي الصلاة لا تتم إلا باسمه .. وفي معية الإسراء لا يكون الإسراء إلا لروحه ورسمه . وكل إكرام لنبيه إكرام لأمته مع حفظ الباري لقدر حبيبه وغيرته على ذلك من أن ينازعه في فضله أحد وإن علا من المرسلين والنبيين والصديقين ، فلكل منهم مقام معلوم والنبي الخاتم هو الإمام الفاتح وكلهم مأموم . إن حادثة الإسراء والمعراج ابتهاج وعيد واضح للكون أجمع يجمع الله له صلى الله عليه وآله وسلم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين والصديقين والصالحين والملائكة والمقربين ليكون هو الإمام وهم المأمومين ليعرفوا قدره العظيم . ثم يعرج به إلى السموات العلى لتشترك السموات والأرض والعوالم أجمع في هذا العيد العظيم يوم أن أتم الله المنة للمؤمنين فحاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم المقامات العظيمة واجتازها في ليلة فخيمة ، ورأى ربه وكلمه وناجاه فعاد صلى الله عليه وآله وسلم بمعراج المؤمنين بقلوبهم في صلاتهم .. فيا نعم الاحتفاء بسيد الأوفياء الذي حفظ لله مقامه وسيظهره الله يوم القيامة حينما يقول كل نبي : نفسي نفسي .. فيقول سيد الشفعاء : ( أنا لها أنا لها ) في يوم غضب ربي غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب مثله بعده . يأمر سبحانه وتعالى جميع الخلائق أن تلجأ إلى حبيبه صلى الله عليه وآله وسلم حيث يبرز مقامه في ذلك الموقف العظيم ، فيا سعد من والاه ويا سعد من صلى عليه تلك الصلاة التي هي فيصل الحق لأهل الحق ، فصلوات الله وسلامه على من قال : ( إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أكثركم علي صلاة ) فهنيئا لمن أكثر الصلاة عليه واتخذ من مولده عادة بالإكثار من الصلاة عليه والإدمان عليها حتى يكون عبد الله وحبيبه . [ الدليل التاسع ] : قوله سبحانه وتعالى (( إنا أنزلناه في ليلة مباركة )) مع قوله سبحانه (( إنا أنزلناه في ليلة القدر )) نعت الله سبحانه وتعالى ليلة الإنزال لصفة سيد الرجال بأنها مباركة وأنها ذات قدر فقال سبحانه (( وما أدراك ما ليلة القدر ، ليلة القدر خير من ألف شهر ، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ، سلام هي حتى مطلع الفجر )) أي أن الله سبحانه وتعالى يُنزل ليلة القدر في كل سنة وفي كل شهر كبكبة من الملائكة وبالأرواح الصالحة من كل عالم مع روح سيد العوالم صلى الله عليه وآله وسلم وما ذلك إلا لعظيم القدر ، وما ذلك التكرار إلا لإعادة التذكار للعقول والأفكار الموفقة بمحبة سيد الأبرار صلى الله عليه وآله وسلم . فإذا كان ذلك القدر للقرآن المنزل الذي هو خلقه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف به صلى الله عليه وآله وسلم ؟ لا شك أنه قدر فوق قدر ، فإذا كانت شعائر الله ذات قدر مؤقتة في الزمان والمكان فالابتهاج به مطلق غير مقيد كما هو حال الذكر لأنه رحمة عامة ومنة تامة . وقد ختم الله الآية بمطلع الفجر ، ومطلع الفجر بالظاهر هو الذي نعلم ، أما مطلع الفجر في الحقيقة فهو نور الفتح ، أي أن التوقير والتقدير والابتهاج بميلاد سيد الكائنات مآله النور التام بحسن الختام والالتقاء معه تحت اللواء للشرب من يده الشريفة هنيئة ما بعدها ظمأ . [ الفصل الثاني ] الأدلة من السنة المشرفة : وأما الأدلة من السنة فكثيرة متظافرة ، تتلخص فيما يلي : [ الدليل الأول ] : أخرج مسلم في صحيحه (2/819) عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن صوم يوم الإثنين فقال : "ذاك يوم ولدت فيه ، وفيه أنزل علي" . وهذا نص في الاحتفال بيوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتمل غيره . ولم أجد للمخالف جوابا عنه إلا طلب الاقتصار على الصيام فقط ، وهي ظاهرية محضة ، وتخصيص بدون مخصص ، لكنها مع ذلك موافقة لنا في مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف . ولله در الحافظ ابن رجب الحنبلي حيث قال في هذا المعنى في كتابه لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف (ص98) : فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده ، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته وإرساله إليهم ، كما قال تعالى (( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم )) (آل عمران:164) ، فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين حسن جميل ، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر" انتهى . والمقصود الوصول بهذه الطاعة إلى محبة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد يتحقق هذه المقصود بأي وسيلة مشروعة ، فالوسائل لها حكم المقاصد إذا كان المقصد شرعيا . [ الدليل الثاني ] : قد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم في صيام عاشوراء ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا : هو اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون ، ونحن نصوم تعظيما له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "نحن أولى بموسى" . وأمر بصومه . أخرجه البخاري (7/215 ومسلم (رقم 1130) . وفي هذا الحديث تأصيل لملاحظة الزمان والعناية به . وقد استدل أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، كما في فتوى له نقلها الحافظ السيوطي في "حسن المقصد في عمل المولد" انظر الحاوي للفتاوي (1/196) . فقال ما نصه : "فيستفاد منه الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة ، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة ، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم" انتهى . [ الدليل الثالث ] : كان الصحابة رضي الله عنهم يتذاكرون فيه من سير الأنبياء ، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذكر سيرته ، لأنه أفضل وأكمل الأنبياء والجامع لما كان متفرقا فيهم ، وما المولد إلا عمل بهذا الإرشاد النبوي لأن فيه ذكرا لسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم . فقد أخرج الترمذي (تحفة الأحوذي 1/86) وقال الترمذي : غريب ، والدارمي (ا/26) والقاضي عياض في الشفا (1/408) : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ، قال بعضهم : إن الله اتخذ إبراهيم خليلا ، وقال آخر : موسى كلمه الله تكليما ، وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه ، وقال آخر : آدم اصطفاه الله ، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : قد سمعت كلامكم وعجبكم ، إن ابراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى نجي الله وهو كذلك ، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ، تحته آدم فمن دونه ولا فخر ، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر . وهو حديث قوي ، وله شواهد رواه البيهقي في دلائل النبوة (5/270-500) . وأصل الحديث في الصحيحين . ويؤيد هذه الرواية التي تؤكد على احتفاء الصحابة بذكرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا كعب الأحبار رضي الله عنه يتذاكر مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فضائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما خصه به ، فقال كعب : ما من فجر إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفون بالقبر يضربون أجنحتهم ويصلوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألفا حتى يحفوا بالقبر فيضربون بأجنحتهم فيصلون على النبي سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين من الملائكة يزفونه –وفي لفظ يوقرونه- رواه إسماعيل القاضي وابن بشكوال والبيهقي في الشعب والدارمي وابن المبارك في الرقائق وهو حديث صحيح*. * انظر جزء فضل الصلاة على النبي (ص83-84) رقم (102) من طريق ابن المبارك ، وفيه ابن لهيعة قد صرح بالتحديث ، وأخرجه الدارمي في سننه (1/420) بطريق آخر ورجاله ثقات ، وإقرار عائشة له حكم الموقوف ، انظر القول البديع (ص52) [ الدليل الرابع ] : قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه : "مورد الصادي في مولد الهادي" : قد صح أن أبا لهب يخفف عنه العذاب في مثل يوم الإثنين لإعتاقه ثويبة سرورا بميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أنشد : إذا كان هذا كافرا جاء ذمه == وتبت يداه في الجحيم مخلدا أتى أنه في يوم الإثنين دائما == يخفف عنه بالسرور أحمدا فما الظن بالعبد الذي كان عمره == بأحمد مسرورا ومات موحدا فإذا كان هذا الكافر الذي جاء القرآن بذمه يخفف عنه العذاب لفرحه بمولد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فما بال الذي يحتفل بذلك . وهذا ما ذكره وقرره أيضا شيخ القراء والمحدثين الحافظ شمس الدين بن الجزري في "عرف التعريف بالمولد الشريف" [ الدليل الخامس ] : قال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في رسالة "حسن المقصد" (وهي في كتابه الحاوي 1/196) : وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عق عن نفسه بعد النبوة ، مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته ، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية ، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين ، وتشجيع لأمته كما كان يصلي على نفسه ، لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات . انتهى . [ الدليل السادس ] : لقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في فضل الجمعة : "وفيه خلق آدم" أخرجه مالك في الموطأ (1/108) والترمذي (رقم 491) وقال : حسن صحيح . فقد تشرف يوم الجمعة بخلق آدم ، فبدلالة النص وفحوى الخطاب وقياس الأولى ثبت فضل اليوم الذي ولد فيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم . ولا يختص هذا الفضل بنفس اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقط ، بل يكون له نفس الفضل كلما تكرر ، كما هو الفضل في يوم الجمعة . [ الدليل السابع ] : فيما أخرجه البخاري (الفتح 8/270) وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا . فقال : أي آية ؟ قال : (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )) (المائدة:3) فقال عمر : إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه ، والمكان الذي نزلت فيه ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم بعرفة يوم الجمعة . وأخرج الترمذي (5/250) عن ابن عباس نحوه وقال : فيه نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة ، وقال الترمذي : وهو صحيح . وفي هذا الأثر موافقة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على اتخاذ اليوم الذي حدثت فيه نعمة عظيمة عيدا ، لأن الزمان ظرف للحدث العظيم ، فعند عود اليوم الذي وقعت فيه الحادثة يكون موسما لشكر تلك النعمة وفرصة لإظهار الفرح والسرور بها . [ الدليل الثامن ] : أعمال البر التي يشتمل عليها المولد ، إن الاحتفال بالمولد يشتمل على كثير من أعمال البر كالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذكر والصدقة ، ومدح وتعظيم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر شمائله الشريفة وأخباره المنيفة ، وكل هذا مطلوب شرعا ومندوب إليه . وما كان يبعث ويساعد على المطلوب شرعا فهو مطلوب ، لذا قال تعالى مخبرا أنه هو وملائكته يصلون على النبي (( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما )) (الأحزاب:56) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/506) : "والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملإ الأعلى ، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين ، وأن الملائكة تصلي عليه ، ثم أمر الله تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه أهل العالمين العلوي والسفلي" انتهى . وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدح نفسه وغيره من الأنبياء السابقين ، ورغب في ذلك ، وعمل به الصحابة بحضرته ، فرضي ودعا لمن مدحه وأثابه . وأخرج أحمد (4/24) وابن أبي شيبة (6/180) والطبراني في المعجم الكبير (1/رقم842) عن الأسود بن سريع قال : قلت : يا رسول الله مدحت الله بمدحة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هات وابدأ بمدحة الله . في إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو مختلف فيه ، وذكره الذهبي في جزئه المفيد "من تكلم فيه وهو موثق" برقم (249) ، وقال "صويلح الحديث" وقد روى له مسلم مقرونا بغيره . لكن أخرج حمزة بن يوسف السهمي في تاريخ جرجان (ص413 رقم 723) عن أبي سعيد الأشج ، حدثنا عبد السلام بن حرب بن عوف عن الحسن ، عن الأسود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه . إسناده صحيح ، مسلسل بالثقات المحتج بهم في الصحيح ، وعوف هو ابن أبي جميلة ، والحسن هو البصري ، وقد سمع من الأسود . ومدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء على لسان عدد من الصحابة ، فقد أخرج أحمد في المسند (3/451) وابن عساكر في التاريخ (مختصر ابن منظور 12/158) عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه قال : وفينا رسول الله يتلو كتابه == إذا انشق معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا == به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه == إذا استثقلت بالكافرين المضاجع والاستماع للحادي في المدح جائز لا شيء فيه ، ففي صحيح البخاري (كتاب الأدب باب ما يجوز من الشعر 5/294) عن سلمة بن الأكوع : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا من هنيهاتك . قال : وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولاتصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما اقتفينا وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أتينا وبالصياح عولوا علينا ولهذا نظائر ، انظر صحيح البخاري (كتاب الأدب ، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه ، وباب المعاريض مندوحة عن الكذب) وفي صحيح مسلم في أوائل كتاب الشعر من صحيحه . [ الدليل التاسع ] : ذكر ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم" (2/634-635) وقال المروزي : سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا . قال : "أرجو أن لا يكون به بأس" ، وقال أبو سري الحربي قال أبو عبد الله : وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس –يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم- ويذكرون ما أنعم الله عليهم كما قالت الأنصار ؟ ... [ الدليل العاشر ] : وأورد السيوطي في الدر المنثور عند تفسير سورة الجمعة من طريق عبد بن حميد وابن سيرين بسند صحيح : نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا : لو نظرنا يوما فاجتمعنا فذكرنا هذا الأمر ، الذي أنعم الله به علينا ، فقالوا : يوم السبت ، ثم قالوا : لا نجامع اليهود في يومهم ، قالوا : الأحد ، قالوا : لا نجامع النصارى في يومهم ، قالوا : فيوم العروبة وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زرارة فذبحت لهم شاة فكفتهم** انتهى . ترى أيها القارئ أن هذا الحديث يمكن أن يستفاد منه أمور منها : -فيما يتعلق بالأمور المستجدة ، يمكن أن يفهم من هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقر ما يحدث من الأعمال مما يشهد له أصل من أصول الشريعة ، فقد أقرهم صلى الله عليه وآله وسلم على اجتماعهم في هذا اليوم ، دون أن ينتظروا إذنا منه فضلا عن أمر منه صلى الله عليه وآله وسلم . -يفهم من هذا الحديث كما استدل به ابن تيمية رحمه الله ضرورة مخالفة النصارى واليهود في كل ما هو من سماتهم وشيمتهم خصوصا ما له تعلق بأمر من أمور العبادات . -ويفهم منه استحباب ذكر النعمة والاحتفاء والاحتفال بأيامها ، وذلك أخذا من حديث الأنصار بمنة الله عليهم يوم وصلوا الإسلام ، ومن بحثهم عن يوم يختارونه لإظهار فرحتهم بذلك الحدث السعيد . ** ذكره ابن حجر في الفتح (2/355) ، ثم قال وهذا وإن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن في حديث كعب بن مالك اه وذكره ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" (2/635) [ الدليل الحادي عشر ] : جميع الأحاديث والآثار التي تحض وتأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأعظم دليل بالابتهاج والاحتفاء به صلى الله عليه وآله وسلم ، قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى في القول البديع (ص33) إن في الأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أي وقت كان وكيفية ذلك على اختلاف أنواعه ، والأمر بتحسين الصلاة عليه والترغيب في حضور المجالس التي يصلي فيها عليه ، وإن علامة أهل السنة*** الكثرة منها ، وإن صلاة الملائكة عليه صلى الله عليه وآله وسلم على الدوام لدليل عظيم على توقيره وتعظيمه ، كما قال الإمام الحليمي في شعب الإيمان : إن التعظيم منزلة فوق المحبة ، فحق علينا أن نحبه ونبجله ونعظمه أكثر من إجلال عبد لسيده .. إلى أن قال : وبمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله تعالى بالآيات والأحاديث انتهى . *** انظر القول القول البديع (ص52) ومما فتح الله به على العبد الضعيف بفضل الله تعالى من قول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : (( لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم )) حديث صحيح أخرجه أحمد 2/367 وأبوداود 2042 وابن خزيمة 48 وغيرهم . لما علم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من توقير الله له في جميع أطوار حياته وأن قبره مكرم معظم ، وسيكون ملجأ للصادقين : طلب من ربه ألا يخص ذلك التعظيم بيوم معين أو ساعة معينة لئلا تحصل فيه المشقة على الأمة ، بل أراد أن تكون زيارته صلى الله عليه وآله وسلم مطلقة في كل وقت وحين ؛ تيسيرا على هذه الأمة . فكل وقت ولحظة يزور فيها الزائرون قبره المعظم هو وقت سرور وحبور لا شك في ذلك ولا ريب ، فهو مائدة مفتوحة كما هو الشأن في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، فكلما تصلي عليه يحصل لك السرور والفرح ، ويؤيد ذلك قول القاضي عياض والإمام ابن حجر كما نقل الإمام الخفاجي في نسيم الرياض 3/502 : " المراد لا تتخذوها كالعيد في العام مرة بل أكثروا من زيارتها –أي القبور- " انتهى قوله . ويؤيد تلك الرواية قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني ) رواه الطبراني وأبويعلى بسند حسن كما قال القاري في شرح الشفا 3/502 هامش نسيم الرياض . وهذا الحديث فيه تأكيد واضح أن الاحتفاء والابتهاج بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزيارته معراج قائم في كل وقت وحين ، مبسوط موائده ، مفتاحه همة المؤمن الصادق إذا أقبل عليه بالتوقير والتعظيم ، وشغل روحه وفكره وقلبه به صلى الله عليه وآله وسلم ، وبذلك يحصل الخير الجزيل والفضل الكبير ، والأنس والاستئناس والسكينة والطمأنينة ، ويذوق حلاوة الإيمان . والبيان واضح في تلك الأخبار بما أذن الله للنبي المختار . ففي الخبر الأول : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى عليه ) ، وفي رواية : ( يعبد ) وهو حديث صحيح أخرجه أحمد في المسند 7352 موصولا ومالك في الموطأ 172 مرسلا وأخرجه البزار (مجمع الزوائد 2/28) موصولا . والحديث له طرق . وبهذا تَرِد تساؤولات وردود ، والسؤال الذي يطرح نفسه لم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ؟؟ هل كشف له حال الأمة من بعده أنها ستتخذ قبره وثنا ؟؟ أم رأى من تعظيم الصحابة أن يصل بهم الحد أن يتخذوا قبره وثنا فدعا بهذه الدعوة ؟؟ وهل دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا مجاب أم ليس مجابا ؟؟ وفي الخبر الثاني : ( لا تجعل قبري عيدا ... ) الحديث . هل يقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعيد الابتهاج والفرح أم التعظيم والتوقير لقدره ؟ وما السبب في نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه في هذا الحديث عن اتخاذ قبره عيدا واتخاذ بيوت المؤمنين مقابر ؟ وما الذي يقصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟؟ وما العيد الذي عناه وما المقبرة التي عناها ؟؟ وإلى ماذا يرشد الحديث ؟؟ وما الذي يشير إليه ؟؟ وهل يعني بالعيد إظهار زينة مخصوصة كما يعمل في الأعياد ؟؟ أم النهي حاصل عن تخصيص يوم معين والعكوف عليه ، وإظهار الزينة عند القبر كما هو الحال في الأعياد أم يكتفى في الزيارة بالسلام والدعاء فقط ؟؟ وهل في الحديث نهي لأصحابه وأتباعه عن توقير قبره وتعظيمه ؟؟ وهل يأمرهم في الحديث بالابتهاج في دورهم وينهاهم عن ذلك في مسجده ؟؟ وهل الاحتفال مقصور على البيوت دون المسجد ؟؟ نقول وبالله التوفيق مجيبا على هذه التساؤلات : التساؤل الأول : لم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى عليه ) ؟ أو ( وثنا يعبد ) هل كشف له حال الأمة من بعده أنها ستتخذ قبره وثنا أم رأى من تعظيم أصحابه له أنه يصل بهم إلى الحد أن يتخذوا قبره وثنا ، فدعا بهذه الدعوة ؟؟ فهذا التساؤل مجاب عليه ضمن الحديث المتقدم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يخص زيارته بيوم معين ولم يكلف الأمة عناء ذلك وتخصيص ذلك اليوم لأن فضله صلى الله عليه وآله وسلم إنما استمد من صلاة الله المتكررة عليه في كل لحظة فلا يليق بما تكرر فضله أن يخصص بيوم معين لأنه هو المد للفضائل كلها وهو عين الأعيان الإمدادية صلاة الله عليه وآله وسلم . وكما أن المراد من زيارته صلى الله عليه وآله وسلم توطن محبته في القلوب وتطبع النفوس بالصلاة عليه كذلك الاحتفال به ما هو إلا توطين محبته في القلوب وتطبيع النفس بإدمان الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم . والحديث وإن كان لفظه النفي فمعناه وجوب المواصلة الدائمة ، أي لا تجعله عيدا مرة في السنة بل اجعله معراجا متصلا ... لذا ترك الابتهاج به مرة واحدة لوجوبه في كل لحظة . أضف إلى ذلك البيان الذي جاء في عجز الحديث : ( ولا تجعلوا بيوتكم قبورا ... ) يعني بل عيدا ... أي أن الابتهاج به لا يختص بالمكان ليوافق ذلك قوله سبحانه : (( واعلموا أن فيكم رسول الله )) –الحجرات 7- ولا يعني ذلك نفي منزلة المكان وفضله ولكن على قدر الكمال يضاعف الأجر . وهذا دليلنا لتخصيص ليلة المولد النبوي الشريف بالابتهاج بالنسبة إلينا ، فالمناسبات جرس لتنبيه الغافل لا لتحكي ما في نفس الأمر . فللرسول عليه الصلاة والسلام رحمة دائمة وحضور دائم ... وما المناسبات إلا تنبيه للعوام في تفسير المطلق ... فالحضور والشعور به إنما هو للعبد المكلف لا حضور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ هو إرسال دائم لا ينقطع ورحمة دائمة لا تنفد . ولنا دليل ثان وهو قدر الإسلام وقدر القرآن وقدر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المتحقق في كل زمان ومكان ، حيث أكد على ذلك القرآن في آيات كثيرة منها قوله : (( إنا أنزلناه في ليلة القدر )) –القدر : 1- فإذا كان قد تحقق فضل الزمان والمكان في الأبعاض والفروع أي بالنسبة إلى ملاحِظِه ، فمن باب أولى أن يتحقق ذلك في الأصول . وهذا الأمر قد تحقق بناموس الفطرة التي فطرها الله ، فالخير إذا عم شاع ، كمثل اشتهار بلد بشيء ما كثمر أو صنعة ... فانتشارها في العالم يحقق فائدتها ولكن يبقى لها في موطنها تمييز خاص له أثره ... فهذا حال كل عظيم . أضف إلى ما تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في هديه : ( إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ) رواه مسلم 2812. وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضا : ( إن هذه الأمة مرحومة ) أخرجه أحمد في المسند 4/408 وإسناده لا بأس به وله شواهد تقويه . فإذا لم يخش النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الشرك وإنما خشي عليها من الاختلاف في جهل فقه الاختلاف ... وقد استجيبت دعوته صلى الله عليه وآله وسلم . أما احتمال أن يرى أصحابه وقد اتخذوا قبره وثنا فهذا احتمال باطل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... ) الحديث . أخرجه البخاري 2652 ومسلم 2533 وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ... ) أخرجه الترمذي 2676 وصححه هو وابن حبان 5 واللفظ له . أي : سنته ومنهج آل بيته وأصحابه أجمعين . التساؤل الثاني : هل يقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعيد : الابتهاج والفرح أم التعظبم والتوقير لقبره ؟ وهل التوقير يؤدي إلى العبادة ؟! يقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعيد : الابتهاج والفرح لأنهما مظهر من مظاهر التوقير والتعظيم فمن عظم شيئا ابتهج له ووقره . فابتهاجنا بعيد الفطر مظهر تعظيمنا لشهر رمضان المبارك ، وابتهاجنا بعيد الأضحى مظهر لمشاركتنا بهجة الحجيج في تعظيمهم لأيام الله المشهورة . وعيد الأضحى هو عيد الأعياد ففيه فرحة آدم وحواء ، وفيه فرحة إبراهيم بفداء ابنه عليه السلام ، وفيه فرحة رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بتمام الرسالة ... ولذلك سمي بالعيد الأكبر . ودعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد استجيب ، فليس أحد من المسلمين يعبد محمدا ، إنما هو التوقير والتعظيم له صلى الله عليه وآله وسلم . التساؤل الثالث : ما السبب في نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن اتخاذ بيته عيدا واتخاذ بيوت المؤمنين مقابر ، وما هي المناسبة لهذا الربط ، وما العيد الذي عناه ، وما المقابر التي عناها ، وإلى ماذا يرشد الحديث ؟ لقد تبين من الجواب المتقدم طرف من محصل هذا التساؤل ، وبقي بيان مناسبة الارتباط بين بيته صلى الله عليه وآله وسلم وبيوت المؤمنين . لاشك أن المناسبة هي أن وجود روحه صلى الله عليه وآله وسلم غير مقتصرة على مسجده بل إن روحه حاضرة جوالة في بيوت المؤمنين وذلك لكثرة ذكرها ، إذ أن الرحمة متحصلة حيثما تعرض لها بالذكر وجدا أو تواجدا ، ودليله الحديث : ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ) أخرجه مسلم في صحيحه 2699 والرحمة هنا هي روح سيد المرسلين وأرواح أولياء الله الصالحين * ، وقد ثبت عن الإمام الجليل سفيان بن عيينة أنه قال : "عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة" أخرجه أبونعيم في حلية الأولياء 7/285 بسند حسن . ولا يمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم البهجة حين رؤية مرقده أو زيارة مسجده بهذا الحديث ، وكأني به صلى الله عليه وآله وسلم يقول : "لا تقصروا الفرحة بي عند مجيئكم مسجدي بل افرحوا بي حيثما كنتم وحيثما حللتم ..." فكل موطن لا يظهر فيها الابتهاج والفرح برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – والذي من أجلى مظاهره الصلاة والسلام عليه – إنما هو حسرة وندامة كما قال صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في هديه الشريف : ( ما قعد قوم مقعدا لا يذكرون الله فيه ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن أدخلوا الجنة للثواب ) أخرجه ابن حبان في صحيحه 591 وإسناده صحيح وله شواهد أخرى . فالعيد الذي عناه صلى الله عليه وآله وسلم هو الفرح والبهجة به حيثما وجد المؤمن ... والمقابر التي عناها هي عدم الابتهاج به وذلك من عدم الصلاة عليه والتي يترتب عليها موت القلوب والأرواح وبقاؤها في سجن الأشباح ، لا تعرف للنور سبيلا ، وهذا معنى اللعن والطرد من رحمة الله ، فقد أخرج مسلم في صحيحه : ( مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت ) والحديث يرشد إلى الآتي : 1-الحض على الابتهاج بزيارته ومولده صلى الله عليه وآله وسلم وأنهما يتحدان في تأصيل الإيمان وتثبيت القلوب وتطبيعها على التوقير والتعظيم له صلى الله عليه وآله وسلم . 2-أن الصلاة عليه أعظم مظهر من مظاهر الابتهاج وهي متحققة في توقيره وتعظيمه والاحتفاء برفعة شأنه . 3-إظهار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقدره ، وأن قدره غير محصور في بقعة من البقاع أو مكان من الأمكنة بل هو ممتد في جميع مناحي الحياة ، للبر والفاجر ، للكافرين رحمة إيقاظ وتأجيل عذاب في الحياة الدنيا ، وللمؤمنين رحمة إرشاد وإمداد (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) وقوله : (( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا )) . فالبشارة هي النعمة التي حظي بها المؤمنون . 4-التيسير على المسلمين لزيارة قبره المكرم في أي وقت دون تحديد وقت معين . 5-توضيح النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأمة بأن الصلاة عليه وزيارته عيد لا كالأعياد ، بل هو سيد الأعياد ، والسيد بابه مفتوح ، لا يفتح في وقت دون وقت . 6-تبيين مقام الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم . 7-الحديث يدعو إلى استمرارية التعلق به صلى الله عليه وآله وسلم وأن التعلق لا يتوقف على الزمان والمكان بل هو في كل وقت وحين . 8-العيد مظهر من مظاهر الشكر لله سبحانه وتعالى . والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مظهر من مظاهر المنة ، والمنة تحتاج لحفاوة مطلقة وابتهاج مطلق وتوقير وتعظيم مستمر لأن المنة تكون بما يصدر منه إليك ، وأما الشكر فيما يصدر منك إليه تعالى . فالشكر مظهر من مظاهر المنة وهو بمنزلة الفرع من الأصل ... وصدق الله إذ يقول : (( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ... )) التساؤل الرابع : هل يعني بالعيد إظهار زينة مخصوصة كما يعمل في الأعياد ، وهل يكتفى في الزيارة بالسلام والدعاء فقط ؟ لا شك أن الزينة مظهر اتفقت عليه الأعراف لكل ابتهاج كالفرحة بالزواج ، وقد حضت على إظهاره الشريعة الغراء لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدفوف ) حديث صحيح أخرجه ابن حبان 4066 والحاكم 2/183 وصححاه . ويسن فيه ضرب الدف والغناء المهذب ، ووضع مظاهر الزينة ، فما دامت هذه الأشياء معتبرة عرفا وشرعا فمن باب أولى أن تستعمل في الابتهاج بمنة الله العظمى وليس ثمة مسوغ في المنع بل التحذير من منعها لقوله سبحانه : (( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ... )) فالنهي منصب إذن على نخصيص يوم معين والغفلة عن ذلك في سائر الأيام ، لأن توقيره وتعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم والابتهاج به دين وأي دين . ولا يكتفى عند الزيارة بالسلام والدعاء فقط دون الابتهاج والتوقير والتعظيم واستحضار قداسة المكان لأجل أن يتحقق رجاء العبد من المنان عند وقوفه بباب كعبة الإحسان صلى الله عليه وآله وسلم . التساؤل الخامس : هل في الحديث نهي للصحابة من توقير وتعظيم قبره ؟ وهل يأمرهم بالابتهاج في دورهم وينهاهم عن ذلك في مسجده ؟ وهل الاحتفال مقصور على البيوت دون المسجد ؟ ليس في الحديث نهي عن توقير وتعظيم قبره ، بل في الحديث أمر وحض على توقيره وتعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم لما قررنا سلفا ، ويؤيده قول سبحانه (( وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا )) فاعتبر الصلاة عليه بمنزلة التسبيح والتهليل بل هي أعظم لأنها ذكر الله وملائكته . نعم ، يأمرهم بالابتهاج في دورهم ولم ينههم عن ذلك في مسجده إلا إذا اقتصر عليه دون سواه كما تقدم ، ولا يعني كونه أمر به في البيوت ، ومنعه في مسجده ، فالمنع منصب إذا خصص بيته قيدا للابتهاج دون سواه كما تقرر سابقا ، والله أعلم . الحديث الآخر : ( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ) قال الخفاج في نسيم الرياض 3/513 : "أي كالوثن وهو الصنم من الحجارة ... أي بعد وضعي فيه ، وقيل : الفرق بين الوثن والصنم ... الأول ما كان نحتا من حجارة وغيرها ، والثاني ما كان صورة مجسمة ، وقيل : هما بمعنى ، فيطلقان عليهما" انتهى . * قال الإمام الألوسي عند قوله سبحانه وتعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) قال : محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وقال في تفسيره 3/24 عند قوله سبحانه (( والسابقات سبقا )) : أي أرواح الصالحين ممن تقضى بهم الحوائج ، وتنال بهم الرغائب . [ الفصل الثالث ] أدلة الإجماع : أما أدلة الإجماع فقد انعقد على استحسان الاحتفال بالمولد . فقد ذكر العلماء أن أول من فعل المولد هو الملك المظفر صاحب إربل* وكان يحضر المولد الأكابر من العلماء وغيرهم . * هو السلطان المعظم مظفر الدين أبو سعيد كوكبري بن علي التركماني الأصل كان شهما شجاعا ، قال الحافظ الذهبي في سير أعلامالنبلاء (22/336) : كان متواضعا خيرا سنيا يحب الفقهاء والمحدثين . توفي سنة 630 رحمه الله تعالى . وقد استحسنه غير واحد من الأئمة المجتهدين ، فيقول الإمام المجتهد أبو شامة المقدسي في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوداث" : ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور فإن في ذلك - مع ما فيه من الإحسان للفقراء - إشعارا بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم . اه ولم نجد من اعترض على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من معاصري الملك المعظم أو أبي شامة المقدسي ، وقد توفي سنة 665 ه رحمه الله تعالى . فكان إجماعا سكوتيا على مشروعية الاحتفال بالمولد واستحسان العلماء له . وقد صح عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : "ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله" . صححه الحاكم في المستدرك (3/78) وأقره الذهبي . وانظر المقاصد الحسنة (ص367) وهو موقوف لكن له حكم الرفع لأنه ليس مما للرأي فيه مجال والله تعالى أعلم . شبهات وردود الردود على الشبهات وبعد الانتهاء من إيراد الأدلة على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف نود ذكر ما أثير حول ذلك من شبهات والجواب عنها فنقول: الشبهة الأولى والرد عليها: إن لتاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري الفاكهاني المتوفى سنة (734ه) رحمه الله تعالى رسالة في الاعتراض على المولد، فحواها الاعتراض على ما يدخله من الجناية فقط. فالاعتراض ليس على المشروعية بل على ما قد يشوبه من مخالفات، وهي لا تختص به بل تقع في غيره أيضاً، ثم إن الفاكهاني المذكور تأخر عمن استحسنوه وأقروه كما تقدم، فكان كلامه كالمخالف لما اتفق عليه المسلمون، ففيه نظر من هذه الجهة أيضاً كما يعلم من علم الأصول. وقد أورد الحافظ السيوطي رسالة الفاكهاني رحمهما الله تعالى في »حسن المقصد في عمل المولد« وتعقبه ولم يبق له شبهة. (انظر الحاوي للفتاوي1/193). الشبهة الثانية والرد عليها: قولهم: إن المولد بدعة وفي الحديث: »وكل بدعة ضلالة« ولم يفعله أحد من السلف، فالجواب عنه من وجوه: الأول: المحدثات قسمان: ما وافق الشرع، وما خالف الشرع، فالأول يدور بين الإباحة والندب والوجوب، والثاني يدور بين الكراهة والحرمة. وتقسيم المحدثات إلى هذين القسمين هو الصواب المؤيد بالواقع، وبه صرحت عبارات كثير من أئمة الدين كالشافعي والعز بن عبدالسلام وأبي شامة المقدسي والنووي وغيرهم، وانظر »تهذيب الأسماء واللغات« للإمام النووي (2/22) و»فتح المغيث« للسخاوي (2/229). والعلماء متفقون على ذلك، ولكنهم قد يختلفون في التسمية فقط، فقد تسمى البدعة الحسنة: بالمصلحة المرسلة، وأشار إلى هذا الشاطبي في الاعتصام. الثاني: البدعة في الاصطلاح هي ما خالفت أصلاً اتفق عليه، وقال السبكي وغيره: ما أطلقت على الحادث الذي لا أصل له في الشرع. والبدعة المحدثة، التي جاءت على غير مثال سابق، ولم تخالف أصلاً قد ذكرها القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها [الحديد 27] أي إن الله سبحانه وتعالى ما ألزمهم بها إلا بعد ما ألزموا بها أنفسهم علماً بأنها في الأصل مرضية من الله، ولكن الله رفع الوجوب فبقي الندب، فحينما ألزموا بها أنفسهم لزمتهم. ومعنى فما رعوها حق رعايتها أي لم يصبروا على الرهبانية المحمودة، وهي الانقطاع لله تعالى مع الاهتمام بأمر المسلمين. هذا ما فعله بنو إسرائيل في أول أمرهم ثم بعد ذلك فصلوا نية العزم على إعلاءكلمة الله عن الغيرة على حرمات الله لذا ذمهم المولى سبحانه بأنهم ما رعوهاحق رعايتها، ومن هنا نخلص إلى أن كل ما ابتدع على غير مثال سابق لا بد أن يحاط بالعناية والدقة التامة في عدم مخالفة الشرع. وبسط ذلك المبحث تجده في كتابي »البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع«. وقال العلامة إسماعيل حقي في تفسيره روح البيان (9/384): عند تفسير قوله تعالى: ورهبانية ابتدعوها : فأقرهم تعالى عليها ولم يعب عليهم فعلها، إنما عاب عليهم عدم رعايتهم لها في دوام العمل فقط وخلع عليها اسم البدعة في حقهم، بخلاف هذه الأمة خلع على مااستحسنوه اسم السنة الحسنة تشريفاً لهم كما قال عليه الصلاة والسلام: »من سنَّ سنّة حسنة...« وقال بعض الكبار : جميع ما ابتدع من السنة الحسنة على طريق القربة إلى الله تعالى داخل في الشريعة التي جاءت بها الرسل.اه. وأكد هذا المعنى السيد عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري في كتابه: »إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة« (ص16)،فقال: »فإنّ الآية لم تعب أولئك الناس على ابتداع الرهبانية، لأنهم قصدوا بها رضوان الله، بل عابَتْهم على أنهم لم يرعوها حق رعايتها، وهذا يفيد مشروعية البدعة الحسنة كما هو ظاهر«. ثم استدل رحمه الله تعالى بما رواه الطبراني في المعجم الأوسط (مجمع الزوائد 3/139): عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن الله فرض عليكم صوم رمضان ولم يفرض عليكم قيامه، إنما قيامه شيء أحدثتموه فدوموا عليه، فإنَّ ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة فعابهم الله بتركها فقال: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها. قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (3/139): فيه زكريا بن أبي مريم، ضعفه النسائي وغيره. اه. قال العلامة المحدث السيد عبد الله بن الصديق: زكريا ابن أبي مريم ذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: يعتبر به(1) . وما استنبطه أبو أمامة رضي الله عنه صحيح.اه. قلت: وأصل البدعة الحسنة مبني على السنة التقريرية، لأن السنة التقريرية عمل قام به غير النبي صلى الله عليه وسلم أي الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في وقت التنزيل، فأقرَّهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك دون تصريح بنفي أو إثبات، وقد طفحت السنة بذلك كما هو في حديث التيمم، وحديث صلاة العصر في بني قريظة، وقراءة سورة الإخلاص. وأما بعد انقطاع الوحي وانتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى أصبح فعل الصحابي بدعة حسنة، بدليل قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: نعمت البدعة هذه. وبهذا لا يصح لمعترض بحال أن يستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: »عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي« لأن السنة في هذا الحديث تعني المنهج في التعامل مع أصول الكتاب والسنة كما تعامل النبي صلى الله عليه وسلم وليس ثمة معنى غير هذا، إذ لو فُسِّر بغير هذا لفُهم أن الصحابة يؤصِّلون سنّةً، وهذا متعذر قطعاً، فليس ثمة إلا ما ذكرنا، والله أعلم. الشبهة الثالثة والرد عليها: قولهم: لا دليل على فعل المولد، فالجواب عليه: إن عدم الدليل، ليس بدليل والاعتماد على المجهول مردود. ويكفي في هذه العجالة أن أنقل قول ابن القيم في هذا المعنى فإنَّه قد اعتُرض عليه في مسألة القراءة للأموات فقال في كتاب الروح ما نصه: والقائل: إنَّ أحداً من السلف لم يفعل ذلك، قائل ما لا علم له به، فإنَّ هذه شهادة على نفي مالم يعلمه، وما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه. اه. الشبهة الرابعة والرد عليها: قولهم : المولد محدث، وكل محدثة بدعة مردودة، فالجواب عليه: مفهوم حديث »من أحدث في أمرنا هذا ... الحديث« يخصص منطوقه. فمنطوق الحديث »من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد« فيكون مفهومه (أي مفهوم المخالفة) هو: من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه فليس برد. فلم يقل أحد: إنَّ جمع القرآن الكريم وإرساله إلى الأمصار وبناء المدارس والأربطة ووضع العلوم والنداء في صلاة القيام والتهجد جماعة في الحرم وغيره من البدع المذمومة. والمعترضون هربوا وسموها مصالح مرسلة ولا مشاحة في الاصطلاح فلماذا التشدد؟!! و حديثه صلى الله عليه وسلم: »من سنَّ في الاسلام سنة حسنة فله أجرها ...« الحديث. أخرجه مسلم (3/87) وأحمد (4/361) وابن خزيمة (4/112) وغيرهم. والحديث عام لأن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم وهذا متفق عليه. وقد حاول بعضهم صرف الحديث عن ظاهره فقال: سنّ معناها أحيا، لأن الحديث فيه »ومن سن في الإسلام سنة سيئة«. الحديث. وهو اعتراض مردود لأن معنى كلامه على تأويله المردود »من أحيا في الإسلام سنة سيئة« وهذا كلام فيه شناعة لأنه يلزم منه وجود سنة سيئة في الإسلام.نعوذ بالله من الخذلان. والحاصل أن الحديث نصٌّ في الباب لا يحتمل غيره، ومن رأى غير ذلك يكون قد صرف الحديث عن ظاهره بدون صارف، ثم هو بين أمرين: إما أن يرجع للصواب، وإلا فهو مكابر والمكابر لا كلام لنا معه فيما كابر فيه. الشبهة الخامسة والجواب عليها: زعمهم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يحتفلوا بالمولد، فالجواب عليه: إن ترك الاحتفال بالمولد من الصحابة لا يعني تحريم أو كراهة الاحتفال بالمولد، لأن الترك لم يقترن بنهي أو غيره فغاية ما فيه هو جواز الترك للاحتفال فقط، وقد قال الله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر:7]. ولم يقل: ما تركه فانتهوا عنه فالترك لا يفيد التحريم. وقد حرر بحث الترك تحريراً ما عليه مزيد العلامة الكبير المحقق السيد عبد الله بن الصديق الغماري الحسني رحمه الله تعالى في رسالة »حسن التفهم والدرك لمسألة الترك«(1) والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. الشبهة السادسة والرد عليها: يُلبّس المخالفون على طغام الناس (عامة الناس) بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: لقد أبدلنا الله بعيدين عيد الفطر وعيد الأضحى« فلم يذكر الاحتفاء بمولده. يُردُ على هذه الشبهة بأن في الدين مسائل كثيرة جاء بها القرآن الكريم وجاءت بها السُنة اقتصر على ذكرها ولم يذكر ما في بابها من جنسها فهل يدل ذلك على منعها وعدم ثبوتها؟ فلو كان هذا المعنى معتبراً لسقطت تعاليم إسلامية كثيرة. ولذا نص العالم الأصولي الإمام الزركشي في كتاب البحر في المسألة الثالثة ما نصه: »ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم لا يقتضي التخصيص«. اه . (البحر المحيط 220/3). وقال الآمدي في المسألة الثانية عشرة: »اتفق الجمهور على أنه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص يدل على بعض ما يدل عليه العام، لا يكون الخاص مخَصِّصاً للعام بجنس مدلول الخاص ومخرجاً عنه ما سواه«. اه . (الإحكام 488/2). وفي قضيتنا هذه إنما كان الحديث إجابة على سؤال، ومن المعلوم عند الأصوليين أن الإجابة على السؤال لا تقتضي الحصر والتخصيص، كما تصرح به القاعدة الأصولية المتقدمة. وفي القواعد الفقهية: »إن ما أوجب شيئاً بخصوصه لا يمنع الأعم بعمومه«(1). وبناء على ما تقدم تبين جواز الاحتفال بالمولد في أي يوم أو في أي شهر أو في أي سنة على الإطلاق إضافة إلى دخول هذا الاحتفال في عموم الأدلة التي تحض على ذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي كثيرة كقوله سبحانه : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً، وسبحوه بكرة وأصيلاً، وقوله سبحانه: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً. وأختم هذا المختصر ببعض الأشعار التي وردت في النبي المختار، رجاء أن يحشرنا الله في زمرة محبيه. قال العارف بالله العلامة السيد أمين كتبي المكي الحنفي رحمه الله تعالى: لله ميلادك الغالي الذي سعدتْ == به البسيطة وانجابَتْ به الغِير يوم به طابت الدنيا فما طلعت == شمس على مثله فيها ولا قمر وقال في موطن آخر: أهلاً بطالع مولد المختار == بهر العقول بساطع الأنوار أهلاً بمقدمه وحيهلاً به == باليُمن والبركات والأسرار وقال في موطن آخر: يا ليلة الاثنين ماذا صافحت == يمُناك من شرفٍ أَشَمَّ ومن غنى كل الليالي البيض في الدنيا لها == نسب إليك فأنت مفتاح السنا فالقَدْر والأعياد والمعراجُ من == حسناتِك اللاتي بهرن الأعينا وحللت في التاريخ أشرف موضع == نادى برفعته الزمان وأعلنا وملأتِ عين الدهر منك محاسنا == وملأتِ سمعَ الدهر يا بشرى لنا يا ليلة طافت معاهد فضلها == بخيالنا وهْناً فأشرقتِ الدُّنا وُزِنَتْ مزيتُها بكل مزية == مرت على الدنيا فكانت أوزنا تم بحمد الله تعال   القول المبينْ في حُكْمِ عملِ مَولدِ سيِّدِ المُرسَلِينْ للعلامة الشيخ محمَّد مفتاح بن صالح التجاني الإبراهيمي بمناسبة حلول شهر المولد النبوي الشريف فإنه يسعدنا أن نقدم لكم كتاب "القول المبينْ في حُكْمِ عملِ مَولدِ سيِّدِ المُرسَلِينْ" للعلامة الشيخ محمد مفتاح ولد صالح التجاني الإبراهيمي -حفظه الله ورعاه-: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بدأ بأخذ العهد لنفسه على أرواح جميع بني آدم في عالم الذَّرِّ وأشهدهم على أنفُسهم واقرَّهم على اعتقاد الربوبية المطلقة له فقال جلّ من قائل: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِِّّيَّاتِهمِْْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) ، وثَنَّى بأخذ الميثاق لنبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء الذين هم صفوة خلقه فقال جلّ من قائل: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثمّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ َءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُــوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ( وصلى الله على النبي القائل: « بُعِثْتُ من خير قرون بني آدم قَرنًا قرنًا حتى بُعثتُ من القرن الذي كنتُ فيه» رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه. والقائل:« إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» رواه مسلم في صحيحه،عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه . وبعد فإنّه لما صار كلُّ من هبَّ ودبَّ من جهلة الحشويين يُبدِّع ويُفسِّق جماهير المسلمين المحتفلين بمولد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم سَرَّحتُ سَوامَ فكري في أدلة هؤلاء وهؤلاء فاستخلصتُ بعد تحقيق المَناط وسبر وتقسيم الأدلة على الأنماط أنّ حُجةَ المانعين لهذا العمل مبنيةٌ على عمومات ألفاظ وردت في أحاديث ذم البدع والمحدثات كحديث الشيخين عن عائشة مرفوعا: « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وحديث البخاري عن ابن مسعود موقوفا ومسلم والنسائي واللفظ له عن جابر مرفوعا« إنّ أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمّد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وحديث أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والبغوي والحاكم والطبراني وتمام الرازي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه مرفوعا « أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدًا حبَشِيًّا فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة », وما في معنى هذه الأحاديث وقد جهل هؤلاء أو تجاهلوا أن عموم هذه الأحاديث مُخَصَّصٌ بحديث مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعا « من سنّ في الإسلام سنَّةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن يُنقص من أجورهم شيءٌ ... الحديث» وبحديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا يَنقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا ... » قال الإمام النوويُّ في شرح مسلم ج6 ص 465 عند شرحه للحديث الأوّل ما لفظه: قوله صلى الله عليه وسلم «كل بدعة ضلالة» هذا عامٌّ مَخْصُوصٌ والمراد غالب البدع قال أهل اللغة : هي كلُّ شيءٍ عُمِلَ على غير مثالٍ سابقٍ قال العلماء: البدعةُ خمسة أقسام واجبةٌ ومندوبةٌ ومحرَّمةٌ ومكروهةٌ ومباحةٌ، فمن الواجبة: نظمُ أدلَّة المتكلِّمين في الردِّ على المَلاحدة والمبتدعين وشِبْهِ ذلك، ومن المندوبة: تصنيفُ الكُتُبِ وبناءُ المدارس والرُّبَطِ وغير ذلك قال : فإذا عُرِف ما ذكرتُه عُلِمَ أنّ الحديثَ من الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة ويؤكِّدُ ما قلناه قولُ عمر: نعمت البدعة. ولا يمنع كونَ الحديث عامًّا مخصوصًا قولُه كل بدعةٍ مؤكِّدًا ب (كل) بل يدخله التَّخْصِيصُ مع ذلك كقوله تعالى ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ(. وقال أيضاج7 ص86 عند شرحه للحديث الثاني ما لفظه: وفي هذا الحديث تَخْصِيصُ قوله صلى الله عليه وسلم: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة » وأَنَّ المرادَ به المحدثاتُ الباطلةُ والبدعُ المذمومةُ. قلت: وممن صرح أيضا بِتَخْصِيصِ عموماتِ هذه الأحاديث الأُبِّيُّ في شرح مسلم ج3 ص23 والسنوسي في الحاشية عليه والسيوطي في تعليقه على سنن النسائي ج3 ص82 والصنعاني في شرح بلوغ المرام ج 2 ص103 وابنُ عَلاَّنَ في شرح رياض الصالحين ج1 ص 439 عند شروحهم لحديث جابر وكذا الكرماني في شرح البخاري ج9 ص154 عند شرحه لحديث ابن مسعود وكذا الزرقاني في شرح الموطإ ج 2 ص238 عند شرحه لقول عمر " نعمت البدعة هذه". والحاصل: أنّ جمهورَ العلماء اتفقوا على أنّ البدع والمحدثات منقسمةٌ إلى قسمين: ممدوحٌ ومذمومٌ خلافًا لابن تيمية والشاطبي, قال الحافظُ بنُ حجرٍ في فتح الباري ج13 ص254 : قال الشافعي: البدعة بدعتان محمودةٌ ومذمومةٌ فما وافق السنة فهو محمودٌ وما خالفها فهو مذمومٌ. قال ابن حجر: وقد جاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال : المحدثاتُ ضربان ما أُحدث يخالف كتابًا أو سُنةً أو أثَرًا أو إجماعًا فهذه بدعةُ الضلال وما أُحدِث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك فهذه محدثةٌ غيرُ مذمومة . قلت: وقد احتجَّ الشافعيُّ لهذا بما في الموطإ وصحيح البخاري من قول عمر رضي الله عنه "نعمت البدعة هذه" قاله ابن رجب الحنبليُّ في جامع العلوم والحكم ص266 وقال المنذريُّ كما في تحفة الأحوذي ج7 ص438 وكذا ابنُ دقيق العيد في شرح الأربعين النووية ص75 وابنُ عَلاَّن في شرح رياض الصالحين ج1 ص415 وابنُ العربي في عارضة الأحوذي ج10 ص147 واللفظ له : اعلموا علَّمكم الله أنّ المُحدَثَ على قسمين مُحدَثٌ ليس له أصلٌ إلا الشَّهوةُ والعملُ بمقتضى الإرادة فهذا باطلٌ قطعًا, ومُحدَثٌ بحمل النظير على النظير فهذه سُنةُ الخلفاء والأئمة الفضلاء, وليس المحدَثُ والبدعةُ مذمومًا لِلَفْظِ مُحدَثٍ وبِدعةٍ ولا لمعناها, فقد قال تعالى: ) مَا يَأْتِــيهِم مِّنْ ذِكْــــرٍ مِّـن رَّ بِّهِمْ مُحْدَثٍ (، وقال عمر: نعمت البدعة هذه، وإنما يُذَمُّ من البدعة ما خالف السنّة ويُذَمُّ من المُحدَثِ ما دعا إلى الضلال. هذه عبارته. وقال ابنُ حجر في الفتح ج13 ص253 عند شرحه لحديث ابن مسعود ما لفظه : والمُحدَثاتُ بفتح الدال جمع مُحدَثةٍ ما أُحْدِثَ وليس له أصلٌ في الشرع ويسمى في عرف الشرع بدعةً وما كان له أصلٌ يدل عليه الشرعُ فليس ببدعةٍ, قال: والمراد بقوله: كل بدعةٍ ضلالةٌ ما أُحْدِثَ ولا دليل له من الشرع بطريقٍ خاصٍّ ولا عامٍّ. وقال في الفتح أيضاً ج 4 ص 254 عند شرحه لقول عمر: " نعمت البدعة هذه" ما لفظه: والتحقيق أنّها إن كانت مما يندرج تحت مُستحسَنٍ في الشرع فهي حسنةٌ وإن كانت مما يندرج تحت مُستقبَحٍ في الشرع فهي مُستقبَحَةٌ وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأقسام الخمسة. قلت: وبنحو هذا صرح أيضًا كلٌّ من الكرماني ج9 ص154 والعيني ج11 ص126 والقسطلاني ج3 ص426 في شروحهم لصحيح البخاري وكذا السيوطي ج1 ص137 والزرقاني ج1 ص238 في شرحيهما للموطأ وكذا الصنعاني في شرح بلوغ المرام ج 2 ص104 وابن عَلاَّنَ في شرح رياض الصالحين ج1 ص416 والعزُّ بنُ عبد السلام في قواعد الأحكام ج2 ص172 والقرافي في الذخيرة ج13 ص234 والشبرخيتي في شرح الأربعين النووية ص 159؛ 236 . هذا وقد وقفتُ على مقالٍ للحَدَّادِ المسَمَّى أحمد بن الكوري من موالي قبيلة السادة الشرفاء العلويين الموريتانيين نُشِرَ في جريدة القلم الموريتانية العدد213 الصادر بتاريخ 3 يونيو 2002 ذكَر فيه أنّ ابنَ كثيرٍ ذكَر في تاريخه : البداية والنهاية أن أوَّل من احتفل بالمولد النبوي الفاطميون. وهذا الذي عزا لتاريخ ابن كثير ليس فيه إطلاقًا, و الفاطميون كانوا يحتفلون بموالد كثيرة ولم يوافقهم أهل السنة على شيء منها إلا على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لكثرة ما اشتمل عليه من معاني تشهد لصحَّتها نصوصُ الشرع. ومن أوائل من احتفل به من علماء أهل السنة من أهل المشرق الشيخُ الصالحُ عمر المَلاَّ الموصلي المتوفى سنة 570 فقد ذكر الحافظ أبو شامة في حوادث سنة 566 من كتاب الروضتين في أخبار الدولتين أنّ الشيخ عمر المَلاَّ هذا كان رجلاً صالحًا وكان ذا معرفةٍ بأحكام القرآن والأحاديث النبوية وكان العلماءُ والفقهاءُ والملوكُ والأمراءُ يزورونه في زاويته ويتبركون بهِمَّتِهِ ويَتَيَمَّنُونَ ببركته، وكانت له كلَّ سنة دعوةٌ يحتفل بها في أيام مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر فيها صاحبُ الموصل ويحضر العلماءُ والشعراءُ وينشدون مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: ومن أوائل من احتفل بالمولد من علماء المغرب الفقيهان العالمان الأميران أبو العباس وابنه أبو القاسم العزفيان السَّبْتِيان وهما من الأئمة كما قال صاحب المعيار ج11 ص379. فأما الأول فقد قال عنه ابن حجر في تبصير المنتبه ج1 ص253: كان زاهدًا إمامًا مفنّنًا مُفْتِيًّا ألَّفَ كتاب المولد وجوّده مات سنة 633. وأمّا الثاني فقد قال عنه الزركلي في الأعلام ج5 ص223: كان فقيها فاضلا, له نظم أكمل الدر المنظم , في مولد النبي المعظّم من تأليف أبيه أبى العباس بن أحمد. مات سنة 677. قلت: وقد ذكر السيوطي في الحاوي للفتاوي ج1 ص 222: أن أوَّل من أحدث الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف صاحبُ إِرْبَلْ الملك المظفر أبو سعيد كُوكْبُرِي المتوفى سنة 633. فإن كان يعني بذلك أول من احتفل به من الملوك السُّنِّيينَ فذلك مسلَّمٌ له وإن كان يعني بذلك أول من أحتفل به مطلقا أو من احتفل به من علماء المسلمين فقد ورد في فتاوي الأزهر ج8 ص 255: عن المفتي الشيخ عطية صقر: أنّه كان يُحتفَل به بمصر فيما قبل سنة 488 . وتقدم أيضا أنّ الشيخ عمر المَلاَّ كان يحتفل به بالموصل قبل وفاته في سنة 570, وكُوكْبُرِي هذا إنما كان يحتفل به في مدينة إرْبَلْ بعد أن ولاَّه عليها صلاح الدين الأيوبي سنة 586 أي بعد وفاة الشيخ عمرا لمَلاَّ بستة عشر سنة. هذا وكنتُ قد نفيتُ في نُسخةٍ سابقةٍ من هذا البحثِ كونَ الفاطميين هُمْ أول من احتفل بالمولد النبوي الشريف وذكرتُ أنَّ أولَ من احتفل به هو الشيخ عمر المَلاَّ ثمَّ وقفتُ الآنَ على ما ورد في فتوى الأزهر السابقة من أنّه كان يُحتفَل به بمصر فيما قبل سنة 488، فأثبتُّهُ هنا، وحذفْتُ النَّفْيَ المذكور، فعلى من لديه نُسخةٌ قديمةٌ من هذا البحث أن يَرجِعَ إلى هذه النُّسخةِ فَهْيَ النُّسخةُ الصَّحيحةُ المُعتَمَدَةُ. ثم إنّ عمل المولد هذا وإن لم يكن قد عُمِلَ به في القرون المُزَكَّّاةِ فإنَّ جمهورَ المتأخرين من علماء الأمة قد دأب على العمل به واستحسانه وحصل شبهُ إجماع عليه من غير نكيرٍ مدَّةً من الزمن حتى جاء ابنُ تيمية والفاكهانيُّ وابنُ الحاج في القرن السابع الهجري فأنكر الأوَّلانِ أصلَ عمله وأنكر الثالثُ أُمورًا رآها تَحدُثُ في المولد في زمنه ولم يُنكِرْ أصلَ عمله. فأما ابن تيمية فإن العلماء لم يُعِيرُوا اهتمامًا لإنكاره عمل المولد لما هو معروف به عندهم من المُجازَفاتِ. وأمَّا الفاكهانيُّ فقد كتب في منعه فتوى قصيرةً لا تبلغ كُرَّاستين وهي عاريةٌ من الدليل الشرعي المُتَنَزِّلِ على القصد حيث لم يذكر فيها من القرآن إلا آية ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) وآية (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ولم يذكر فيها من الحديث إلا حديث « بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعود غريبًا», ولا يخفى أنّ هاتين الآتين والحديث لا دليل في شيء منهم على منع عمل المولد, ولو وجد الفاكهانيُّ دليلاًً شرعِيًّا مُتَنَزِّلاً على قصده لأتى به لأنّه في مقام الاحتجاج على المنع وما سوى هاتين الآتين والحديث من كلامه مجرد آراء له غير واردة في محلها وقد أتقن السيوطي بيان بطلانها حيث ساق الفتوى المذكورة بحروفها في الحاوي للفتاوى ج1ص223-224 ثمّ ردها حرفا حرفا وممَّا قال في ردِّهَا: أمّا قولُه " لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة" فيقال عليه: نفيُ العلم لا يلزم منه نفيُ الوجود وقد استخرج له إمامُ الحُفَّاظِ أبو الفضل أحمد بن حجر أصلاً من السنة واستخرجتُ أنا له أصلاً ثانيا وسيأتي ذكرهما بعد هذا. وقوله: " بل هو بدعةٌ أحدثها البطالون إلى قوله ولا العلماء المتدينون" يقال عليه : قد تقدم أنّه أحدثه ملكٌ عادلٌ عالمٌ وقصد به التقرب إلى الله تعالى وحضر عنده فيه العلماءُ والصلحاءُ من غير نكيرٍ منهم وارتضاه ابنُ دِحية وصنف له من أجله كتابًا, فهؤلاء علماء متدينون رضوه وأقروه ولم ينكروه. قلت: وقد قدمـتُ أنا أيضًا أنّ الملك المذكور سبقه إلى هذا العمل من أهل السنة رجلٌ صالحٌ عارفٌ بأحكام القرآن والحديث وحضر عنده فيه العلماءُ من غير نكيرٍ منهم , وكان ذلك تحت إمرةِ مَلِكٍ سُنِّيٍّ مُتَّبِعٍ للآثار النبوية صحيحِ الاعتقاد واقفٍ عند حدود الشرع. وأما ابن الحاج فقد أنكر أمورًا رآها تَحدُث في الاحتفال بالمولد في زمنه ولم يُنكِرْ أصلَ عمله فقد قال في المدخل ج2 ص2-3 بعد أن أنكر استعمال آلة الطرب في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ما نصه : فكان يجبُ أن يُزاد فيه ـ يعنى شهر المولد ـ من العبادات والخير شُكرًا للمولى سبحانه وتعالى على ما أولانا من هذه النِّعَم العظيمة وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات وما ذاك إلا لرحمته صلى الله عليه وسلم بأمته ورفقه بهم لأنَّه عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل خشية أن يُفرَض على أمّته رحمةً منه بهم كما وصفه المولى سبحانه وتعالى في كتابه (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ), لكن أشار صلى الله عليه وسلم إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله صلى الله عليه وسلم للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين فقال له صلى الله عليه وسلم: «ذلك يوم ولدت فيه», فتشريف هذا اليوم متضمِّنٌ لتشريف هذا الشهر الذي وُلد فيه فينبغي أن نحترمَه حق الاحترام ونُفضِّله بما فضَّل الله به الأشهر الفاضلة وهذا منها لقوله صلى الله عليه وسلم أنا سيِّدُ ولد آدم ولا فخر ولقوله صلى الله عليه وسلم آدمُ ومن دونه تحت لوائي. قال السيوطي في الحاوي للفتاوي ج1 ص228 بعد أن نقل الكلامَ المتقدِّمَ وغيرَه من كلام ابن الحاج ما نصُّه : وحاصلُ ما ذكره أنَّه لم يذُمَّ المولدَ بل ذَمَّ ما يحتوى عليه من المحرَّماتِ والمُنكَراتِ, وأولُ كلامه صريحٌ في أنَّه ينبغي أن يُخَصَّ هذا الشهرُ بزيادة فعل البرِّ وكثرةِ الخيراتِ والصدقاتِ وغيرِ ذلك من وجوه القُرُباتِ, وهذا هو عمل المولد الذي استحسناه, فإنَّه ليس فيه شيءٌ سوى قراء ة القرآن وإطعام الطعام وذلك خيرٌ وبِرٌّ وقُربةٌ, وأمّا قوله آخِرًا إنّه بدعةٌ فإمَّا أن يكون مُناقِضًا لما تقدم أو يُحمَل على أنّه بدعةٌ حسنةٌ كما تقدَّم تقريره في صدر الكتاب, أو يُحمَل على أنَّ فعلَ ذلك خيرٌ والبدعةُ منه نِيَّةُ المولد كما أشار إليه بقوله: فهو بدعةٌ بنفس نيَّته فقط، وبقوله: ولم يُنقل عن أحد منهم أنَّه نوى المولد, فظاهرُ هذا الكلام أنَّه كره أن ينوى به المولدَ فَقَطْ ولم يَكرَهْ عمل الطعام ودُعاء الإخوان إليه, وهذا إذا حُقِّقَ النظرُ لا يجتمع مع أول كلامه لأنَّه حثَّ فيه على زيادة فعل البِرِّ, وما ذكر معه على وجه الشكر لله تعالى, إِذْ أوجد في هذا الشهر الشريف سيدَ المرسلين صلى الله عليه وسلم وهذا هو معنى نيَّة المولد فكيف يَذُمَّ هذا القدر مع الحثِّ عليه أوَّلاً, وأمَّا مجرَّد فعل البِرِّ وما ذكر معه من غير نيَّة أصلاً فإنَّه لا يكاد يُتَصَوَّرُ، ولو تُصُوِّرَ لم يكن عبادةً ولا ثوابَ فيه, إذ لا عمل إلا بنيَّةٍ، ولا نيَّةَ هنا إلاَّ الشكرُ لله تعالى على وِلادةِ هذا النبي الكريم في هذا الشهر الشريف, وهذا معنى نِيَّةِ المولد فهي نِيَّةٌ مُستحسَنةٌ بلا شكٍّ فتأمَّلْ. قلت: ومن الأكاذيب الواضحة ما قاله صاحبُ المقال المتقدِّمِ في جريدة القلم في عددها المذكور ولفظه: قال أبو الوليد الباجي إمام المالكية: "لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتابٍ ولا سنّةٍ ولا ينقل عمله عن أحدٍ من علماء الأمّة الذين هم القدوة في الدين بل هذا بدعةٌ أحدثها البطّالون". قلت: هذا ليس من كلام الباجي إطلاقًا وإنّما هو من كلام الفاكهاني المذكور آنفا دلَّس فيه هذا الجاهل المتنطع وتعمَّد عزوَهُ للباجي كَذِبًا لكي يعطيه دَفْعًا أكبرَ عند السامع حيثُ إنَّ الباجي إمامٌ حافظٌ فقيهٌ أُصوليٌّ جدليٌّ و الفاكهانيُّ فقيهٌ مشارِكٌ متأخّرٌ عن الباجي بنحو قرنين ونصفٍ من الزمن. ثمّ إنّ هذا المتنطع مع تدليسه في هذا الكلام تصرَّف فيه وحذف منه البعض وهو قول الفاكهاني " المتمسكون بآثار المتقدمين" بعد قوله: " ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين". وأما حُجَّةُ القائمين بإحياء ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم من القرآن فمنها: قوله تعالى ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أ نــبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) وقوله تعالى ( وَذَكِّرْهُمْ بِأَ يَّــمِ اللَّهِ ) وقوله تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) وقوله تعالى: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ ) وقوله تعالى: ( وَمُبَشِّرا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) وقوله تعالى: ( وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) وقوله تعالى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا). ففي الآية الأولى: دليلٌ على أنَّ الاستماع لقصص أنباء الرسل يثبِّتُ اللهُ به فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم فنكون نحن أحوج إلى تثبيت أفئدتنا على الإيمان به وترسيخ محبته في قلوبنا بما يُقَصُّ علينا في موسم مولده المبارك من معجزاته وفضائله صلى الله عليه وسلم. وفي الآية الثانية: الأمر بتذكير المؤمنين بأيام الله " وأيامُ الله نعماؤُهُ وبلاؤُهُ" كما في الصحيحين عن ابن عبّاس مرفوعًا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظمُ نعمةٍ أنعم الله بها على المؤمنين، قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ )، ومع ذلك هو البلاء على الكافرين من طريق النظر لأنّ الله جعل تعذيبَهم معلَّقًا على بعثته صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). وفي الآية الثالثة: دليل على أنّه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وقد أخرج الحاكم في المستدرك وصحّح إسناده وأقرّه الذهبي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «يا أيّها الناس إنّما أنا رحمةٌ مهداةٌ». وفي الآية الرابعة: الأمر بالفرح بفضل الله وبرحمته فيكون الفرح بمولده صلى الله عليه وسلم مأمورًا به شرعًا بهذا الاعتبار لأنّه فضلٌ من الله على المؤمنين ورحمةٌ منه لهم وقد جعل الله ظهور ما أمده الله به من المعجزاتِ في عالَمِ الغيب مَنوطًا بظهور جسمه الشريف في عالَمِ الشهادة، ولا شكَّ أنَّ الفرح بمعجزةٍ واحدةٍ على انفرادها من أحسن مقاصد الشرع لدلالته على كمال الإيمان بمن ظهرت على يديه من الأنبياء فكيف بنا إن كان فرحُنا بظهور جسمه الشريف صلى الله عليه وسلم الجامع لجميع المعجزات المتفرقة في الأنبياء. وفي الآية الخامسة: أنَّ عيسى عليه السلام بشَّر به صلى الله عليه وسلم، وقد جاء فيما رواه أحمد في المسند ج4 ص127 والطبراني والبزَّار وابن حبَّان وصحّحه والبيهقي في الدلائل والحاكم في المستدرك ج2 ص600 وصحّح إسناده وأقرّه الذهبي كلّهم عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «إني عند الله خاتم النبيئين وإنّ آدم لمنجدلٌ في طينته وسأخبركم عن ذلك دعوةُ أبي إبراهيم وبشارةُ عيسى بي ورؤيا أمِّي التي رأت وكذلك أمّهات النبيئين يرين وإنَّ أمَّ النبي صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورًا أضاء ت له قصورُ الشام». وفي الآيتين السادسة والسابعة: أنّ الله سلَّم على بعض أنبيائه في أيَّام مواليدهم وأيَّام موتهم وأيَّام بعثهم وما ذلك إلاّ من تعظيمه لشأنهم في تلك الأحوال وتعظيمه لشأن تلك الأيام ويدل على صحة هذا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لمّا تكلَّم على فضائل يوم الجمعة بدأ بذكر فضيلة خَلْقِ آدم فيه -كما في صحيح مسلم- فقال: «أفضلُ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خُلقَ آدم »، فدلَّ هذا الحديثُ على أنَّ أفضليةَ يومِ الجُمُعةِ حصلَتْ له بالدرجة الأولى بخَلْقِ آدم فيه. وفي صحيح مسلم أيضا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال « فيه ولدت وفيه أُنزِلَ علي »، فبدأ بذكر فضيلة مولده صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم ثمّ ثنَّى بذكر فضيلة نزول القرآن عليه فيه وفي هذا الحديث أنّ الله فضَّلَ يوم الاثنين لكونه يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اختَصَّ يومَ مولده ببعض العباداتِ وقد أخرج الحاكم في مستدركه وصحّحه ووافقه الذهبي أنَّ العبَّاسَ بنَ عبد المطلب رضي الله عنه امتدح النبي صلى الله عليه وسلم بقطعة قال فيها: وأنت لَمَّا وُلدت أشرقت الأَرْ= = ض وضاء ت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي الـنـْ = = نُـور وسُبْلِ الرشاد نخترق. وقال حسان بن ثابت في إحدى قصائده التي يرثي بها النبي صلى الله عليه وسلم كما في تاريخ بن كثير ج5 ص280: وبالجمرة الكبرى له ثَمّ أَوْحَشَتْ = = ديارٌ وعَرْ صاتٌ وربعٌ ومولدُ وفي دلائل النبوة للبيهقي ج1 ص 120 والدلائل لأبي نعيم ص96 وسيرة بن هشام ج1 ص11 وتاريخ الطبري ج3 ص131 أنَّّه صلى الله عليه وسلم لمَّا وُلِدَ ارتجَّ إيوانُ كسرى وسقطت منه أربعَ عشرةَ شُرْفَةً من شُرَفِهِ وخمدت نارُ فارسَ ولم تخمد قبل ذلك بألفِ عامٍ وغاضت بحيرةُ سَاوَةَ. وقال الحافظ ابن كثير في كتابه مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 52 بعد كلامٍ مانصّه : والمقصود الآن أنّ ليلة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ليلةً شريفةً عظيمةً مباركةً سعيدةً على المؤمنين طاهرةً ظاهرةَ الأنوار جليلةَ المِقدَارِ أبْرَزَ الله فيها الجوهرةَ المصونةَ المكنونةَ التي لم تزل أنوارُها مُنتقِلَةً من كل صُلبٍ شريفٍ إلى بطنٍ طاهرٍ عفيفٍ من نكاحٍ لا من سِفاحٍ من لَدُنْ آدمَ أبي البشر إلى عبد الله بن عبد المطلب ومنه إلى آمنةَ بنت وهبٍ الزهرية فولدته في هذه الليلة الشريفة المنيفة فظهر له من الأنوار الحسِّيَّةِ والمعنوية ما بَهَرَ العقولَ والأبصارَ كما شهدت بذلك الأحاديثُ والأخبارُ عند العلماء الأخيار، هذه عبارته. وأمّا أدلَّةُ عمل المولد الشريف من السنة فمنها ما ذكره السيوطي في الحاوي للفتاوي ج1ص229 -230، فقال ما لفظه: وقد سُئل شيخُ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل أحمد بن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصُّه: أصلُ عمل المولد بدعةٌ لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة الأولى ولكنَّها مع ذلك قد اشتملت على محاسنَ وضدَّها فمن تحرَّى المحاسن وتجنَّبَ ضِدَّهَا كان بدعةً حسنةً وإلا فلا، قال وقد ظهر لي تخريجُها على أصلٍ ثابتٍ وهو ما ثبت في الصحيحين أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قدِمَ المدينة فوجد اليهودَ يصومون يومَ عاشوراءَ فسألهم، فقالوا: "هو يومٌ أغرق الله فيه فرعون ونجَّى موسى فنحن نصومه شكرًا لله تعالى". فيُستفادُ منه فعلُ الشكر لله على ما منَّ به في يومٍ معيَّنٍ من إسداء نعمةٍ أو دفع نقمةٍ ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كلِّ سنةٍ، والشكرُ لله يحصُـلُ بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأيُّ نعمةٍ أعظم من النعمة ببروز هذا النبيّ نبيّ الرحمة في ذلك اليوم؟ وعلى هذا فينبغي أن يُتحرى اليومُ بعينه حتى يُطابق قِصَّةَ موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يُلاحظ ذلك لا يبالي بعملِ المولد في أي يوم من الشهر بل توسع قومٌ فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا ما يتعلَّق بأصل عمله. وأما ما يُعمَلُ فيه فينبغي أن يُقتصَر فيه على ما يُفْهِمُ الشكرَ لله تعالى من نحو ما تقدَّم ذكرُه من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيءٍ من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعملِ للآخرة، وأما ما يَتْبعُ ذلك من السَّماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحًا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، وما كان حرامًا أو مكروهًا فيُمنَعُ وكذا ما كان خلاف الأولى. هذه عبارة الحافظ ابن حجر ثمّ قال: السيوطي عقبها: قلت: وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد النبوة مع أنَّه قد ورد أنَّ جده عبد المطلب عقَّ عنه في سابع ولادته والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيُجعل ذلك على أنَّ الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهارٌ للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريعٌ لأمَّته كما كان يصلِّي على نفسه لذلك فَيُستَحبُّ لنا أيضًا إظهارُ الشكر بمولده بالاجتماعِ وإطعامِ الطعامِ ونحوِ ذلك من وجوهِ القُرُباتِ وإظهار المَسرَّاتِ، هذه عبارة السيوطي. قلت: وقد ظهر لي أنا تخريجُ عملِ المولد على أصلٍ ثالثٍ وهو ما ثبت في الصحيحين: " عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قُباءَ كل سَبْتٍ راكبًا وماشيًّا". قال ابن حجر في الفتح ج3 ص69 ما لفظه: وفي هذا الحديث على اختلاف طرقه دلالةٌ على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة والمداومة على ذلك. وقال القسطلاني في المواهب اللدنية ج1 ص261 ما لفظه: ولا زال أهلُ الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه الصلاة والسلام ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويُظهرون السرور ويزيدون في المَبرَّاتِ ويعتنون بقراء ة مولده الكريم ويَظْهَرُ عليهم من بركاته كلُّ فضلٍ عميمٍ. هذا وبعضُ المتنطِّعين اليوم يقولون إنّ من احتفل بميلاده صلى الله عليه وسلم يوم الثّاني عشر من ربيع الأوّل فقد احتفل بتاريخ وفاته صلى الله عليه وسلم أيضا. والحقيقة أن القول باتِّفاق تاريخ المولد والوفاة قولٌ باطلٌ ؛ بل تاريخهما متغايرٌ تغايرًا يُثبته ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم من حديث طارق بن شهاب رضي الله عنه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ ، قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عًلًيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، قال عمر: « قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة». قلت: وبناء على هذا الحديث الصّحيح : فإنه لا شك في نزول الآية الكريمة يوم:( الجمعة 9 من ذي الحجة)، كما أنّه لا خلاف عند العلماء في وفاته صلى الله عليه وسلم ( في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول)، وكما لا خلاف حسابيًّا في استحالة موافقة(12 ربيع الأول) ليوم الاثنين(يوم وفاته صلى الله عليه وسلم )، لأن أيَّام الاثنين الأوائل من ربيع الأوّل الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم توافق(6 و13) منه على افتراض كمال كلٍّ من شهر ذي الحجة ومحرم وصفر:(30 يوما)؛ وتوافق(7 و14) منه، على افتراض كمال اثنين من هذه الأشهر، وتوافق(1 و8 و15) منه، على افتراض كمال أحدها. وتوافق (2 و9 و16) منه، على افتراض نقصان الأشهر الثلاثة جميعا: (29 يوما). وعليه يستحيل أن يكون ثاني عشر ربيع الأول من العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم غير يوم الأحد أو السبت أو الجمعة أو الخميس. ولا توجد صورة أخرى تحتمل كونه يوم الاثنين. قلت: وبجميع ما تقدم يتبين بجلاءٍ لكلِّ منصفٍ يعلم مقاصد الشرع أنّ عمل المولد الشريف مخرَّجٌ على أُصولٍ ثابتةٍ من كتاب الله وصحيح سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنّ إحياء ليلة مولده صلى الله عليه وسلم ويومِها كلَّ سنةٍ بصالح الأعمال شكرًا لله على نعمته ببروز جسم سيِّدِنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مع مُراعاةِ الحدود الشرعية في هذا العمل من أفضل القُرُبَاتِ لما فيه من التَّعرُّضِ لنفحاتِ الرَّبِّ في فاضلِ الأوقاتِ، ولكون هذا العمل مشتمل على كثير من المعاني التي نصّت عليها نصوص الشّريعة وشهدت بصحّتها؛ مثل: ذكر الله تعالى وتلاوة ما تيسّر من القرآن والدّعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم , وذكر بعض معجزاته وصفاته وفضائله صلى الله عليه وسلم؛ وإنشاء وإنشاد ما تيسر من مدائحه صلى الله عليه وسلم. وإنفاق ما تيسّر من المال، فهذه الأعمال مطلوبةٌ شرعاً في أغلب أوقات كلّ مسلمٍ ولا يمكن بحالٍ من الأحوال استثناء زمن مولده صلى الله عليه وسلم من أوقات مطلوبيتها، ثمّ إنّ العلماء الذين نصروا عمل المولد واستنبطوا له الأصول الشرعية الّتي ينبني عليها، قد فرّقوا بين حكم أصل عمله وحكم المخالفات الّتي قد تقع في بعض الأماكن أثناء الاحتفال به، فاستحسنوا أصل العمل واستصوبوه وردّوا المخالفات الشّرعية ومنعوها. فلا وجه إذًا لإنكار إظهار البشر والاحتفاء والاحتفال به في ليلة مولده صلى الله عليه وسلم التي أجمع العلماء على فضلها وعلى استحباب رصد اللّيالي والأيّام الفاضلة من كلّ سنةٍ للإكثار من أعمال الخير فيها. وقد رجّح كثيرٌ من العلماء كونَها أفضل من ليلة القدر كما ذكر المفتي الشيخ: عطية صقر في فتاوى الأزهر (ج10 ص189). وممن نصّ على ذالك ابنُ مرزوق في جنا الجنّتين في فضل اللّيلتين كما في المعيار(ج11، ص280). وكذا الشّرواني في حاشيته على تحفة المحتاج (ج2 ص405) وإسماعيل حقّي في روح البيان في تفسير القران( ج 6 ص 340) وغيرهم. وبالله التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق. الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف بين كونه عبادة أو شعيرة من شعائر الإسلام للأستاذ الدكتور أحمد محمد نور سيف المدير العام لدار البحوث الإسلامية بدبي من الشبه التي يكثر إيرادها: قولهم: إن الاحتفال بذكرى المولد عبادة، وقولهم: المولد عيد، وليس في الإسلام إلا عيد الأضحى وعيد الفطر.. وفي هذا البحث يقدم لنا العلامة الدكتور أحمد محمد نور سيف تأصيلاً شرعياً لكون المولد من شعائر الإسلام. قال فضيلته: يقول الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله ِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) (الحج:30)، (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّه ِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32) . الحرمات: جمع حُرُمة - بضمتين - وهو ما يجب احترامه . والاحترام: اعتبار الشيء ذا حَرَم - كناية عن عدم الدخول فيه، أي عدم انتهاكه بمخالفة أمر الله في شأنه، تعظيماً كان أو تعظيماًَ وعبادة، إذ ليس كل معظم في نظر الشارع معبوداً، أمَّا المعبود أو المتعبد به فهو عند الشارع لا بد أن يكون معظماً - والحرمات يشمل كل ما أوصى الله بتعظيم أمره، فتشمل مناسك الحج كلها. والذي يظهر أن الحرمات يشمل الهدايا، والقلائد، والمشعر الحرام، وغير ذلك من أعمال الحج . كالغسل في مواقعه، والحلق ومواقيته ومناسكه . والشعائر: جمع شعيرة ؛ المعلم الواضح، مشتقة من الشعور. وشعائر الله لقب لمناسك الحج . جمع شعيرة بمعنى مشعرة، أي معلمة بما عينه الله . لذا فجملة (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ) أخص من مضمون جملة (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ)، وذكر الأخص بعد الأعم للاهتمام، فكل ما أمر الله به، بزيارته أو بفعل يوقع فيه فهو من شعائر الله، أي مما أشعر الله الناس وقرره وشهره، كما في قوله تعالى:(إِنََّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله) (البقرة:158)، وهي معالم الحج؛ الكعبة، والصفا والمروة، وعرفة، والمشعر الحرام، ونحوها من معالم الحج. (انظر التحرير والتنوير 17/256). والعبادة: فعل يدل على الخضوع أو التعظيم الزائدين على المتعارف عليه . وفي الشرع: فعل ما يرضي الرب من خضوع وامتثال واجتناب، أو فعل ما يحبه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. وهو بذلك يشمل: - ما كان الاستجابة فيه لأمر فرضاً كان أو مستحباً. - أو الامتناع عما كان النهي عنه تحريماً أو كراهة. - أو مباحاً انقلب بنية إلى مطلوب أو محظور. - أو دلَّ الدليل على تعظيمه من الشارع، وهذا الأخير لا تتحقق فيه صفة العبادة بملاحظة قصد الشارع من التعظيم لذاته، وإنما العبادة تأتي من جهة وجوب ارتباط التعظيم من العبد لما عظم الخالق. فإذا أشار الدليل إلى منزلة معتبرة ومعظمة عند الشارع لمكان، أو فعل فيه، أو زمان، أو ذات، طلب من العبد أن يلتزم بما التزم الشرع به من هذا التعظيم، فكان عبادة بهذا المعنى . وفارق هذا النوع غيره من الأنواع الأخرى التي هي مطلوبة من الشارع قصداً فعلاً أو تركاً، كالصلاة والزكاة وفعل النوافل، أو اجتناب الزنا والمسكرات أو المكروهات، فهذا الامتثال عبادة مقصودة من الشارع. ولذا فما روعي موقف الشارع منه لاعتبار من الاعتبارات، لا يصدق فيه صفة العبادة على الحقيقة، فليس تعظيمنا للكعبة مثلا لكونها حجارة مرصوصة في شكل من الأشكال، أو البُدْن لأنها لحيوان من لحم ودم، وإنما من جهة ارتباطها بتعظيم الشارع لها ، لارتباطها بمعنى معظم عند الشارع ، فلزم العبد تعظيمها وإن لم يكن عابداً لها. وهذه صفة الشعيرة المعظمة عند الشارع، فلم يأمر الشرع بعبادتها ولا التذلل لها، وإنما أمر بأن تكرم وتعظم لمعنى فيها أراده الشارع . فالكعبة، والصفا والمروة، والبُدْن من شعائر الله، ومن حرماته، ومن معالم الإسلام، جعل الشارع منها رموزاً للتكريم والإجلال لا لذاتها، وإنما لملاصقتها وملازمتها أمراً معظماً عند الله وهو العبادة . قال الإمام الفخر الرازي (23/24/32) في التفسير الكبير: والأصل في الشعائر الأعلام التي بها يعرف الشيء ويكون وسيلة إلى رحمة الله تعالى؛ فتعظيم شعائر الله تعالى أن يعتقد أن طاعة الله تعالى في التقرب بها، فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة لما يحتوي عليه الاحتفاء من تعريف الأمة بقدر هذا النبي صلى الله عليه وسلم، من خلال شمائله، وسرد سيرته نثراً أو شعراً، وغرس محبته وإجلاله في قلوب المسلمين، والدعوة إلى التأسي والاقتداء به . ومن هنا يتضح الفرق بين الشعيرة والعبادة، فالشعيرة أعم والعبادة أخص، فكل عبادة شعيرة، وليس كل شعيرة عبادة. فالشارع أمرنا بتعظيم البيت الحرام، وبناء المساجد، وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، ولم يأمرنا بعبادة الكعبة، ولا بعبادة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بعبادة المساجد، ولا بعبادة أصحابه والصالحين من عباد الله، مع أن توقيرهم واجب واحتقارهم كفر لأنهم يمثلون الدين، وكذلك طباعة المصحف، والتذلل للأبوين والمؤمنين، تعد من شعائر الله وليس ذلك عبادة لتلك الشعائر. فالمولد النبوي بهذا المقتضى يعتبر شعيرة من شعائر الدين، بل هو الدين؛ لأنه يحكي سيرة الأمين صلى الله عليه وسلم، فالقرآن الكريم هو خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل دستور الإسلام، وقد مثله رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل تمثيل في ذاته وفي حياته، وفي مجتمعه، فحينما نحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم إنما نحتفل بالقرآن الذي يحمل قيم وأخلاق الإسلام العظيمة. وبهذا يعتبر مظهراً من مظاهر الدين، وشعيرة من شعائره، ووسيلة مشروعة لبلوغ محبة الله عز وجل (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين» . فلا يكون الاتباع إلا بمعرفة، ولا تكون المعرفة إلا بالذكر والتذكير والتعريف والبيان، بأي وسيلة عرفها الإنسان بحسب مقتضى كل عصر ومجتمع، وليس في الشريعة ما يمنع من الاستفادة من وسائل التعريف والبيان المستجد في كل عصر ومصر، بحيث لا يصطدم بحكم أو نص شرعي مقرر، وقد جاءت القاعدة الأصولية في هذا البيان أن الوسائل لها حكم المقاصد، إذا كان المقصد شرعياً. أمَّـا تشبيه المـولد النـبوي بالعيـدين، وبما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «لقد أبدلنا الله بعيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى» فتشبيه للشيء بغير جنسه، واستدلال في غير محله . وذلك أن الله أبدل الأمة الإسلامية بعيدين بدلا من عيدين أو أعياد كان المشركون وأهل الكتاب يتعبدون بها، فرحاً بتلك العبادة الشركية أو الكفرية التي كانوا يتعبدون بها ويقيمون الأفراح تعبداً بها، كعيد النيروز عند الفرس عبدة النار، والمهرجان، وغيرهما من طقوس العبادة والتقرب إلى غير الله. فاختار الإسلام بدلاً من ذلك فرحاً للمسلمين بعبادتين عظيمتين هما: ختام الصيام، وختام الحج، فكانا عيدين لا مثيل لهما، وكانا عبادتين تؤديان فيهما الصلاة ويعلن فيهما بأسباب الفرح . قال ابن حجر رحمه الله في كتاب العيدين، في شرحه لحديث الجـاريتين المغنيـتين في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنكار أبي بكر عليهما، وقــوله صلى الله عليه وسلم: «دعهما»: «عَرَّفه الحكم مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد، أي يوم سرور شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر في الأعراس».الفتح (116/3) . فأين هذا الأمر من الفرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، أو الفرح بالأعراس، أو الفرح بعودة الحاج، أو الفرح بختم القرآن والاجتماع لذلك والفرح به، وبذل الخير والمعروف شكراً لله على تلك النعم، ولو لم تكن عبادة في ذاتها، إنما سبب للفرح بنعمة الله تعالى المتجددة (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) . ولذا قررنا سابقاً أن هناك فرقاً كبيراً بين ما شرع في أصله عبادة، وبين ما عظمه الشارع وأمر بتعظيمه وإظهار الفرح به، وليس في أصله عبادة، وإنما يأخذ صورة العبادة في رضى الله سبحانه ومحبته لمن عظَّم ما عظَّم الله سبحانه، وفرح بما أمر الله أن يفرح به من محابه وتعظيم شعائره، وأن ذلك من تقوى القلوب . ولذا فلا مدخل للابتداع في مثل ذلك، ولا تتضح هذه الصورة لعقلاء القوم إلا ويذعنوا بصوابها، ويكفي هذا لمن ألقى السمع وهو شهيد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. المصدر: نشرة (صدى الدار) التي تصدر عن قسم الإعلام والتوثيق بدار البحوث الإسلامية بدبي، العدد (17) ربيع الأول 1426 هـ- أبريل 2005   اللآلي السنية في مشروعية مولد خير البرية تأليف فضيلة الشيخ عثمان بن الشيخ عمر بن الشيخ داود الشافعيّ الصومالي العَيْل طَيْريّ راجعه وصححه الشيخ عبد الناصر علي حسين الطبعة الثانية ربيع الأول سنة 1428هـ مقدمة الطبعة الخامسة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصبحه أجمعين وبعد: فهذه هي الطبعة الخامسة من كتاب اللآلي السنية في مشروعية مولد خير البرية الذي حظي باستحسان كثير من الناس في كثير من البلدان الإسلامية، فبعد أن نفدت نسخ الطبعة الرابعة رأيت إعادة طبعه خدمة وتلبية لرغبة الراغبين، وتمتاز هذه الطبعة بتنقيح وزيادات في بعض المواضع لما فيها من الفوائد الجمة، واللطائف المهمة، التي لا يستغني عنها القارئ، وذلك لسد حاجات الراغبين أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الزيادات رأي ابن تيمية الذي ينتمي إليه كثير من المنكرين للإحتفال بالمولد النبوي، كما قمت بإضافة أسماء كثير ممن ألفوا في المولد النبوي زيادة على ما ذكرته في الطبعة السابقة، وتحتوي هذه الطبعة أيضا على قصيدة في ذكر محاسن الإحتفال بالمولد والرد على المانعين من إقامته. وأرجو من الله جلت قدرته وتعالت حكمته أن ينفع بـهذا الكتاب ويجعله في كف حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير . وبالله التوفيق مقدمة الطبعة الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمين. أما بعد: فهذه هي الطبعة الثالثة من كتاب "اللآلي السنيّة في مشروعيّة مولد خير البريّة" تأليف الشيخ عثمان بن الشيخ عمر بعد أن نفدت طبعته الأولى في مدة وجيزة، وقد امتازت هذه الطبعة بتفصيل القول في احتفال الملك الظاهر برقوق للمولد النبوي، ورد ما قيل من أن الفاطميين أول من بدأوا الاحتفال للمولد النبوي، بالإضافة إلى تصحيح أخطاء كانت في الطبعة الأولى. والله ولي التوفيق. المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنار الكونين بميلاد أشرف الأولين والآخرين، وإمام الأنبياء والمرسلين، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل مولد سيد الورى، ببطن مكة أم القرى، وأبرزه في الثاني عشر من أول الربيعين، فكان ربيعا للقلوب وغياثا للمؤمنين، والصلاة والسلام على من أنقذ به الله الخلائق أجمعين، سيدنا محمد قرة العيون، ونور القلوب، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن قدر الله قد جرى، وقضاءه قد مضى، على اختلاف الناس وتفرقهم شيعا وأحزابا، وكل حزب بما لديهم فرحون، قال تعالى: ((ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك)) وإننا في زمان تفاقمت فيه الأمور، والتبس فيه الحق بالباطل، واستوى فيه الجوهر والمدر، والدر والبعر، والعلماء والفجر، كثرت فيه الخطباء، وسادت فيه الجهلاء، وانتهكت الحرمات، وابتذلت الشعائر المأمورة بتعظيمها، وظهرت طوائف تأخذ كل بضاعة مزجاة، وتلتقط كل مغشوشة ساقطة، يراها الناقد أنـها مزيفة، وسميت الطغاة دعاة، والرعاة قضاة، والأكارع رؤوسا، والأجلاء أجلافا. لقد شاع واشتهر في بلاد المسلمين وقراها شرقا وغربا إقامة الاحتفال للمولد النبوي في شهر ربيع الأول من كل سنة، وابتكر ذلك الملك المظفر، ولم يكن بينهم خلاف في ذلك أصلا فيما أعلم، ومضى الأمر على ذلك أكثر من مائة سنة، ثم أفتى الفاكهاني من المالكية بمنعه، ورده آخرون من أئمة الدين، ولا زال العلماء يستحسنون إقامة الحفلات لمولده صلى الله عليه وسلم واقتدى بـهم الناس، ومضت على ذلك القرون. ثم أتى بلادنا في القرن الرابع عشر الهجري أفراد يهتفون، ويدعون الناس إلى التمسك بالكتاب والسنة النبوية – وما أحسن ما دعوا إليه لو صدقوا فيه- ولما استمالوا بذلك قلوب العامة طفقوا يدعون الناس بعزم قوي وهمة عالية إلى ما ليس في الكتاب والسنة من تحريم السفر إلى زيارة القبور، بما فيها قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنع التوسل بالأنبياء والصالحين، وجعل الطلقات الثلاث واحدة وغير ذلك من العجائب والغرائب، فاتضح للعلماء أنـهم يروجون بضاعتهم الكاسدة باسم الكتاب والسنة، فوقعت المناظرات، وارتفعت الثقة والألفة والترابط الإسلامي فيا لها من بلية ورزية !! وكان من بين ذلك إنكار الاحتفال للمولد النبوي، فقد منعوه وبدّعوا كل من احتفل له، ورموا عليه كل قبيح وشنيع، بل قيل: إن المتنطعين منهم يقولون: إن الاحتفال بالمولد شرك، وإن المحتفلين له مشركون، ولايقتصرون على ذلك الإنكار بل يسبون من لا يوافقهم في هواهم، وربما يتسبب عن ذلك القتال وإراقة الدماء المحقونة، بل وقع ذلك فعلا في بعض الأماكن كما حقق لي كثير من الثقات، بل قد وقع في بلدتنا ما كاد أن تـهلك به خلائق من أجل مسألة المولد النبوي، وكان ذلك بحضور المشايخ الكبار مثل أستاذي العلامة الشيخ عبد الله بن الشيخ داود وغيره. ولما بلغت مشكلة هذه المسألة إلى هذا الحد المذكور أحببت أن أكتب فيها رسالة صغيرة، وإن كان فيما كتبه الأئمة الأجلة مقنع وكفاية، تشبها مني بـهم، وتطفلا على مائدتـهم، إذ قيل:إن طفيلي الكرام يكرم ولا أذكر فيها كثيرا من الأدلة، بل أكتفي منها غالبا على ما هو نص صريح فيما يستدل به على المولد، ويستوي في فهمه الفطن والبليد، وآمل أن ينتفع بـها كل من تلقاها بقلب سليم، أو تأملها بعقل متحرر عن التعسف والتعصب، وتجرد عن الحمية والأنفة من الانقياد للصواب. وأرجو من الله الكريم ذي الفضل والإنعام أن يتقبلها مني بفضله وإحسانه، فإنه نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. تـمهيد في ذكر موضع ولادته صلى الله عليه وسلم ويومها وعامها وشهرها،وفي أول من أحدث المولد النبوي صلى الله عليه وسلم. اعلم أنـهم اختلفوا في الموضع الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال، والراجح أنه صلى الله عليه وسلم ولد في الدار المعروفة بدار محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف. واعلم أن موضع ميلاده عليه الصلاة والسلام مكان مبارك، يتبرك بزيارته الناس كما قاله العلامة الزرقاني في شرحه على ((المواهب اللدنية)) ج1ص 258. وقال الإمام النووي في ((مناسك الحج)) ص444: يستحب زيارة المواضع المشهورة بالفضل في مكة والحرم، وقد قيل: إنـها ثمانية عشر موضعا، منها: البيت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو اليوم مسجد في زقاق يقال له: زقاق المولد، ومنها بيت خديجة الذي كان يسكنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخديجة رضي الله عنها، وفيه وَلَدَتْ أولادَها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي ((السيرة الحلبية)): أن أهل مكة يزورون موضع مولده صلى الله عليه وسلم انتهى. وما ذاك إلا لمحبتهم الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا شأن العاشقين، وأصحاب الحب الصميم، ألا ترى قول القائل : أمر عـلى الديار ديار ليلى أقبّل ذا الجدار وذا الجـدارا وما حب الديار شغفن قلبى ولكن حب من سكن الديارا قال النووي في ((مناسك الحج)) ص444: يستحب زيارة المواضع المشهورة بالفضل في مكة والحرم، وقد قيل: إنـها ثمانية عشر موضعا، منها: البيت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو اليوم مسجد في زقاق يقال له: زقاق المولد . وفي القاموس: الزُقَاق كغُرابٍ السِّكَةُ . وقال العلامة الفقيه الشيخ عبد الله بن محمد باقشير الحضرمي الشافعي المتوفى سنة 958 في ((قلائد الخرائد وفرائد الفوائد)) ج1ص275: ينبغي أن تزار مواضع مشهورة في الحرم ويُتَبَرَكَ بـها، منها: موضع مولده عليه الصلاة والسلام في الشِّعْبِ، ودار خديجة، وفيها وَلَدَتْ أولادَها منه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وتوفيت فيها، وكانت مسكنه حتى هاجر صلى الله عليه وسلم اهـ وفي الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها للعلامة الحنفي جمال الدين محمد جار الله بن محمد ص354: ذكر العلامة النقاش في منسكه مواضع يستجاب فيها الدعاء، منها: مولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين عند الزوال اهـ ومما يدل على شرف موضع ميلاده صلى الله عليه وسلم ما ورد في حديث الإسراء من أن جبريل عليه السلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة ببيت لحم الذي ولد فيه عيسى عليه السلام، فإذا تشرف بيت لحم بميلاد عيسى عليه السلام فيه حتى أمر سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ليلة مناجاة ربه أن يصلي فيه، فكذلك يتشرف به صلى الله عليه وسلم الموضع الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم . فمن صلى في هذا المكان تبركا به اهتدي بـهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل من فعله صلى الله عليه وسلم، وكذلك من زاره وأقام فيه وفعل أنواع الطاعات ودعا الله فيه وتمرغ به حبا واشتياقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قياسا على الصلاة التي هي عماد الدين، فإذا علمنا أنـها مطلوبة في مثل هذا الموضع فلا مانع من غيرها من أنواع الطاعات. وقد كان العلماء ورثة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون ذلك بمجالس الصالحين، ومواضع دروسهم، وأماكن أورادهم وأذكارهم، وممن ثبت عنهم ذلك الإمام المجتهد تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، فقد صرّح غير واحد من العلماء بأنه لما سكن في قاعة دار الحديث الأشرفية سنة 742هـ كان يتهجّد ويتمرغ على البساط الذي كان النووي يجلس عليه وقت الدرس ويقول : وفي دار الحديث لطيف معنى على بُسُطٍ لها أَصْبُوْ وآوِي لعلي أن أنال بحُرِّ وجـهي مكـانا مسه قدم النواوي فتراه يرتجي أن يمس بوجهه مكانا مسه قدم الإمام النووي، وذلك للتبرك به. وممن ذكر هذه القصة وعدها من محاسن السبكي السخاوي والسيوطي وتاج الدين عبد الوهاب بن الإمام السبكي وابن حجر الهيتمي وغيرهم، ولاشك أن التبرك بموضع ميلاده صلى الله عليه وسلم أعلى وأفضل من التبرك بمواضع الصالحين ومجالسهم . واختلفوا أيضا في زمنها، والمشهور أنه صلى الله عليه وسلم ولد في 12 من شهر ربيع الأول، وعلى هذا العمل، فيحتفل المسلمون في أقطار الأرض للمولد بـهذا الوقت، ورجح بعض العلماء أنه ولد في السابع منه. قال العارف بالله سيدي عبد العزيز بن مسعود الدباغ في كتابه ((الإبريز )) ص196: إنه صلى الله عليه وسلم ولد في سابع ربيع الأول، وهذا هو الواقع في نفس الأمر اهـ ورجح بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم ولد في الثامن من ربيع الأول، وقال الحافظ القسطلاني في ((المواهب اللدنيه)): قيل: ولد صلى الله عليه وسلم لثمان خلت من ربيع الأول، قال الشيخ قطب الدين القسطلاني: وهو اختيار أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وزبير بن مطعم وهو اختيار أكثر من له معرفة بـهذا الشأن، واختاره الحميدي وشيخه ابن حزم،وحكى القضاعي في ((عيون المعارف)) إجماع أهل "الزيج" عليه، ورواه الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، وكان عارفا بالنسب وأيام العرب أخد ذلك عن أبيه جبير انتهى. وفي ((البداية والنهاية)) جـ2ص 260: نقل ابن عبد البر عن أصحاب التاريخ أنـهم صححوا ذلك، وقطع به الحافظ الكبير محمد بن موسي الخوارزمي، ورجحه الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه ((التنوير في مولد البشير النذير)) . ولم يختلفوا على أنه صلى الله عليه وسلم ولد في الاثنين لحديث ((ذاك يوم ولدت فيه)) الآتي، لكنهم اختلفوا في أنه صلى الله عليه وسلم ولد في ليلتها أويومها. واختلفوا أيضا في العام الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم، فالأكثرون على أنه ولد عام الفيل، وهذا هو المشهور. ففي ((البداية والنهاية)) جـ2ص 262 و((السيرة النبوية)) للحافظ الذهبى ج1ص 34: قال خليفة ابن خياط: والمجمع عليه أنه عليه الصلاة والسلام ولد عام الفيل اهـ وقال سيدي عبد العزيز بن مسعود الدباغ في ((الإبريز)) ص 196: ولد صلى الله عليه وسلم عام الفيل قبل مجئ الفيل، وببركة وجوده صلى الله عليه وسلم بمكة طرد الله الفيل عن أهلها اهـ تنبيه لقد انتشر في الأقطار منذ ثمانية قرون إقامة الاحتفالات للمولد النبوي، واستحسن ذلك العلماء من الفقهاء والمحدثين وغيرهم، وبيّـنوا مشروعية ذلك ورغبوا فيه الناس. وأول من أحدث إقامة الاحتفال للمولد الشريف صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري بن زين الدين علي بكتكين كما في ((حسن المقصد في عمل المولد)) للحافظ السيوطى و((إعانة الطالبين)) للسيد البكرى. وكان الملك المظفر عالما عادلا بطلا عاقلا كما صرح به غير واحد، وقال فيه الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) جـ22 ص 334: كان متواضعا، خيّرا سنيا يحب الفقراء والمحدثين، وما نقل أنه انـهزم في حرب، وكان يمنع من دخول المنكر ببلده، وبنى للصوفية رباطين، ويبعث للمجاورين - يعني مكة- خمسة آلاف دينار، وأجرى الماء إلى عرفات، وأما احتفاله بالمولد النبوي فيقصر عنه التعبير، كان الخلق يقصدونه من العراق والجزيرة، وتنصب قباب خشب له ولامرأته وتزين، ويخرج من البقر والإبل والغنم شيئا كثيرا، فتنحر وتطبخ الألوان، ويعمل عدة خلع للصوفية، ويتكلم الوعاظ في الميدان فينفق أموالا جزيلة. قال ابن كثير في ((البداية والنهاية))جـ 13 ص 136 : كان الملك المظفر أحد الأجواد، والسادات الكبراء والملوك الأمجاد، له آثار حسنة، وكان شهما شجاعا بطلا عاقلا عالما عادلا، وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا، وقال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم، ويعمل للصوفية سماعا من الظهر إلى الفجر، ويرقص بنفسه معهم، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة ، وقالت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب أخت صلاح الدين: كان قميصه لا يساوي خمسة دراهم فعاتبته بذلك فقال: لبسي ثوبا بخمسة وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوبا مثمنا وأدع الفقير المسكين، وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وعلى دار الضيافة في كل سنة مائة ألف دينار اهـ. وفي ((جواهر البحار)) للعلامة النبهاني ج3ـص338: أن الحافظ الإمام أبا شامة شيخ النووي أكثر الثناء على الملك المظفر بماكان يفعله من الخيرات ليلة المولد الشريف وفي ((شذرات الذهب)) جـ5 ص 138: أنه كان يعمل الاحتفالات لمولد النبي صلى الله عليه وسلم سنة في الثامن من شهر ربيع الأول، وسنة في الثاني عشر لأجل الاختلاف الذي فيه، فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئا كثيرا يزيد على الوصف، ثم يشرعون في نحرها وينصبون القدور ويطبخون الألوان المختلفة، فإذا كان صبيحة يوم المولد أنزل الخلع، ويخلع على كل واحد من الفقهاء والوعاظ والقراء والشعراء، ويدفع لكل واحد نفقة وهدية وما يوصل إلى وطنه.وقال ابن شهبة في ((تاريخ الإسلام)) بعد كلام طويل، وثناء جميل: قال جماعة من أهل إربل: كانت نفقته على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وعلى الأسرى مائتي ألف دينار، وعلى دار الضيافة مائة ألف دينار، وعلى الخانقاه مائة ألف، وعلى الحرمين وعرفات ثلاثين ألف دينار غير صدقة السر. مات رحمه الله في رمضان بقلعة إربل سنة630 هـ وأوصى أن يحمل إلى مكة فيدفن في حرم الله تعالى، وقال: أستجير به. انتهى ما نقلته من ((شذرات الذهب)) باختصار. وفي ((وفيات الأعيان)) لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان جـ4 ص 113 – 121 أن الملك المعظم مظفر الدين صاحب "إربل" كان له في فعل الخيرات غرائب لم يسمع أن أحدا فعل في ذلك ما فعله، ولم يكن في الدنيا شيء أحب إليه من الصدقة، وكان لا يمكّن أحدا من إدخال المنكر إلى البلد، وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات ليلة الوقوف، فإن الحجاج كانوا يتضررون من عدم الماء. وأما احتفاله بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به، لكن نذكر طرفا منه، وهو أن أهل البلاد كانوا قد سمعوا بحسن اعتقاده فيه، فكان في كل سنة يصل إليه من البلاد القريبة من إربل مثل بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين خلق كثير من الفقهاء والصوفية والوعاظ والشعراء ، ولا يزالون يتواصلون من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول ، وكان يعمل المولد سنة في ثامن الشهر وسنة في الثاني عشر لأجل الاختلاف الذي فيه ، وكان رحمه الله متى أكل شيئا استطابه لا يختص به، بل إذا أكل من زبدية لقمة طيبة قال لبعض أجناده : احمل هذا إلى الشيخ فلان أو فلانة ممن هم عنده مشهورون بالصلاح، وكان كريم الأخلاق، كثير التواضع، حسن العقيدة، سالم البطانة، شديد الميل إلى أهل السنة والجماعة، لا ينفق عنده من أرباب العلوم سوى الفقهاء والمحدثين، ومن عداهما لا يعطيه شيئا إلا تكلفا اهـ قلت: وقد أطال ابن خلكان في ذكر محاسنه والثناء عليه، ثم قال لم أذكر عنه شيئا على سبيل المبالغة، بل كل ما ذكرته عن مشاهدة وعيان. وذكر ترجمته آخرون كثيرون، وقال ابن خلكان أيضا : "كوكبوري" بضم الكافين بينهما واو ساكنة ثم باء موحدة مضمومة ثم واو ساكنة بعدها راء، وهو اسم تركي معناه بالعربية ذئب أزرق، و"بكتكين" بضم الباء الموحدة وسكون الكاف وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، وهو اسم تركي أيضا اهـ و"إربل" بكسر ثم سكون وباء موحدة مكسورة ولام بوزن إثمد كما في ((معجم البلدان)) و((اللباب في تـهذيب الأنساب)). و((الخانقاه)) كما في ((تاج العروس شرح القاموس)) بقعة يسكنها أهل الصلاة والخير والصوفية، والنون مفتوحة، وقد حدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة، وجعلت لمتخلي الصوفية فيها لعبادة الله تعالى. و((السماط)) ما يمد ليوضع عليه الطعام في المآدب ونحوها كما في ((المعجم الوسيط))، وفي ((القاموس وشرحه)) سمط الجدي سمطا فهو مسموط وسميط إذا نتف عنه صوفه بالماء الحار ليشويه، وفي الحديث ما أكل شاة سميطا أي مشوية. وفي ((المعجم الوسيط)) الزبدية: وعاء من الخزف المحروق المطلي يخثّر فيها اللبن، وفي ((تاج العروس)) الزبدية: بالكسر صحفة من خزف. تنبيهان الأول: ادعى بعض المانعين لمشروعية المولد أن الملك المظفر كان يعمل المولد النبوي لأغراض سياسية، وأطماع دنيوية، ولم يكن يفعله لقصد ديني، ولا لمحبة واحترام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتـهموه ورموه بما لم يثبت عنه، وهذه دعوى بلا بينة، وقد قامت شهادة العلماء النقاد على خلافها، فظهر سقوطها وثبت بطلانـها. فقد علمت ما وصفه به كثير من أجلاء المؤرخين، وأكابر المحدثين كالحافظ ابن كثير، فقد كان مما أثنى به عليه أنه كان عاقلا، عالما، عادلا، فمن مدحه الحافظ ابن دحية وابن خَلِّكان وأبو شامة المعاصرون له، والحافظ الذهبى وابن العماد الحنبلى وغيرهم لا يضره افتراء هؤلاء عليه، ولا يقدحه ما نسبوا إليه مما هو برىء منه، كرميه بالتشيع ونحوه، فقد ذكرنا آنفا أن الحافظ الذهبى صرح بأنه كان سنيا خيّرا، هذا مع تشدده في نقده للرجال كما لا يخفى عن كل من طالع كتابه ((ميزان الاعتدال)). فلا تغترّ بما يخوضون فيه في هذه الأيام من جرح من ثبتت عدالته وتحققت أمانته. الثاني: قيل: إن أول من أحدث المولد النبوي في القاهرة المعز لدين الله الفاطمي سنة 362هـ ثم أبطله أمير الجيوش بدر الجمالي سنة 488هـ ثم أعاده الآمر بأحكام الله بن المستعلي سنة 495هـ ولا شك أن هذا زعم باطل لما قدمناه عن الحافظ السيوطي من أن أول من احتفل للمولد النبوي الشريف الملك المظفر، وتبع السيوطي على ذلك كثير من العلماء المؤرخين. وقد استغرب الشيخ عبد الجبار المبارك الحفياني في كتابه ((البراهين الجلية في جواز مولد خير البرية)) ما كتبه الشيخ محمد الشريف التقلاوي من أن المولد بدعة أحدثها الفاطميون في مصر، وأطال في رده وقال: إن المؤرخين لم يذكروا أن واحدا من ملوك الدولة الفاطمية في مصر قد ابتدع الاحتفال بالمولد . نكتة وإذا فرضنا أن الفاطميين هم أول من ابتدع للاحتفال بالمولد النبوي فاعلم أن هذا لا يكون حجة في منع الاحتفال، ولا يكون دليلا على تحريمه ولا علة لمنعه، فقد يخترع الفاسق والمبتدع بل والكافر شيئا لم يسبق إليه، ويكون ذلك الشيء مستحسنا شرعا، ألا ترى أن الحجاج بن يوسف أحدث الشكل والنُّقَطَ في كتابة القرآن الكريم واستحسن ذلك أهل العلم، فما زالوا يكتبون الشكل والنقط في المصحف الشريف، ولم يقل أحد منهم، لا يجوز اتباع هذا السفاك فيما أحدثه، بل عدوا ذلك من محاسنه. والحاصل أن ما أحدثه الفاسق ونحوه إذا كان حسنا بذاته في الشرع لا يكون قبيحا بمجرد اختراع ذلك الفاسق ، فإن الحكم يتعلق بنفس الشيء لا بصلاح الفاعل أو فسقه، ويشبه هذا ما إذا أمر الفاسق ونحوه بخير، فإنه لا يترك قوله لفسقه كما يرشد إليه حديث أبي هريرة الطويل عند البخاري، ففيه أن آتيا أتاه وأمره أن يقرأ آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه، وقال: إنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر أبو هريرة ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال له: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، وقال له صلى الله عليه وسلم: ذاك شيطان. فإذا علمت أن قول من زعم أن الفاطميين أول من ابتدع الاحتفال بالمولد النبوي باطل، وليس له سند تاريخي، وأنه على فرض ثبوته لا يكون سببا على تحريمه وحجة في منعه، فالذي ينبغي لمن يستشيطون غضبا لمجرد سماع هذا القول عدم الاكتراث به والإعراض عنه بالكلية، فإن ذلك لا يجديه ولا يقوي مزاعمه الجوفاء بل يؤذيه، لإشعاره بضعف إدراكه وقلة معرفته بطرق المناظرة والمباحثة . فاتضح أن المستدلين لمنع المولد النبوي باختراع الفاطميين مخطئون في أمرين، الأول: نسبة ذلك إلي الفاظميين، والثاني: استدلالهم ذلك لتحريم المولد، كما أخطأ القائلون : إن في عمل المولد تشبها بالنصارى في احتفالهم بميلاد المسيح، وهذا منهم عجب عجاب، بعيد عن القياس والصواب، فإن النصارى يعتقدون بألوهية من يحتفلون له ويأتون في احتفالاتـهم المنكرات والفواحش وأنواع الفجور مثل شرب الخمور والألعاب المحرمة، فشتان ما بين من هذا وصفه، وبين من يحتفل بميلاد نبيه معتقدا أنه رسول الله صلي الله عليه وسلم وعبده، ولا يأتي بما نـهاه الله عنه ومنعه، بل يذكر ربه، ويمدح نبيه، ويتصدق مما أعطاه الله، فأين التشابه بين هولاء الفريقين؟! وأي مناسبة بين هاتين الحفلتين ؟! فالمقايسة بينهما غلو وإفراط و جهل مركب، أو تجاهل وعناد. وممن احتفل من الملوك للمولد النبوي احتفالا رسميا ملك مصر أبوسعيد سيف الدين الظاهر بَرْقُوْقْ بن آنص قال الشيخ جمال الدين أبو المحاسن يوسفي بن تَغْرِيْ بَرْدِيْ في (( النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة)) جـ12ص 72-74: وفي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ثمانمائة عمل السلطان الظاهر برقوق المولد النبوي على العادة في كل سنة، ولما كان يوم الخميس جلس السلطان بمخيمه بالحوش السلطاني، وحضر القضاة والأمراء ومشائخ العلم والفقراء، فجلس الشيخ سراج الدين عمر البلقيني عن يمين السلطان، وتحته الشيخ برهان الدين ابراهيم بن زقاعة، وجلس على يسار السلطان الشيخ المعتقد أبو عبد الله المغربي، ثم جلس القضاة يمينا وشمالا على مراتبهم، ثم حضر الأمراء فجلسوا على بعد من السلطان، والعساكر ميمنة وميسرة، فلما فرغ القراء وكانوا عدة قام الوعاظ واحدا بعد واحد، وهو يدفع لكل منهم صرة فيها أربعمائة درهم فضة، وأنعم على القراء، لكل جوقة( بخمسمائة درهم فضة، وكانوا أكثر من الوعاظ، ثم مدّ سماط جليل، يكون مقداره قدر عشرة أسمطة من الأسمطة الهائلة، فيها من الأطعمة الفاخرة ما يستحيى من ذكره كثرة، بحيث إن بعض الفقراء أخذ صحنا فيه من خاص الأطعمة الفاخرة، فوزن الصحن المذكور فزاد على ربع قنطار. ولما انتهى السماط مدت أسمطة الحلوى من صدر المخيم إلى آخره، وعند فراغ ذلك مضى القضاة والأعيان، وبقي السطان في خواصه وعنده فقراء الزوايا والصوفية، فعند ذلك أقيم السماع من بعد ثلث الليل إلى قريب الفجر وهو جالس عندهم، ويده تملأ من الذهب وتفرغ له لمن له رزق فيه، حتى قيل: إنه فرق في الفقراء ومشائخ الزوايا والصوفية في تلك الليلة أكثر من أربعة آلاف دينار. هذا والسماط من الحلوى والفاكهة يتداول مدة بين يديه، فتأكله المماليك والفقراء، وتكرر ذلك أكثر من عشرين مرة. ثم أصبح السلطان ففرّق في مشايخ الزوايا القمح، لكل واحد بحسب حاله وقدر فقرائه، كل ذلك خارج عما كان لهم من الرواتب عليه في كل سنة اهـ . ولد الملك برقوق كما في ((الأعلام)) للزركلي سنة 738هـ وتوفي سنة 801هـ . وفي ((النجوم الزاهرة)) أنه جلس على السلطنة وقت الظهر من يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة 784هـ. وأشار السراج البلقيني أن يكون لقبه الملك الظاهر فإن ذلك كان وقت الظهيرة، وقال فيه السخاوي في ((الضوء اللامع)): كان شهما شجاعا ذكيا، يحب الفقراء ويتواضع لهم، ويتصدق كثيرا خصوصا إذا مرض . وفي ((البداية والنهاية)) جـ12ص263 أن الشيخ الصالح العابد عمر الملا كانت له زاوية يقصد فيها وله في كل سنة دعوة في شهر المولد يحضر فيها عنده الملوك والأمراء والعلماء والوزراء ويحتفل بذلك . الفصل الأول في ذكر بعض العلماء القائلين بمشروعية المولد النبوي تفصيلا صرح كثير من العلماء بمشروعية المولد النبوي صلى الله عليه وسلم، فذكر الإمام أبو شامة شيخ الإمام النووي في كتابه ((الباعث على إنكار البدع والحوادث)) أنه من البدع المستحسنة، فقال: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق لمولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر الله على ما منّ به من إيجاده صلى الله عليه وسلم، وفيه إغاظة للكفرة والمنافقين .انتهى مانقلته من ((حسن المقصد)) للسيوطي و((جواهر البحار)). وأبو شامة كما في ((البداية والنهاية)) جـ13 ص 250: هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان شهاب الدين أبو محمد المقدسي الشيخ الإمام العالم الحافظ المحدث الفقيه المؤرخ، شيخ دار الحديث الأشرفية، صاحب المصنفات العديدة المفيدة، ولد سنة خمسمائة وتسعة وتسعين، وتوفي سنة ستمائة وخمس وستين. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه (( لطائف المعارف)) ص 189 ما نصه: وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن صيام يوم الاثنين: ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت عليّ فيه النبوة، إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد نعم الله على عباده، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد صلى الله عليه وسلم لهم، وبعثته وإرساله إليهم، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم}، فإن النعمة على الأمة بإرساله أعظم من النعمة عليهم بإيجاد السماء والأرض والشمس والقمر والرياح والليل والنهار وإنزال المطر وإخراج النبات وغير ذلك، فإن هذه النعمة كلها قد عمت خلقا من بني آدم كفروا بالله وبرسله وبلقائه، فبدلوا نعمة الله كفرا، وأما النعمة بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم فإن بـها تمت مصالح الدنيا والآخرة، وكمل بسببها دين الله الذي رضي لعباده، وكان قبوله سبب سعادتـهم في ديناهم وآخرتـهم، فصيام يوم تجددت فيه هذه النعم من الله على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر، ونظير هذا صيام يوم عاشوراء حيث أنجى الله فيه نوحا من الغرق، ونجى فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده، وأغرقهم في اليم فصامه نوح وموسى شكرا لله ، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم متابعة لأنبياء الله ، وقال لليهود : نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه اهـ وفي ((حسن المقصد لعمل المولد)) للسيوطي سئل شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني عن عمل المولد فأجاب بما نصه : أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة، وإلا فلا، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة ودفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ بذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخيرات والعمل للآخرة،وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، وما كان حراما أو مكروها فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى هـ وقال الحافظ السيوطي في ((حسن المقصد)) وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات. (( تنبيه )) قد يعترض الحافظ السيوطي على استدلاله بالحديث المذكور بما في المجموع من أنه باطل، وجوابه أن حديث العقيقة المذكور حسن لا باطل، فقد قال ابن حجرالهيتمي في ((تحفة المحتاج شرح المنهاج)) جـ9ص431 في باب العقيقة مالفظه: وخبر أنه صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة قال في المجموع: باطل، وكأنه قلد في ذلك إنكار البيهقي وغيره له، وليس الأمر كما قالوا في كل طرقه، فقد رواه أحمد والبزار والطبراني من طرق، قال الحافظ الهيثمي في إحداها: إن رجاله رجال الصحيح إلاواحدا وهوثقة اهـ وقال ابن حجر أيضا في ((فتح الجواد شرح الإرشاد)) جـ2ص362: إنه حديث حسن، وفي ((مجمع الزوائد)) للحافظ الهيثمي جـ4ص59: عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد مابعث نبيا، رواه البزار والطبراني في ((الأوسط)) ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا الهيثم بن جميل وهو ثقة. ولما سئل السيوطي رحمه الله عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول هل هو محمود أو مذموم، وهل يثاب فاعله أولا ؟ قال مجيبا عن ذلك: عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تسير من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط يأكلون منه من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف اهـ وقال الحافظ القسطلاني المتوفى سنة 923 في ((المواهب اللدنية)): ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه الصلاة والسلام، ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم، ومما جرب من خواصه أنه – أي عمل المولد – أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، فرحم الله امرءا اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وأعيا داء، أي بما يصيبه من الغيظ الحاصل له بمولده صلى الله عليه وسلم اهـ من ((المواهب)) مع زيادة يسيرة من شرحه. وقال الزرقاني في شرحه على ((المواهب)) جـ1 ص 263: والحاصل أن عمل المولد بدعة، لكنه اشتمل على محاسن وضدها، فمن تحرى المحاسن واجتنب ضدها كانت بدعة حسنة ومن لا فلا. وللشيخ عيسى بن عبد الله بن محمد بن مانع الحميري تأليف سماه: ((بلوغ المأمول في الاحتفال بمولد الرسول)) وهو من أحسن الكتب المؤلفة في مشروعية الاحتفال لمولده صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر فيه أدلة كثيرة، منها: أن الإجماع انعقد على استحسان الاحتفال بالمولد فقال في ص 85-86 ما معناه: ولم نجد من اعترض عليه في زمان ظهوره، فكان إجماعا سكوتيا على مشروعيته واستحسانه. وذكر فيه تسع آيات يستدل بـها على مشروعيته، وأحد عشر دليلا من السنة المطهرة وغيرها. وفي ((الفتاوي الحديثية)) لابن حجر الهيتمي ص129: أنه سئل عن حكم الموالد والأذكار التي يفعلها كثير من الناس في هذا الزمان، هل هي سنة أم فضيلة أم بدعة؟ فأجاب بما حاصله: إن كانت الموالد والأذكار مشتملة على خير كصدقة وذكر وصلاة وسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدحه، وليس فيها شر فهي سنة للأحاديث الواردة في الأذكار المخصوصة والعامة، ثم ذكر أحاديث يستدل بـها على ذلك، قال: وأما إذا كانت مشتملة على خير وشر فهي ممنوعة انتهى باختصار. وقال الشيخ أبو بكر شطا في ((إعانة الطالبين)) جـ3 ص 363 في مبحث الولائم: وقد بسط الكلام على الاحتفال بالمولد النبوي شيخ الإسلام ببلد الله الحرام أستاذنا العارف بربه المنان سيدنا السيد أحمد بن زيني دحلان في سيرته النبوية، ولا بأس بإيراده هنا فأقول: قال رضي الله عنه ومتعنا والمسلمين بحياته: فائدة جرت العادة أن الناس إذا سمعوا ذكر وضعه يقومون تعظيما له صلى الله عليه وسلم، وهذا القيام مستحسن لما فيه من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد فعل ذلك كثير من علماء الأمة الذين يقتدى بـهم. وقال ابن الجوزي: من خواص المولد أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة لنيل البغية والمرام. وقال سبط ابن الجوزي في ((مرآة الزمان)) حكى لي بعض من حضر سماط المظفر في بعض المواليد، فذكر أنه عدّ فيه خمسة آلاف رأس غنم شواء، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، وكان يحضر عنده في الموالد أعيان العلماء والصوفية، فيخلع عليهم ويطلق لهم البخور، وكان يصرف على المولد ثلاثمائة ألف دينار انتهى باختصار. ثم قال المؤلف أبو بكر شطا: وإنما أطلت الكلام في ذلك لأجل أن يعتنى ويرغب جميع الإخوان في قراءة مولد سيد ولد عدنان ، لأن من خلقت لأجله الأرواح والأجسام يحق أن يهدى له الروح والمال والطعام اهـ وهذا يدل على أنه موافق لشيخه على استحسان الاحتفال للمولد الشريف. رأي ابن تيمية في المولد النبوي اعلم أن ابن تيمية هو شيخ المانعين احتفالَ المولد الشريف وإمامُهم الذي يأخذون بغرائبه ويتبعونه فيما خالف فيه العلماء والمذاهب الأربعة لكنه أباح احتفال المولد الشريف مرة بلا قيد، بل صرّح أن فيه أجرا عظيما وإن اتخذه موسما، ففي ((خلاصة الكلام في الاحتفال بمولد خير الأنام)) للشيخ عبد الله بن الشيخ أبي بكر بن سالم الشافعي ص77: قال ابن تيمية في كتابه ((إقتضاء الصراط المستقيم)) ما نصه: (تعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم) اهـ ولا شك أن قصد المحتفلين لمولده صلى الله عليه وسلم في جميع الأقطار والأمصار هو تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو جائز مستحسن عند ابن تيمية. وفي ((خلاصة الكلام)) أيضا: قال ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) ص266 ما نصه: وكذلك ما يُحْدِثُه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما له، والله يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع اهـ والواقع الحقيقي أن المسلمين يحتفلون كلُّهم لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه فقط، لا مضاهاة للنصارى، فقوله: -إما مضاهاة للنصارى- هو خلاف الواقع بلا ريب، ولم نسمع في التواريخ ولم نر بأعيننا من يحتفل للمولد الشريف لمضاهاة النصارى، فقوله هذا مردود وهو ظن السوء بالمسلمين واتـهام بـهم عما هم بريئون عنه . وقوله: -لا على البدع- إن كان مراده أن جميع البدع لا ثواب فيها فهو خطأ بَيِّنٌ فإن البدع تعتريها الأحكام الخمسة فمنها ما يجب شرعا وما يندب وما يحرم وما يباح وما يكره، بل منها ما عاب الله به على قوم تركوها، وسيأتي ذلك كله إن شاء الله تعالى . وذكر مرة أخرى أن هذا الاحتفال ليس بمكروه بشرط عدم اتخاذه راتبة، وفي ((خلاصة الكلام)): قال ابن تيمية في الفتاوي ج23ص132 ما نصه: وقد رُوِيَ في الملائكة السيارين الذين يتتبعون مجالس الذكر الحديثِ المعروفِ، فلو أن قوما اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوع من غير أن يتخذوا ذلك عادة راتبة تشبه السنة الراتبة لم يكره وكذلك القول في ليلة المولد وغيرها اهـ فقوله: -لم يكره- قد يخالف قوله السابق أن فيه أجرا عظيما، وقد يجمع بينهما بأن عدم الكراهة يصدق على المباح المستوى الطرفين وعلى االمباح المستحسن المطلوب الذي فيه الأجر العظيم لأن المباح يطلق عليهما، فعلى هذا لا تناقض بين قوليه بل هما متفقان على جواز الاحتفال للمولد النبوي، فمن خالفه من أتباعه فقد نابذ قوليه هذين . وأما قوله من غير أن يتخذ ذلك عادة راتبة إلخ.. فهو خطأ ظاهر فإنه صرح أن فيه أجرا وأن فاعله يثاب به ولا شك أن دوام الأعمال الصالحة مطلوب شرعا بل هو مأمور ولا مانع من اتخاذ الخيرات عادة راتبة كما لا يخفى على أحد، وكذلك المباحات التي لا ثواب فيها فلا ملام على دوامها، وقد اتخذ مانعوا المولد النبوي صلاة التهجد عادة راتبة تشبه السنة الراتبة في العشر الأواخر من رمضان مع كونـها محدثة لم يرد عليها دليل كما يأتي إن شاء الله نقلا عن الإمام النووي رحمه الله . ونقل الشيخ محمد بن علوي المالكي في كتابه ((حول الاحتفال النبوي))ص22 عن ابن تيمية كلاما يدل على أن في المولد خيرا لاشتماله على أنواع من المشروع وفيه شرّ من بدعة وغيرها اهـ وخلاصة القول أن عبارات ابن تيمية متعارضة في الظاهر فقد صرّح مرة أنّ في المولد أجرا عظيما، ومرة أخرى: أن الله يثيب فاعله على محبته للنبي صلى الله عليه وسلم لا على البدع، ومرة أن فيه خيرا وشرا، ومرة أنه ليس بكراهة، وليس في هذه العبارات كلها ما يصرّح بتحريمه مطلقا، فأتباعه الذين يزعمون بتحريمه على الإطلاق وَيَدْعون الناسَ إلى تركه، وينادون أن فاعله مبتدع فاسق مرتكب كبيرة مخالفون شيخهم في ذلك منابذون قوله وراء ظهورهم، وقد كان من دأبـهم التعصب لأرائه والتمسك بغرائبه وبما انفرد به وخالف فيه العلماء أهل المذاهب الأربعة وغيرهم كقوله: إن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة، وتحريمه السفر إلى زيارته صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الغرائب العجيبة، وقد ذكر كثيرا منها ابن عماد الحنبلي في ((شذرات الذهب)) وابن حجر الهيتمي في ((الفتاوي الحديثية)) وغيرهما، ولا أدري لما ذا خالفوا شيخهم في هذه المسئلة التي وافق عليها العلماء والسواد الأعظم !! . الفصل الثانى في أدلة مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي صلى الله عليه وسلم ومما استدل العلماء رحمهم الله على مشروعيته وحسنه عموم قوله تعالى: {وافعلوا الخير}، ومعلوم أن الاحتفال بالمولد يتكون من اجتماع الناس، وقراءة ما تسير من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في خوارق العادات والإرهاصات التي ظهرت عند ولادته صلى الله عليه وسلم، وإطعام الطعام للحاضرين، ورفع الأصوات بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وبالمدائح النبوية المطربة المهيجة محبته والشوق إليه صلى الله عليه وسلم، والسرور بدخول موسم الميلاد، ونحو ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى. ولا شك أن هذا كله خير، والآية الكريمة تأمر بفعل الخير، فنحن مأمورون بفعل هذه الخيرات المذكورة التي تسمى اصطلاحا بالمولد النبوي. واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك}، ولا يخفى أن الاحتفال بالمولد الشريف يشتمل على أنباء سيد الرسل صلى الله عليه وسلم، فيكون فيه تثبيت أفئدة المؤمنين فيكون في الآية الحث على المولد الشريف. وبقوله تعالى: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه} فقد قال غير واحد من المفسرين : إن ضميري تعزروه وتوقروه راجعان للنبي صلى الله عليه وسلم، قال القرطبي في تفسيره (( الجامع لأحكام القرآن)): الهاء فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم، وهنا وقف تام، ثم تبتدئ – وتسبحوه – أي تسبحوا الله، وقيل : الضمائر كلها لله تعالى. وقال الحافظ ابن الجوزي في (( المدهش)) ص 38 : قد تجمع العرب شيئين في كلام فيردكل واحد منهما إلى ما يليق به ، وفي القرآن الكريم {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} فالسكون بالليل وابتغاء الفضل بالنهار، ومثله قوله تعالى: {وتعزروه وتوقروه وتسبحوه} فالتعزير والتوقير للرسول والتسبيح لله عز وجل. وقال ابن كثير مفسرا لقوله تعالى : {وتعزروه} قال ابن عباس وغير واحد: تعظموه، و{توقروه} من التوقير والاحترام والإجلال والإعظام إهـ فعلى هذا يكون معنى {إنا أرسلناك شاهدا إلى وتوقروه} أن الله أرسل رسوله ليعظموه ويحترموه ويجلوه فيكون من حكمة بعثته صلى الله عليه وسلم تعظيمه وإجلاله، ولا شك أن في إقامة الحفلات وإخراج الصدقات، وإكثار الطاعات للسرور بمولده صلى الله عليه وسلم تبجيلا وتعظيما له صلى الله عليه وسلم. وبقوله تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} قال السيوطي في ((الدر المنثور)) : أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: فضل الله العلم، ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} . وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما {قل بفضل الله} قال النبي صلى الله عليه وسلم اهـ وفي ((بلوغ المأمول)):ورجح الآلوسي في تفسيره ((روح المعاني)) كون الرحمة في الآية هي النبي صلى الله عليه وسلم اهـ ومن الأحاديث حديث صوم يوم عاشوراء، وحديث أنه صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه المارين. وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزل عليّ، وهذا الحديث نص في الاحتفال بيوم مولده صلى الله عليه وسلم بالصيام، وإذا كان الاحتفال بالصيام الذى هو من أركان الإسلام مطلوبا مستحسنا شرعا بنص هذا الحديث فغيره من أنواع البر كالصدقة وإكثار الصلاة والسلام عليه كذلك، وهذا قياس ظاهر يقتنع به إن شاء الله كل من دخل في قلبه الشك من إقامة الاحتفال للمولد النبوي، ولا أظن أن أحدا يجترئ بعدُ على أن يقول: إن بينهما فرقا فلا يقاس على الصيام غيره، ولا يجوز الاحتفال إلا بالصيام بخلاف غيره من الإنفاق على المساكين، وإطعام الطعام للمجتمعين للمولد الشريف ونحوهما، فإن ذلك يكون عنادا محضا. وأخرج مسلم أيضا من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بـها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بـها من بعده من غير أن ينقص من أوزراهم شيء. رواه مسلم في كتب العلم والجمعة والزكاة باختلاف يسير في بعض الألفاظ. وقال النووي في شرحه عليه ج4ص 113: وفي حديث من سنّ في الإسلام سنة حسنة إلى آخره: الحث على الابتداء بالخيرات وسنّ السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات اهـ. واستدل الحفاظ ابن ناصر الدين والجزري والسيوطي وغيرهم على مشروعية المولد بقصة أبي لهب المشهورة، ففي ((حسن المقصد)) للحافظ السيوطي ما لفظه: رأيت إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري قال في كتابه المسمى ((عرف التعريف بالمولد الشريف)) ما نصه: قد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم، فقيل له: ما حالك ؟ فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي ماء بقدر هذا- وأشار لرأس أصبعه- وإن ذلك بإعتاقي لثويبة عند ما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له، فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم به فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم. لعمري إنما يكون جزاؤه من الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم. وقال الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى ((مورد الصادي في مولد الهادي)): قد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سرورا بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أنشد: إذا كان هذا كافـرا جـاء ذمه وتبت يداه في الجحيم مخـلدا أتى أنه في يـوم الاثنين دائـما يخفف عنه للسرور بأحـمدا فما الظن بالعبد الذي كان عمرَهُ بأحمد مسرورا ومات موحدا وقصة تخفيف العذاب عن أبي لهب رواها البخاري في صحيحه في باب – وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم- من كتاب النكاح. وذكر الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) كلاما مفيدا يتعلق بـهذا الحديث. ومما يدل على جواز المولد استحسان المسلمين به، فمن حين ظهوره وابتكار الملك مظفر الدين استحسنه المسلمون، وتلقوه بالقبول التام، فيكون مطلوبا للقاعدة المشهورة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف (( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه السلمون قبيحا فهو عند الله قبيح)) أخرجه أحمد وغيره، ولفظه عند أحمد كما فى مسنده ج1 ص 493: عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: ((إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيء )). وقال في ((بلوغ المأمول)): رواه الحاكم في ((المستدرك)) جـ3 ص78 وصححه، وأقره الذهبى، وانظر ((المقاصد الحسنة)) ص 367 وهو موقوف لكن له حكم الرفع لأنه مما ليس للرأى فيه مجال اهـ وفي ((مغنى المحتاج شرح المنهاج)) جـ3 ص 122 أنه مرفوع لا موقوف. وذلك لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة كما أخبر به من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم. الفصل الثالث فى بعض من ألف فى المولد النبوى الشريف ولما اقتنع العلماء بـهذه الأدلة وغيرها ممالم نذكره، وأيقنوا على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي، رغبوا فيه الناس ودعوا إليه وأكثروا التآليف فيه، فممن ألف فيه: 1- الحافظ ابن دحية وهو كما في ((البداية والنهاية)) جـ13 ص 144 أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الكلبي الحافظ شيخ الديار المصرية في الحديث، ونقل عن ابن خلكان: أن الحافظ ابن دحية اشتغل ببلاد المغرب، ثم رحل إلى الشام، ثم إلى العراق، واجتاز بإربل سنة 604 ووجد ملكها مظفر الدين يعتني بالمولد النبوي، فعمل له كتاب ((التنوير في مولد السراج المنير)) وقرأه عليه بنفسه فأجازه بألف دينار، قال- يعني ابن خلكان- وقد سمعناه على الملك المعظم في ستة مجالس في سنة 626 ثم قال ابن كثير: وقد وقفت على هذا الكتاب وكتبت منه أشياء حسنة. إهـ وكان مولد ابن دحية سنة 546 أو 549 وتوفي سنة 633هـ 2-إمام القراء الحافظ شمس الدين محمد بن محمد الجزري، فقد ألف في المولد الشريف كتابا سماه ((التعريف بالمولد الشريف)) وكان مولد الحافظ الجزري سنة 751 وتوفي سنة833هـ انتهى من ((فهرس الفهارس)) جـ1 ص 304-305. 3-الحافظ محمد بن عبد الرحمن بن محمد القاهري المعروف بالحافظ السخاوي المولود سنة 831 والمتوفى سنة 902 بالمدينة المنورة. وقال الشيخ محمد بن علوي المالكي نقلا عن ((كشف الظنون)): إن الحافظ السخاوي ألف جزءا في المولد الشريف اهـ 4- الحافظ الديبعي، فقد ألف كتابا في المولد النبوي، حققه وعلق عليه وخرّج أحاديثه الشيخ محمد بن علوي المالكي. قال في ((النور السافر)) ص 212: ولد الإمام الحافظ الحجة المتقن شيخ الإسلام علامة الأنام، الجهبذ الإمام، مسند الدنيا أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين أبي محمد عبد الرحمن بن علي الديبع الشيباني وجيه الدين الشافعي بمدينة زبيد سنة 866هـ ومن مصنفاته: ((تيسير الوصول إلى جامع الأصول)) مجلدان، و((مصباح المشكاة))، و((بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد)) وله مولد شريف نبوي، وله كتاب المعراج إلى غير ذلك من المؤلفات، وتوفي رحمه الله سنة 944هـ 5-الحافظ العلامة شمس الدين بن ناصر الدمشقي، فقد ألف كتبا في المولد وهي: ((مورد الصادي في مولد الهادي)) و((جامع الآثار في مولد النبي المختار)) و(( اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق)). وفي ((شذرات الذهب)) جـ7 ص 243 أن شمس الدين أبا عبد الله محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد القيسي الدمشقي الشهير بابن ناصر الدين الشافعي وقيل الحنبلي المولود سنة 777 المتوفى سنة 842، كان حافظ الشام بلا منازع، ماهرا في الحديث ، قرأ على ابن حجر، وقرأ عليه ابن حجر، ومن مشايخه الحافظ الزين العراقي، والسراج ابن الملقن، والسراج البلقيني، وألف التآليف الجليلة أكثرها في الحديث، ومنها: ((مورد الصادي في مولد الهادي)) واختصر منه ((اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق)) وله أيضا ((جامع الآثار في مولد المختار)) اهـ. 6- الفقيه العلامة ابن حجر الهيتمي ألف مولدا نبويا، وهو كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة، نحو 32 صفحة، وقام بشرحه كثير من العلماء منهم: الشيخ أحمد الجمل، له حاشية لطيفة عليه انتهى ما نقلته مماكتبه الشيخ عبد المعز عبد الحميد من ترجمة الهيتمي باختصار، وشرح مولده أيضا كما ((في الأعلام للزركلي)) ابن عابدين أحمد بن عبد الغني بن عمر. وتوفي الهيتمي رحمه الله سنة 974 هـ وقد قيل فيه: ابن حجر في البشر كالياقوت في الحجر. 7-العلامة علي بن سلطان قارئ الحنفي صاحب كتاب ((المرقاة على مشكاة المصابيح)) وغيره، تلميذ ابن حجر الهيتمي، فقد ألف كتابا اسمه (( المورد الروي في المولد النبوي)) كما قال محمد بن علوي المالكي نقلا عن ((كشف الظنون)). قال المالكي: وقد حققته بفضل الله تعالى وعلقت عليه وطبعته لأول مرة. وتوفي سنة 1014هـ 8-الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير صاحب التفسير، فقد ألف مولدا نبويا طبع أخيرا بتحقيق صلاح الدين المنجد . 9- الإمام الكبير أبو الفضل الحافظ عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن الشهير بالحافظ العراقي المولود سنة 725هـ والمتوفى سنة806 فقد ألف مولدا شريفا سماه (( المورد الهني في المولد السني)) . 10- العلاّمة إبراهيم بن علي بن ابرهيم الشافعي المقدسي المتوفي سنة 887 فقد ألف كتابا في المولد اسمه ((فتح الله حسبي وكفى في مولد المصطفى)). كما في ((الضوء اللامع)) للحافظ السخاوي ج1ص75. 11-الشيخ محمد نووي بن عمر بن عربي بن علي الجاوي المتوفى سنة 1315 فقد ألف كتاب ((الإبريز الداني في مولد سيدنا محمد العدناني)) وله شرح على مولد ابن الجوزي سماه: ((بغية العوام في شرح مولد سيد الأنام)). وقد بلغت تصانيف الجاوي نحو 30 مصنفا اهـ ((هدية العارفين)) جـ6 ص 392. نكتة اشتهر أن الحافظ الكبير أبا الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزى المتوفى سنة 597هـ ألف كتابا في المولد النبوى إلا أن الشيخ عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروسى قال في ((النور السافر)) ص 218 ما حاصله: أن المولد الذى اشتهر أنه من تأليف الحافظ ابن الجوزى لا تصح نسبته إليه، بل ألفه الشيخ شهاب الدين أحمد بن علي بن قاسم المالكى الشهير بالحريرى، وتردد الشيخ محمد نووى بن عمر الجاوى فيمن صنفه، فقال في شرحه على هذا المولد: ألفه الشيخ أحمد بن القاسم المالكي الشهير بالحريري على ما ذكره السيد أحمد المرزوقى ، لكن اشتهر على ألسنة الناس أن هذا المولد لابن الجوزي هـ وبـهذا يترجح عندنا أن هذا المولد ليس للحافظ ابن الجوزى فليتنبه لذلك. 12- السيد جعفر بن حسن البرزنجي المدني المتوفي سنة 1179 فقد ألف كتابا في المولد النبوي، كما في ((جواهر البحار)) للنبهاني ج3ص472 اهـ. قلت: وتكثر قراءته في أرضنا. وأوّله أبتدئ الإملاء باسم الذات العلية . وقسمه أجزاء، يقول في آخر كل منها : عطر اللهم قبره الكريم بعرف شذي من صلاة وتسليم . 13. ونظم شيخنا وشيخ مشايخنا الشيخ عبد الرحمن بن عمر القادري الورشيخي مولد البرزنجي، وقال في آخر كل قسم منه: الهي على قبره عطرن بأعلى صلاة سلام تلا 14. وللشيخ عزب مولد منظوم يعرف بمولد الشيخ عزب، يقول في آخر كل قسم منه : يارب عطر بالصلاة ضريحه وأدم عليه سلام ذاتك سرمدا وهويقرأ بعض الأحيان في بلدنا. 15. وللسيد محمد عثمان الميرغني خليفة سيدي أحمد بن إدريس وصاحب التفسير المسمى ((تاج التفاسير)) مولد يقرأ بعض الأحيان في بلدنا أيضا، يقول في آخر كل قسم من أجزائه: اللهم صل على الذات المحمدية، واعفرلنا ما يكون وما قدكان. 16. وألف الشيح أويس أحمد بن محمد البراوي القادري الصومالي كتابا سمّاه: ((مولد الشرفان في مدح سيد ولد عدنان))، أوله: أبتدئ باسم الله وهو مصدر كل سورة وكتاب، وكان الشيخ رحمه الله تعالى شديد المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر في مولده هذا أنه كان يقرأ في الروضة المطهرة دلائل الخيرات كل يوم تسع مرات بالوضوء، وأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، وكان ذلك سنة1290هـ وتوفي سيدي الشيخ أويس أحمد بن محمد في 23من ربيع الأول سنة 1327هـ . 17. وللشيخ العلاّمة عبد الرحمن بن أحمد الزيلعي الصومالي مولد سمّاه ((ربيع العشاق في ذكر مولد صاحب البراق))، وقال في أوله بعد البسملة والحمدلة أما بعد: فيقول عبد الرحمن بن أحمد الزيلعي القادري ذوالتقصير، غفرله مولاه الخبير: دعاني حب الانتظام في سلك ناظمي اللآلي المحمدية، وشغفُ قطف الأزهار النبوية، أن أؤلف كتابا في مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وألفت هذا الكتاب بإشارة من حضرة النبي صلى الله عليه وسلم لي في تأليفه. والله أسأل، وبنبيه أتوسل، أن يمدني في هذا الكتاب العظيم بمدد الإقبال والقبول، وسميته بـ ((ربيع العشاق في ذكرمولد صاحب البراق)) صلى الله عليه وسلم. 18. وألف الشيخ علي بن محمد بن حسين الحبشي كتابا سمّاه (( سمط الدرر، في أخبار مولد خير البشر، وماله من أخلاق وأوصاف وسير)) أوله: الحمد لله القوي سلطانه، الواضح برهانه. وجزّأه أجزاء يقول في آخر كل جزء : اللهم صل وسلم أشرف الصلاة والتسليم، على سيدنا ونبينا محمد الرؤف الرحيم . وذكر الشيخ عاصم إبراهيم الكتاني الحسيني الشاذلي الدرقاني في كتابه (مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبوي القدسي نثرا ونظما) بعض ما ذكرناه وزاد عليه زيادات أخرى. منها: 19. (إسعاف الراغب الشائق بخبر ولادة خير الأنبياء وسيد الخلائق) للشيخ العلامة محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني وأوله: نحمدك اللهم يا من افتتح بالنور الباهر الأحمدي، والجناب العاطر المحمدي، كلَّ مخلوق ووجود . 20. و(اليُمْنُ والإسعاد بمولد خير العباد) للشيخ الشريف العلامة المحدث الكبير سيدي محمد بن شيخ الجماعة سيدي جعفر الكتاني الحسيني، وأوله: الحمد لله الذي شرف هذا الوجود بميلاد أكرم نبي وأعزِّ مولود، سيدنا ومولانا محمد النبي المحمود، ذي الشفاعة العظمى والحوض المورود. 21. و(بلوغ القصد والمرام بقراءة مولد خير الأنام) للشيخ العلامة محمد ابن محمد الحجوجي الحسني وأوله: سبحان من أوجد الأكوان بمحض رحمته، سبحان من دبَّر الخلائق بلطف حكمته، تفضلا منه تعالى وامتنانا، سبحان من انفرد بالإمداد كما انفرد بالإيجاد، سبحان من تنـزه عن الأضداد والأنداد . 22. و(شفاء السقيم بمولد النبي الكريم) للشيخ العلامة المحقق أبوعلي سيدي الحسن بن عمر مزور، وأوله: الحمد لله الذي فتح أقفال العالم بنور الذات الأحمدية، وجعله الساري في الكل بمادته النورانية، فأمده به منه في الصور الروحانية الجسمانية، وخلع عليه برود عنايته . 23. و(قصة المولد النبوي لخير البريّة ملخصة من سيرته الزكية) للشيخ العلامة فضول بن محمد الهواري الصوفي ، وأوله: نحمدك اللهم رافع الخضراء وباسط الغبراء، وملهم الحمد والثناء. 24. وألف العلامة المحدث أحمد بن محمد فتحا العلمي الفاسي كتابا صغير الحجم نحو ثلاثة أوراق اسمه (المولد النبوي الشريف) أوله الحمد لله الذي خصنا بسيد الأرسال، وشرفنا به على سائر الأمم والأجيال، وجعل مولده عيدا، وموسما مباركا سعيدا، تتنـزل فيه الرحمات وتكثر فيه البركات والخيرات. 25. وألف السيد محمد بن السيد المختار الشنجيطي التيجاني مولدا سماه (مولد إنسان الكمال) أوله: أستفتح باب الكرم والجود، بأعظم أسماء الذات العلية وأستعين بقوة الملك المعبود، العزيز المتعال، وأبذل وسعي في حمد من وفقني على نظم هذه الدرر السنية، شاكرا لأنعمه من حيث لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه بنعوت الكمال. 26. وألف العلامة عبد الله بن محمد المناوي الشاذلي كتابا كبيرا في المولد اسمه (مولد المناوي) أوله الحمد لله الذي أنار الوجود بطلعة خير البرية، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قمر الهداية وكوكب العناية الربانية . 27. وألف الشيخ حسن محمد عبد الله شداد عمر باعمر نظما في مولد الحبيب في المدينة المنورة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين 21 صفر سنة 1398هـ اسمه (فيض الأنوار في ذكرى مولد النبي المختار) أوله: بدأت ببسم الله في أول السطر وثنيته بالحمـد في السر والجهـر وأشكره شكرا يليق كمالـه على ما حبانا من عطاء بلا حصر 28. وألف الشيخ السيد محمد بن علوي المالكي كتابا سماه (البيان والتعريف في ذكرى المولد النبوي الشريف) قال في أوله: أما بعد: فهذه فصول في السيرة النبوية، انتخبت أكثرها من كلام العلماء الكرام، كالإمام المناوي، والبرزنجي، وابن الدبيع والحبشي والوائلي والنبهاني رضي الله عنهم . 29. وألف الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني في المولد نظما اسمه (جواهر النظم البديع في مولد الهادي الشفيع صلى الله عليه وسلم) أوله: الحمـد لله علـى آلائـه حمدا امرئ أخلص في أدائه أحمـده والحمد من نعمائه أن خصـنا بخـير أنبيائـه 30. وألف الشيخ محمد بن سالم بن حفيظ بن الشيخ أبي بكر بن سالم نظما في المولد النبوي اسمه (نظم مولد الحافظ عماد الدين ابن كثير) أوله: الحمـد لله الـذي أنارا ذا الكون بالنبي فاستنارا أزاح كل ظلمات الباطل بنور طه خير كل كامل وأوضح الطريق بالجمال بعد أن كانوا على ضلال 31. وألف الشيخ عبد القادر الحمصي الشاذلي اليشرطي كتابا اسمه (مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم) أوله: الحمد لله الذي أظهر من باطنِ خفاءِ عماءِ ليلِ هُوِيَّة الأحَدِيّة، مطالع أنوارِ فجرِ صبحِ حضرةِ الحقيقة المحمدية. 32. وألف الشيخ العلامة الجليل مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا كتابا في المولد اسمه (فرائد المواهب اللدنية في مولد خير البرية) أوله: أفتتح الكلام بسم الله المتصف بالصفات الأقدسية، مقتديا بالكتاب الكريم فإنه صراط النجاح والنجاة . وأحمده سبحانه وتعالى حمدا يوافي نعمه الوفية، ويكافئ مزيده الوافر مثلما يحبه ويرضاه. وأصلي وأسلم على سيدنا محمد خير البرية، وعلى آله وأصحابه والتابعين المهتدين بـهداه. وبعد: فهذه فرائد من خزائن المواهب اللدنية، في شرف مولد من تحلى جيدُ هذا الوجود بِحُلاه . 33. وألف الأستاذ خير الدين وائلي كتابا في المولد اسمه (مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم) أوله الحمد لله الذي هيأ سبيل الخلاص للإنسانية، بدعوة محمد بن عبد الله المنقذة من الأصنام، الذي مدّن العرب بعد أن كانوا في فوضى الجاهلين، وبعد أن كانوا خاضعين للفرس والأعجام. همهم شن الغارات ونـهب الأموال والتفاخر بالعصبية، فصيرهم أمة واحدة تنشر العدل والسلام . 34. وألف الإمام الحافظ محمد الباقر بن محمد بن عبد الكبير الكتاني الحسني كتابا سماه: (روضات الجنات في مولد خاتم الرسالات) رتبه على ثلاثة وعشرين روضة على عدد سنِّه صلى الله عليه وسلم من حين البعث إلى حين الوفاة. وأوله: الحمد لله الذي جعل مولد سيد المرسلين، بشير خيرٍ وسعد على العالمين، والحمد لله الذي يسر ببعثته أسباب الطمأنينة في الظاهر والباطن لجيمع خلقه وهو السميع العليم. فقال في الروضة الأولى: كل مؤمن أيها الإخوان، يعلم أن الله سبحانه كان موجودا قبل خلق الأكوان، ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولاشمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كلّ ولا بعض، ولا يقال متى كان ولا أين كان، ولا كيف كان، كوّن الأكوان ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يختص بالمكان، ولا يلحقه وهم، ولا ينحصر في الذهن، ولا يتصور في الوهم، ولا يُتَكَيَّفُ في العقل جلَّ عن الشبيه والنظير، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} . وقال في آخره: وافق الفراغ من تقييده يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلاثمائة وألف . ثم أعدتّ فيه النظر وزدت ونقصت مدة فتم تحريرا في يوم السبت الثامن عشر من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وثلاثمائة وألف . انتهى ما نقلته من كتاب "مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبوي القدسي" للشيخ الدكتور عاصم إبراهيم الكيالي الحسيني . وذُكِرَ في مصادر كتاب" خلاصة الكلام في الإحتفال بمولد خير الأنام" مؤلفاتٌ ألفت في المولد الشريف منها: 35. مولد (الدر المنظم بمولد النبي الأعظم) للقاضي أحمد العزفي 36. ومولد (البشير النذير السراج المنير) لأبي الوفاء الحسيني 37. ومولد (المصطفى العدناني) لعطية الشيباني الزبيدي 38. ومولد (العلم الأحمد في المولد المحمدي) للإمام عبد الغني النابلسي 39. ومولد (الموارد الهنية في مولد خير البرية) للإمام علي السمهودي 40. ومولد (تحفة البشير على مولد ابن حجر) للإمام الباجوري 41. ومولد (نور الصفا في مولد المصطفى) للشيخ علي سليم الطنطاوي 42. ومولد (التجليات الخفية في مولد خير البرية) للشيخ محمد المغربي دفين اللاذقية 43. ومولد (حول الإحتفال بالمولد النوبي الشريف) للسيد محمد بن علوي المالكي الحسني فهؤلاء وغيرهم ألّفوا في المولد النبوي الشريف تقربا إلى الله بخدمة جنابه الرفيع . وقد ألِّفَتْ أيضا كتب كثيرة في مشروعية الإحتفال بالمولد النبوي الشريف واستحبابه منها: 1.(حسن المقصد في عمل المولد) للحافظ الجلال السيوطي. 2.و (بلوغ المأمول) للشيخ عيسى بن عبد الله 3.و (خلاصة الكلام في الاحتفال بمولد خير الأنام) للشيخ عبد الله بن الشيخ أبي بن سالم الشافعي. 4.و (حجة المحتفلين على مانعي احتفال مولد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم) لرفيقي الشيخ أحمد بن الشيخ حسن بن محمود المشهور (بشيخ شيلر) تنبيه استحسن بعض العلماء في المولد القيام عند ذكر ولادته صلى الله عليه وسلم، وعند سماع مدحه صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ محمد بن علوي المالكي: جرى على هذا القيام العمل في سائر الأقطار والأمصار واستحسنه العلماء شرقا وغربا والقصد به تعظيم صاحب المولد الشريف صلى الله عليه وسلم، وما استحسنه المسلمون فهو عند الله حسن، وما استقبحوه فهو عند الله قبيح واعلم أن القيام لأهل الفضل مشروع ثابت بالأدلة الكثيرة من السنة، وقد ألف الإمام النووي في ذلك جزء مستقلا وأيده ابن حجر، وقد ورد في الحديث المتفق عليه قوله صلى الله عليه وسلم خطابا للأنصار: قوموا إلى سيدكم، وهذا القيام كان تعظيما لسيدنا سعد رضي الله عنه ولم يكن من أجل كونه مريضا وإلا لقال: قوموا إلى مريضكم ولم يقل إلى سيدكم، وكان من الهدي النبوي صلى الله عليه وسلم أن يقوم تعظيما للداخل عليه وتأليفا كما قام لابنته فاطمة رضي الله عنها، فدل ذلك على مشروعية القيام، وقد يقول بعضهم: إن ذلك كان في حياته وحضوره صلى الله عليه وسلم وهو في حالة المولد غير حاضر، فالجواب عن ذلك أن قارئ المولد الشريف مستحضر له صلى الله عليه وسلم بتشخيص ذاته الشريفة، وهذا التصور شيء محمود ومطلوب بل لا بد أن يتوفر في ذهن المسلم الصادق في كل حين ليكمل اتباعه له صلى الله عليه وسلم وتزيد محبته فيه صلى الله عليه وسلم، فالناس يقومون احتراما وتقديرا لهذا التصور الواقع في نفوسهم عن شخصية ذلك الرسول العظيم مستشعرين جلال الموقف وعظمة المقام، ويكون استحضار الذاكر ذلك موجبا لزيادة تعظيمه صلى الله عليه وسلم، انتهى باختصار وتصرف يسير . وممن فعل ذلك القيام الإمام المجتهد قاضي القضاة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، ففي ((طبقات الشافعية الكبرى)) جـ6 ص174 لابنه عبد الوهاب: أن والده الإمام السبكي حضر مرة ختمة بالجامع الأموي، وحضرت القضاة وأعيان البلد بين يديه وهو جالس في محراب الصحابة، فأنشد المنشد قصيدة الصرصري التي أولها: قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب فلما قال: وأن تنهض الأشراف عند سماعه- البيت حصلت للشيخ حالة وقام واقفا للحال، فاحتاج الناس كلهم أن يقوموا فقاموا أجمعون، وحصلت ساعة طيبة. انتهى بلفظه. والأبيات التي أشار إليها هي : قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب على فضة من خط أحسن من كتب وأن تنهض الأشراف عند سماعه قياما صفوفا أو جثيا عـلى الركب أما الله تعظيما له كتب اسمـه عـلى عرشه يا رتبة سمت الرتب وفي ((جواهر البحار)) جـ3 ص 360: أن الشيخ أحمد بن عبد الغني بن عمر عابدين المتوفى سنة 1320 تقريبا قال في شرحه على مولد ابن حجر الهيتمي: جرت العادة بأنه إذا ساق الوعاظ مولده صلى الله عليه وسلم وذكروا وضع أمه له قام الناس عند ذلك تعظيما له صلى الله عليه وسلم، وهذا القيام بدعة حسنة لما فيها من إظهار الفرح والسرور والتعظيم، بل مستحسنة لمن غلب عليه الحب والإجلال لهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. وقد وجد القيام عند ذكر اسمه الشريف مِن عالم الأمة ومقتَدَى الأئمة دينا وورعا الإمام تقي الدين السبكي، وتابعه على ذلك مشايخ الإسلام في عصره، ثم ذكر ابن عابدين أبيات أبي زكريا يحيى الصرصري المذكورة، وقيام السبكي ومن معه عند إنشادها، وقال: كان ذلك عند ختم درسه، وقال أيضا: ولم تزل عليه المواظبة من العلماء الأعلام والمشايخ الكرام اهـ. قلت: وابن عابدين كما في ((الأعلام)) للزركلي فقيه حنفي ألف نحو 20 كتابا ورسالة، وتوفي سنة 1307هـ وقد علمت ما قدمناه من أنه توفي 1320هـ. وقال البرزنجي في مولده: وقد اسحتسن القيام عند ذكر مولده الشريف أئمة ذوو رواية وروية، فطوبى لمن كان تعظيمه صلى الله عليه وسلم غاية مرامه ومرماه. وقال في منظومته في المولد المسماة بالنونية بعد كلام في ظهوره وولادته صلى الله عليه وسلم: وقد سنّ أهل العلم والفضل والتقى قياما على الأقدام مع حسن إمعان وقال الشيخ محمد عزب: ولذكر مولده يسن قيامنا أدَباً لدى أهل العلوم تأكّدا وقال السيد أحمد زيني دحلان المتوفى سنة 1304 هـ: هذا القيام مستحسن لما فيه من تعظيم النبي صلى الله عليهوسلم . وكان العلماء والمشايخ الذين أدركناهم يقومون عند ذكر ميلاده صلى الله عليه وسلم، وفي المسألة خلاف، فقد قال ابن حجر الهيتمي في ((الفتاوي الحديثية)) ص 69: إن ما يفعله كثير عند ذكر مولده صلى الله عليه وسلم ووضع أمه له من القيام بدعة لم يرد فيه شيء على أن الناس إنما يفعلون ذلك تعظيما له صلى الله عليه وسلم فالعوام معذورون لذلك، بخلاف الخواص. وعلل ذلك بأن فيه إيهام العوام ندبه اهـ قلت: لم أر هذا الخلاف لغيره والله أعلم . فائدة استحسن بعض العلماء فيما مضى وفي زماننا أن يكون يوم المولد الشريف يوم عطلة فلا يدرسون فيه الدروس، ويرشدون الطلبة إلى حضور محافل المولد ويحثونـهم على ذلك، وكذلك معلِّمو القرآن الكريم يرسلون الصبيان إلى منازلهم ليشتركوا مع أهلهم الفرح والسرور بعيد المولد النبوي. وقال الحافظ السيوطي في ((حسن المقصد في عمل المولد)): قال الكمال الأدفوي في ((الطالع السعيد)): حكى لنا صاحبنا العدل ناصر الدين محمود بن العماد أن أبا الطيب محمد بن إبراهيم السبتي المالكي نزيل ((قوص)) أحد العلماء العاملين كان يجوز بالمكتب في اليوم الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا فقيه هذا يوم سرور اصرف الصبيان فيصرفنا. ثم قال السيوطي: وهذا منه دليل على تقريره وعدم إنكاره، وهذا الرجل كان فقيها مالكيا متفننا في علوم متورعا، أخذ عنه أبو حيان وغيره، ومات سنة 695 اهـ وفي هذا تأديب الصبيان وتربيتهم بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بتأديبهم بذلك، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((أدبوا أولادكم على ثلاث خصال، حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن)). وفيه أيضا تعليمهم بشهر ولادته صلى الله عليه وسلم ويومها. الفصل الرابع في ذكر العلماء القائلين بجواز هذا الاحتفال إجمالا بعد ذكرهم تفصيلا لقد ذكرنا من العلماء القائلين بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الحافظ ابن دحية، والحافظ شيخ القراء وإمامهم شمس الدين ابن الجزري، والحافظ القسطلاني، وشيخه الحافظ السخاوي، وشيخه أمير المؤمنين في الحديث حافظ عصره ابن حجر العسقلاني، وشيخه الحافظ الكبير الشهير زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، والحافظ إسماعيل بن كثير صاحب التفسير المشهور وتلميذ ابن تيمية، والحافظ ابن رجب الحنبلي، والحافظ شمس الدين بن ناصر الدمشقي، والحافظ السيوطي، والحافظ عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، والحافظ الديبعي. فهؤلاء اثنا عشر من أكابر حفاظ الحديث وأئمته وحملة الشريعة المطهرة، وذكرنا أيضا أن الإمام الكبير سراج الدين عمر البلقيني، والشيخ المعتقد أبا عبد الله المغربي، والشيخ برهان الدين إبراهيم بن زقاعة كانوا يحضرون حفلة المولد النبوي التي يقيمها السلطان الظاهر برقوق، وذكرنا أيضا الشيخ إبرهيم بن علي بن إبرهيم، والإمام الفقيه ابن حجر الهيتمي، وهو وإن كان حافظا كما في ((النور السافر)) ص 287 لكنه اشتهر بفن الفقه، وأبا الطيب محمد بن إبراهيم السبتى المالكي الفقيه. وهؤلاء كلهم كانوا قبل انصرام القرن العاشر من الهجرة. وذكرنا ممن كان بعد الألف من الهجرة ملا علي بن سلطان قارئ الحنفي، وعده بعضهم من حفاظ الحديث، والشيخ محمد نووي الجاوي، والزرقانى، والسيد أحمد زيني دحلان، وتلميذه السيد البكري، والعلامة البرزنجي، ومحمد عثمان الميرغني، صاحب ((تاج التفاسير)) خليفة سيدي أحمد بن إدريس، والشيخ عزب، وعيسى بن عبد الله صاحب ((بلوغ المأمول))، ومحمد بن علوي المالكي. وذكرنا من علماء هذا القطر الصومالي الصوفيَ الكبيرَ، والولي الشهير، الشيخ أويس بن محمد البراوي القادري، والعلامة النحرير صاحب الفنون الكثيرة، والتآليف العديدة، الشيخ عبد الرحمن الزيلعي، وشيخنا عبد الرحمن بن عمر الورشيخي بلدا القادري طريقة، والشيخ العلامة محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني، والشيخ الشريف العلامة المحدث الكبير سيدي محمد بن شيخ الجماعة سيدي جعفر الكتاني الحسيني، والشيخ العلامة محمد بن محمد الحجوجي الحسني، والشيخ العلامة المحقق أبوعلي سيدي الحسن بن عمر مزور، والشيخ العلامة فضول بن محمد الهواري، والعلامة المحدث أحمد بن محمد فتحا العلمي الفاسي، والسيد محمد بن السيد المختار الشنجيطي التيجاني، والعلامة عبد الله بن محمد المناوي الشاذلي، والإمام ابن الجوزي في المولد، والشيخ حسن محمد عبد الله شداد عمر باعمر، والشيخ السيد محمد بن علوي المالكي، والشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني، والشيخ محمد بن سالم بن حفيظ بن الشيخ أبي بكر بن سالم، والشيخ عبد القادر الحمصي الشاذلي اليشرطي، والشيخ العلامة الجليل مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا، والأستاذ خير الدين وائلي، والإمام الحافظ محمد الباقر بن محمد بن عبد الكبير الكتاني الحسني، والقاضي أحمد العزفي، وأبو الوفاء الحسيني، والعطية الشيباني الزبيدي، والإمام عبد الغني النابلسي، والإمام علي السمهودي، والإمام الباجوري، والشيخ علي سليم الطنطاوي، والشيخ محمد المغربي دفين اللاذقية، والشيخ عيسى ابن عبد الله، والشيخ عبد الله ابن الشيخ أبي بكر بن سالم الشافعي . فهؤلاء المذكورون من بين مصنّف في المولد النبوي أو في مشروعية احتفاله، أو من أفتى بذلك، أو حضر باحتفاله بسرور ومحبة مُتّفقُون كلهم على مشروعية الاحتفال للمولد النبوي، وهم الأئمة وقادة الأمة، وحملة الشريعة، وورثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفاظ السنّة المطهرة، والمفسرون والفقهاء والأصوليون والزهاد والصوفية، وأؤلئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده، واحذر أن تكون ممن يشاقق الله ورسوله، ويتبع غير سبيل المؤمنين فَيُوَلّيه الله ما تولى، ويصله جهنم وساءت مصيرا، نسأل الله الإهتداء بـهديهم والتمسك بحبلهم. وأما من لم نذكرهم من العلماء فهم أكثر من الآلاف بل والملايين، ولا مطمع في إحصائهم وجمعهم في كتاب. وكذلك الأدلة التى استدلوا بـها على مشروعيته كثيرة جدا، واستدلَّ بعضهم على الاحتفال للمولد النبوي بجميع أدلة الشريعة الأربعة من الإجماع ومن آيات كثيرة تبلغ عشرة، وأحاديثَ كثيرة بعضها نصّ في ذلك ليس فيه احتمال، كحديث من سن في الإسلام سنة حسنة- الحديث، والقياس الجلي . تنبيه في ذكر من منع الإحتفال للمولد النبوي اعلم أنه لم ينكر فيما علمت مشروعية الاحتفال للمولد الشريف منذ ظهوره إلى أواخر القرن الحادي عشر أو أوائل القرن الثاني عشر أحدٌ من العلماء المعتبرين غير الشيخ عمر بن علي بن سالم اللخمي السكندري الفاكهاني والشاطبى المالكيين، وتناقض فيه كلام ابن الحاج المالكي كما سيأتي إن شاء الله، قال السيوطي رحمه الله في ((حسن المقصد في عمل المولد)): إن الفاكهاني ألف كتابا في أن المولد بدعة مذمومة، وسماه ((المورد في الكلام على عمل المولد)) ثم ذكر السيوطي كتابه ذلك كله من أوله إلى آخره، ثم تعقبه ورده كلمة كلمة فلم تبق بعد ذلك له شبهة. وفي ((حسن المحاضرة)) للسيوطي جـ1 ص 458: أن الفاكهاني كان فقيها متفننا في العلوم صالحا عظيما، صحب جماعة من الأولياء وتخلق بآدابـهم، ولد سنة 654 هـ ومات سنة 734 هـ وترجم للفاكهاني أيضا الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((الدرر الكامنة))ج 3 ص 178 فمما قال فيه: إنه تفقه لمالك، ومهر في العربية والفنون، وصنف شرح ((العمدة)) وغيره. قرأت بخط المحدث بدر الدين حسن النابلسي قال: حكى لنا شمس الدين محمد بن عبد المحسن بن أبي الربيع الدمنهوري قال: قال الشيخ شمس الدين الفاكهاني: كان الشيخ أبو العباس الشاطر الدمنهوري يقول: لا يحجبني عن أصحابي التراب، فطلبت من الله تعالى عند قبره ثلاث حوائج، تزويج البنات من فقراء صالحين، وحفظ كتاب الله، وكان تعسر عليّ، والحج وكنت أعوز من النفقة ألف درهم، فرأيت الشيخ في المنام قبل طلوع الشمس وهو يقول: يأتيك فلان التاجر بألف درهم، وما تدخل مكة حتى يفتح عليك بـها، قال: فاقترضت الألف وسافرت حتى وصلت إلى المعلى ولم يفتح عليّ شيء، فلما طلعت الحدرة() وأنا ماش وإذا رجل يسأل عني، فأشاروا إليّ فناولني ألف درهم وقال: رأيت البارحة قائلا يقول: خذ معك ألف درهم وألق بـها فلانا، قال: فأخذتـها وأتيت إلى الذي اقترضت منه الألف فدفعتها إليه. وأما ابن الحاج فقد تكلم في كتابه ((المدخل)) على عمل المولد فمدحه مرة بما كان فيه من إظهار شعار وشكر، فمما قال فيه: ينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم – يعني شهر مولده صلى الله عليه وسلم - أن يكرم ويعظم ويحترم الاحترام اللائق به اتباعا له صلى الله عليه وسلم في كونه كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات، ألا ترى إلى قول ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، فنمتثل تعظيم الأوقات الفاضلة بما امتثله على قدر استطاعتنا. ومما قال في مدحه وترغيب الناس فيه أيضا: أشار عليه الصلاة والسلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين ((ذاك يوم ولدت فيه)) فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه، فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضله الله به الأشهر الفاضلة وهو منها، وقال أيضا: تعظيم هذا الشهر إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات، فمن عجز عن ذلك فأقل أحواله أن يجتنب ما يحرم عليه تعظيما لهذا الشهر الشريف، وإن كان مطلوبا في غيره إلا أنه في هذا الشهر أكثر احتراما، كما يتأكد في شهر رمضان وفي الأشهر الحرم، فيترك الحدث بالدين،ويجتنب مواضع البدع وما لا ينبغي. وذمه مرة أخرى بما يحتوي عليه بعض الموالد من البدع والمحرمات والمنكرات، فمما قال في ذلك: قد ارتكب بعضهم في هذا الزمان ضد هذا المعنى وهو أنه إذا دخل هذا الشهر العظيم تسارعوا فيه إلى اللهو واللعب بالدف والشبابة وغيرهما، وذكر مفاسد أخرى، ثم قال: فإن عمل طعاما فقط ونوى به المولد، ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره – أي من المفاسد- فهو بدعة بنفس نيته، لأن ذلك زيادة في الدين، وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد، ونحن تبع لهم فيسعنا ما وسعهم اهـ ملخصا ولا يخفى ما في أول كلامه وآخره من التعارض ولا يمكن جمع ذلك، فلا محيد إذا إلا أن نقول بتناقض قولي ابن الحاج. قال السيوطي رحمه الله في ((حسن المقصد)): وحاصل ما ذكره ابن الحاج أنه لم يذم المولد بل ذم ما يحتوي عليه من المحرمات والمنكرات، وأول كلامه صريح في أنه ينبغي أن يخص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الخيرات والصدقات وغير ذلك من وجوه القربات، وهذا هو عمل المولد الذي استحسناه، فإنه ليس فيه شيء سوى قراءة القرآن، وإطعام الطعام، وذلك خير وبر وقربة، وأما قوله آخرا: إنه بدعة فإما أن يكون مناقضا لما تقدم أو يحمل على أنه بدعة حسنة أو يحمل على أن فعل ذلك خير والبدعة منه نية المولد كما أشار إليه بقوله: فهو بدعة بنفس نيته فقط وبقوله: ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد، فظاهر هذا الكلام أنه كره أن ينوى به المولد فقط ولم يكره عمل الطعام ودعاء الإخوان إليه، وهذا إذا حوقق النظر لا يجتمع مع أول كلامه، لأنه حث فيه على زيادة فعل البر وما ذكر معه على وجه الشكر لله تعالى إذ أوجد في هذا الشهر الشريف سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وهذا هو معنى نية المولد، فكيف يذم هذا القدر مع الحث عليه أولا، وأما مجرد فعل البر وما ذكره معه من غير نية أصلا فإنه لا يكاد يتصور، ولو تصور لم يكن عبادة ولا ثواب فيه، إذ لا عمل إلا بنية ولا نية هنا إلا الشكر لله تعالى على ولادة هذا النبي الكريم في هذا الشهر الشريف، وهذا معنى نية المولد فهي نية مستحسنة بلا شك فتأمل اهـ وفي ((حسن المحاضرة)) ج1ص459و((الدرر الكامنة)) ج4ص237 : كان ابن الحاج أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي أحد العلماء العاملين المشهورين بالزهد والصلاح، لزم الشيخ أبامحمد بن أبي جمرة فعادت عليه بركاته، وكان فقيها عالما بمذهب مالك، وصحب جماعة من أرباب القلوب، مات سنة 737 هـ وجمع كتابا سماه ((المدخل )) كثير الفوائد كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس ويتساهلون فيها، وأكثرها مما ينكر وبعضها مما يحتمل اهـ وقال القسطلاني في ((المواهب اللدنية)) ج1ص263: لقد أطنب ابن الحاج في (( المدخل )) في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف، فالله يثيبه على قصده الجميل. وقال الزرقاني في شرحه على ((المواهب)) ج1ص263: قال ابن فرحون و((المدخل)) كتاب حفيل جمع فيه علما غزيرا،والاهتمام بالوقوف عليه متعين، ويجب على من ليس له في العلم قدم راسخ أن يهتم بالوقوف عليه انتهى. تنبيه لقد ذكرنا أن الفاكهاني كان يتبرك بقبر الشيخ شاطر ويدعو عنده، وكان ابن الحاج ممن يستحسن الاستغاثة والتوسل بالصالحين من الأموات، ويحث على ذلك كما ذكره في مواضع من كتابه ((المدخل)) بل توسل هو بجاه النبي صلى الله عليه وسلم كما في كتابه ((المدخل)) جـ1ص264، وأكثر المنكرين للاحتفال للمولد النبوي في العصور المتأخرة يعتقدون أن كل من استغاث بالأموات يكون بذلك مشركا، ويسمون المتوسلين المستغيثين برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالصالحين والمتبركين بقبورهم عبادَ القبور، فكيف يستقيم لهم حينئذ الاستدلال بقول هذين الشيخين ما دام ينسبون إليهم وإلى أمثالهم الشرك وعبادة القبور لتوسلهم وتبركهم بالقبور . تكميل في ظهور طائفة في بلادنا تمنع الاحتفال للمولد النبوي وتقسيم البدعة إلى محمودة ومذمومة لقد كثر وانتشر في بلادنا في النصف الأخير من القرن الرابع عشر الهجري إلى عصرنا طائفة تبذل قصارى جهدها في منع المولد النبوي والزجر على فاعليه، وبالغ بعضهم في إنكار ذلك حتى قالوا: إن الاحتفال للمولد النبوي من الكبائر، وإنه كاحتفالات النصارى لعيد الميلاد، وإن الطعام الذي يتصدق فيه حرام أكله إلى غير ذلك من تقوّلاتـهم ومزاعمهم، ولم يذكروا لذلك حجة ولادليلا من آية قرآنية أوحديث نبوي أو قياس يقتنع به أويرتضيه من له أدنى معرفة بالعلم، غير أنـهم تشبثوا بكلمة واحدة وهي: أن الاحتفال للمولد لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه فهو محدث، وكل محدث في الدين بدعة مذمومة، وكل بدعة ضلالة، فيكون المولد حينئذ مذموما وضلالة، ومع هذا وصفوا أنفسهم بأنـهم المتمسكون بالكتاب والسنة النبوية، وادعوا أنـهم الدعاة إليهما، ولا شك أنـهم يخالفون الآيات والأحاديث الكثيرة التي استدل بـها المفسرون والحفاظ للمولد النبوي، وأقوال العلماء الأجلاء، فمتى كانت مخالفة الكتاب والسنة ومنابذتـهما موافقة لهما، ومتى كان التمسك بـهما وتوقير رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفة لهما ؟!! وقولهم: لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم غير مُسَلَّمٍ، فقد ذكرنا أن السيوطي استدل للمولد الشريف بحديث أنه صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه، وكذلك شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني استدل على مشروعية المولد بحديث صيام عاشوراء، فهذان شيئان فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صرح الحافظان المذكوران وغيرهما بأن العقيقة والصيام المذكورين مما يقع عليه اسم الاحتفال للمولد الشريف، فكيف يدعى بعد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يحتفل للمولد أصلا، وإنما الذي لم يفعله صلى الله عليه وسلم هذه الكيفية التي ابتدأ بـها الملك المظفر من إخراج الصدقات وإظهار المسرات واجتماع الناس لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيره وإجلاله. وكذلك قولهم: إن كل فرد من أفراد المحدثات بدعة سيئة غير مُسَلَّم، فقد قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة وحمة ورهبانية ابتدعوها} الآية: إن أتباع عيسى عليه السلام ابتدعوا هذه الرهبانية ولم يذمهم الله بـهذا الإبتداع بل عابـهم على عدم رعاية هذه الرهبانية المخترعة، قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه - ورهبانية):لم يعن الله تعالى بابتدعوها طريقة الذم، بل المراد أنـهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها، ولذا قال تعالى بعده: ما كتبناها عليهم. وقال: ورهبانية- منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر، تقديره ابتدعوا رهبانية ابتدعوها، والاستثناء في "إلا ابتغاء رضوان الله" منقطع، والمعنى أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله اهـ قلت: فهذا نص في ابتداع شيء لابتغاء مرضاة الله، فما المانع أن يكون الاحتفال للمولد الشريف كذلك إذا فرضنا أنه محدث مبتدع . وفي حاشية الجمل على تفسير الجلال المحلي: قوله "إلا ابتغاء رضوان الله" الإستثناء فيه منقطع، وإلى هذا ذهب قتادة وجماعة، قالوا: معناه لم نفرضها عليهم ولكنهم ابتدعوها، وقيل: إن الإستثناء متصل، والمعنى ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا ابتغاء مرضات الله، ويكون كتب بمعنى قضى اهـ من السمين . ومثله في تفسير أبي السعود . وقال الحافظ السيوطي في (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) في تفسير هذه الآية: أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه وابن نصر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن الله كتب عليكم صيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه فدوموا عليه ولا تتركوه، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة فعابـهم الله بتركها، وتلا هذه الآية- ورهبانية ابتدعوها اهـ وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية. ثم ذكر حديث أبي أمامة إلى آخره . وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ أبي بكر بن سالم الشافعي في (خلاصة الكلام في الاحتفال بمولد خير الأنام) ص19: روى حديث أبي أمامة المذكور الطبراني في الأوسط، وفي سنده زكريا بن أبي مريم، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: وما استنبطه الصحابي الجليل أبو أمامة رضي الله عنه صحيح، فإن الآية لم تعب أولئك الناس على ابتداع الرهبانية لأنـهم قصدوا بـها رضوان الله بل عاتبهم الله على أنـهم لم يراعوها حق رعايتها، وهذا يفيد مشروعية البدعة الحسنة كما هو ظاهر من نص الآية وفهم الصحابي الجليل لها. انتهى ما في خلاصة الكلام . فالحاصل أن الله جل شأنه ذكر في هذه الآية أن أتباع عيسى عليه السلام ابتدعوا رهبانية ابتغاء مرضاة الله، ولم يذمّهم تعالى في ابتداعهم هذا، بل عابـهم على عدم رعاية هذه الرهبانية المختَرَعَة حق رعايتها . فدلّ هذا كله على أنّ ابتداع الخير عموما لابتغاء مرضات الله جائز بل هو محبوب، وأنّ رعايةَ هذا المبتَدَع مطلوب طلبا أكيدا، وأن تركَه عيب يعاب به على تاركه، ولولا أنّ هذا الابتداع مستحسن شرعا لما عابـهم الله على تركه وعدم رعايته . فدلّت هذه الآية دلالة واضحة على مشروعيّة ابتداع الخيرات واختراع المستحسنات. فأيّ ملام على من اخترع كيفية مخصوصة وهيئة مستحدَثَةً لتوقير سيد الخلائق صلى الله عليه وسلم وتعظيمه من الاحتفال بميلاده صلى الله عليه وسلم وقراءة سيرته وإطعام الفقراء والمساكين ونحو ذلك من أنواع الخيرات والْمَبَرَّات ابتغاء مرضات الله جل جلاله. ولا أظن أن أحدا يتخيّل أن الله سبحانه وتعالى أباح لأتباع عيسى عليه السلام الابتداعَ ثم يحرّمه عن أتباع سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله وسلم عليهم أجمعين، القائل: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بـها بعده . لطيفة ينبغي للمحتفلين للمولد النبوي ابتغاءَ رضوان الله أن يدوموا عليه ولا يتركوه أصلا إلا بعذر مانع وإن قلنا: إنه البدعة، فقد علمتَ أن الله تعالى عاب على بني إسرائيل بعدم رعاية ما اخترعوه والتزموه، وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يترك عبادة فعلها . واعلم أن الرهبانية هيئة مركبة من الاعتزال عن الناس والانقطاع إلى العبادة والتَّبَتّل إلى خدمة الرحمن ورفض الدنيا بالكلية والزهد عنها، وكذلك الإحتفال للمولد النبوي هيئة مركبة من اجتماع الناس لقراءة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإكثار الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وإنشاد المدائح والقصائد النبوية المحرّكة في القلوب كَمِيْنَ حبّ الحبيب والشّوق إليه صلى الله عليه وسلم، فهما متماثلان أو مشتبهان لكون كل منهما هيئةً مركبة من أنواع القُرَبِ والخيرات، فإذا كانت إحداهما –وهي الرهبانية- مطلوبة مستحسنة شرعا فلتكن الأخرى كذلك، وهذا قياس ظاهر جلي والله الموفق . قال الشيخ عبد الله محمد بن مانع الحميري في كتابه "البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع" ص46: لقد ذهب عامة المفسرين إلى أن الله سبحانه وتعالى قد رضي من بني إسرائيل هذه البدعة، وأمرهم بالداوم عليها وعدم تركها، وجعلها في حقهم كالنذر الذي من ألزم نفسه به فعليه القيام به، وعدمُ تركه والتهاونِ فيه، فمن نذر نذرا مّا ولم يوف به فإنه لا يلام على أن نذر هذا النذر، وإنما يلام على عدم الوفاء به . وقال العلامة الآلوسي (15/294): " ليس في الآية ما يدلّ على ذم البدعة مطلقا، والذي تدلّ عليه ظاهرا ذم عدم رعاية ما التزموه" انتهى. فغاية ما تفيده الآية في ذلك النص على أن الرهبانية إنما هي محض بدعة من عند أنفسهم لم يكتبها الله عليهم، دون تلميح من قريب أو بعيد إلى أن الله سبحانه وتعالى قد ذمهم على هذا الإبتداع، بل على العكس من ذلك قد يلمح من سياق الآية ما يدل على امتداحهم على هذه البدعة، وذلك من وجهين: الوجه الأول: من قوله تعالى: (إلا ابتغاء رضوان الله) حيث نص على صحة قصدهم من هذه البدعة وإخلاصهم فيها، قال الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير (27/423): "وإنما عطفت هذه الجملة على جملة (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه) لاشتراك مضمون الجملتين في أنه من الفضائل المراد بـها رضوان الله، والمعنى: وابتدعوا لأنفسهم رهبانية ما شرعناها لهم، ولكنهم ابتغوا بـها رضوان الله، فقبلها الله منهم، لأن سياق حكاية ذلك عنهم يقتضي الثناء عليهم انتهى . والوجه الثاني: من قوله تعالى: (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم...) فهذا نص من الله سبحانه وتعالى على أنه قد أثاب الذين رعوها حق رعايتها وأثابـهم أجرهم. وهذا دليل قبول منهم ورضا بفعلهم، قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى (27/241): وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الذين وصفهم الله بأنـهم لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها بعضُ الطوائف التي ابتدعتها، وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم، قال: فدل بذلك على أن منهم من قد رعاها حق رعايتها، فلو لم يكن منهم من كان كذلك لم يكن مستحق الأجر الذي قال جل ثناؤه فيه: (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) إلا أن الذين لم يرعوها حق رعايتها ممكن أن يكونوا كانوا على عهد الذين ابتدعوها، وممكن أن يكونوا كانوا بعدهم، لأن الذين هم من أبنائهم إذا لم يكونوا رعوها، فجائز في كلام العرب أن يقال: لم يرعها القوم على العموم، والمراد منهم البعض الحاضر، وقد مضى نظير ذلك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب . وقوله: (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) يقول تعالى ذكره: فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابـهم على ابتغائهم رضوان الله، وإيمانـهم به وبرسوله في الآخرة، وكثير منهم أهل معاص وخروج عن طاعته والإيمان به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل" اهـ، انتهى ما نقلته من كتاب "البدعة الحسنة أصل من أصول الشرائع" ص46-49 . فثبت أن كثيرا مما اخْتُرِعَ وابْتُدِعَ في الدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه خير كثير، وأجر جزيل، كما هو ظاهر هذه الآية وصرّح به قوله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة - الحديث، وذكر العلماء أن من البدع ما يكون فرضا فضلا عن أن يكون نفلا، فقد قال النووي في ((تـهذيب الأسماء واللغات))في مادة ((بدع))ج 3 ص 20: البدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة. قال الشيخ الإمام المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه في آخر كتاب ((القواعد)): البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة، قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فمحرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة، وللبدع الواجبة أمثلة منها: الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب ولا يتأتى حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الثاني : حفظ غريب الكتاب والسنة في اللغة. الثالث : تدوين أصول الدين وأصول الفقه. الرابع: الكلام في الجرح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم، وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين، ولا يتأتى ذلك إلا بما ذكرناه، وللبدع المحرمة أمثلة منها مذاهب القدرية، والجبرية، والمرجئة، والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة. وللبدع المندوبة أمثلة منها: إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول. ومنها: التراويح والكلام في دقائق التصوف، وفي الجدل. ومنها جمع المحافل للاستدلال إن قصد بذلك وجه الله تعالى. وللبدع المكروهة أمثلة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف. وللبدع المباحة أمثلة منها: المصافحة عقب الصبح والعصر، ومنها: التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن، ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام، وقد يختلف في بعض ذلك، فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة، ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله فما بعده، وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة، هذا آخر كلامه (يعني كلام ابن عبد السلام). وروى البيهقي بإسناده في ((مناقب الشافعي)) أن الشافعي رضي الله عنه قال: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة، والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من العلماء، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه يعني أنـها محدثة لم تكن، وإذا كانت ليس فيها رد لما مضى، هذا آخر كلام الشافعي رضي الله تعالى عنه انتهى مانقلته من ((تـهذيب الأسماء واللغات)). وقال النووي أيضا في شرح مسلم في باب الجمعة ج3ص 423: قال أهل اللغة : البدعة كل شيء عمل على غير مثال سابق، قال العلماء: البدعة خمسة أقسام، واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة، فمن الواجبة نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباح التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران انتهى. وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى أيضا: وفي حديث من سن في الإسلام سنة حسنة إلى آخره تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم :كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة، ويؤيد ما قلناه من أن الحديث من العام المخصوص قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة. ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا قوله-كل بدعة- مؤكدا بـ ((كل)) بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى ((تدمركل شيء)) انتهى ملخصا من شرح مسلم ج4ص113 ومن ج3ص423 . وقال الحافظ ابن عساكر في ((تبيين كذب المفتري)) ص97: كل بدعة لا توصف بالضلالة، فإن البدعة هي ما ابتدع وأحدث من الأمور حسنا كان أو قبيحا بلا خلاف عند الجمهور، ثم ذكر قول الإمام الشافعي المذكور. وقال الحافظ السخاوي في ((فتح المغيث)) شرح ألفية العراقي ج1ص356: والبدعة هي ماأحدث على غير مثال متقدم، فيشمل المحمود والمذموم، ولذا قسمها ابن عبد السلام الى الأحكام الخمسة وهو واضح. وفي ((الفتاوي الحديثة)) لابن الحجر الهيتمي ص130: وفي الحديث كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وهو محمول على البدعة المحرمة لاغير، وفيه أيضا: وحيث حصل في الاجتماع لذكر أوصلاة التراويح أو نحوها محرم وجب على كل ذي قدرة النهي عن ذلك، وعلى غيره الامتناع من حضور ذلك، وإلا صار شريكا لهم، ومن ثم صرح الشيخان –أي الرافعي والنووي– بأن من المعاصي الجلوس مع الفساق إيناسا لهم اهـ واعلم أنه لاخلاف في أن كثيرا من المحدثات الدينية تكون محمودة مستحسنة، بل بعضها فرض كفاية كعلم النحو، وقد قال جمهور العلماء: إنـها تسمي بدعة حسنة، وقدذكرنا من القائلين بذلك أمير المومنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والإمام الشافعي، وحافظ الدنيا ابن عساكر، وسلطان العلماء عزالدين بن عبد السلام، وأباشامة، والنووي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ السخاوي، والجلال السيوطي، وابن حجرالهيتمي، فهولاء عشرة من أئمة الدنيا، وسادات هذه الأمة المحمدية، وعلى نـهجهم هذا مضى أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، ممن لايجمعهم ديوان ولايحصيهم إلا الله،وقدذكرنا آنفا عن ابن عساكر أنه قال: لا خلاف في ذلك عند الجمهور. وقال آخرون ليس الاحتفال للمولد بدعة لثبوت أصله من السنة، وتوارد الأدلة المؤيدة لوقوعه. قلت: خالف الجمهور في تسمية ذلك بالبدعة الحسنة أبو إسحاق إبرهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي المتوفى سنة 790 فقال في كتابه ((الاعتصام)): إن جميع أنواع البدع ضلالة بلا استثناء، وأنكر أن الأحكام الخمسة تجري عليها، وسمى كل المحدثات الدينية المحمودة بالمصالح المرسلة، فصار قوله هذا شاذا، وقسم آخرون البدعة إلى لغوية وشرعية، وقالوا إن البدعة المنقسمة إلى حسنة وسيئة هي اللغوية. وأما الشرعية فلا تنقسم إلى ذلك، بل كلها ضلالة. وعلى هذا فالخلاف لفظي لا معنوي، فيكون مراد من قسمها إلى حسنة وسيئة اللغوية، ومن منع ذلك فمراده الشرعية، وقد نقل ابن حجر الهيتمى في ((الفتاوى الحديثية)) ص 240 عن بعضهم ما يفيد ذلك. وعلى كل حال ليست التسمية مما يهتم به أهل الهمم، ولا مشاحة في الاصطلاح، والمطلوب حكم الحوادث الدينية والمخترعات المتجددة التي ابتكرت للمصالح الدينية، مثل الاحتفال للمولد الشريف، ولاشك أن كثيرا من المحدثات الدينية مطلوبة مستحسنة، مثل جمع أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت رضي الله عنهم القرآن، ومثل التراويح، وتدوين الأحاديث النبوية، وتصنيف الكتب، واختراع الفنون الأدبية مثل النحو والصرف والبلاغة والعروض والقوافي وغير ذلك مما يشابـهها، فهذه من المحدثات المخترعات بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إجماعا، وهي من المطلوبات الواجبات أو المندوبات إجماعا، ولم يكن إحداثها وحده يقتضي ردها، فكيف يقتضي إحداث الاحتفال للمولد وحده منعه. تنبيه في صلاة التهجد بالجماعة ومما أحدث صلاة سماها المانعون للمولد صلاة التهجد، يجتمع لها الناس بعد التراويح فيصلون بـها جماعة، ويطوّلون قيامها وقنوتـها، ومن العجيب أن المانعين من احتفال المولد في هذا الزمان يجتهدون على إحياء ليالي رمضان بـهذه الصلاة ويرغبون فيها الناس، فأي فرق بينها وبين المولد ؟! فكلاهما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا السلف الصالح على زعمهم، فهما من المحدثات فكيف يكون أحدهما مطلوبا والآخر ممنوعا. فائدة لا يخفى أن صلاة الليل تصلى فرادى ولا تشرع فيها الجماعة، وصلاة التهجد المذكورة من صلاة الليل، فهل تصح حينئذ إذا صليت جماعة أم لا ؟ نعم تصح. فقد قال الإمام النووي في ((الروضة)) جـ1 ص 340 عند الكلام على النوع الذي لا تشرع فيه الجماعة من النوافل: معنى قولهم - لا تشرع فيه الجماعة – لا تستحب، فلو صلى هذا النوع جماعة جاز ولا يقال مكروه، فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على ذلك يعني الجواز انتهى. واعلم أن الميزان الصحيح هو أن تعرض المحدثات على أدلة الشريعة، فما قبلته كالمذكورات آنفا فهو المقبول شرعا، ومالم تقبله فهوالمردود المذكور في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهورد، وفي رواية لمسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد. ويفهم من هذا الحديث أن المردود من المحدثات هو ما ليس من الدين، وأما إذاكانت المحدثات منه فإنـها لاترد بل تقبل، فمفهوم هذا الحديث ومنطوق حديث من سن في الإسلام سنة حسنةإلخ يبينان ويشهدان على أن من سنّ سنة حسنة أوأحدث شيئا من الدين يكون مأجورا غير مردود،فإذا عرضنا المولد النبوي على الشريعة علمنا علما يقينيا أنـها تقبله بل وتُرَحِّبُهُ، فإن المولد عبارة عن أفراد مركبة، وكل فرد منها مطلوب مستحسن شرعا، وهي اجتماع الناس، وقراءة ماتيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر بعض معجزاته، والإرهاصات التي ظهرت قبل بعثته، وإنشاد الأناشيد المطربة المهيجة لكامن الحب في قلوب المشتاقين إليه صلى الله عليه وسلم، سواء كانت تلك الأناشيد هي التي قيلت في حضرته عليه الصلاة والسلام، أم التي أنشئت بعد وفاته، وإكثار الصلاة والسلام عليه، وإخراج الصدقات، وإطعام الطعام للحاضرين، وتعليمهم بمكان ولادته صلى الله عليه وسلم وشهرها ويومها ومرضعاته وأولاده ونحوذلك، ولا يخفي أن كل فرد من تلك الأفراد مطلوب شرعا على انفراده، فلا يمكن عقلا وشرعا أن يكون منكرا بجمعه وتركيبه مع الأفراد الأخرى. والمولد يطلق اصطلاحا على هذه الأفراد المركبة فيكون مشروعا كما أن آحاد أفراده مطلوبة محبوبة، وهذا ظاهر جلي بل هو من البديهيات. وأما المولد لغة: فهو زمن الولادة ومكانـها، وليس البحث عنه مرادا هنا. تنبيه لما علم بعض المنكرين للمولد أن حديث من سن في الإسلام سنة حسنة هو نص صريح في مشروعيته أوّلوا قوله صلى الله عليه وسلم - من سن– فقالوا معناه : من أحيا في الإسلام سنة، وهذا تأويل غير مقبول إذ لم يسمع في اللغة العربية سنّ بمعنى أحيا، ولم يوجد سبب يقتضي صرف هذا اللفظ عن ظاهره، فيتحتم إبقاؤه على ظاهره والابتعاد عن التصرف بدون حجة في كلام من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم. وقد قال الشاطبى في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة" أي من عمل بسنة، قال: وليس المراد من اخترع سنة، وأطال في توجيه ذلك بما لا طائل تحته ) اهـ الفصل الخامس هل الأفضل ليلة المولد أم ليلة القدر؟ اختلف العلماء في أن ليلة المولد أفضل أم ليلة القدر، فقال الحافظ القسطلاني في ((المواهب اللدنية)): فإن قلت: إذا قلنا بأنه عليه الصلاة والسلام ولد ليلا فأيما أفضل: ليلة القدر أو ليلة مولده عليه الصلاة والسلام ؟ أجيب بأن ليلة مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة، أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره صلى الله عليه وسلم، وليلة القدر معطاة له، وما شرف بظهور ذات المشرف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه، ولا نزاع في ذلك، فكان ليلة المولد أفضل من ليلة القدر، الثاني: أن ليلة القدر شرفت بنـزول الملائكة فيها، وليلة المولد شرفت بظهوره صلى الله عليه وسلم، ومن شرف به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بـهم ليلة القدر على الأصح المرتضى، فتكون ليلة المولد أفضل، الثالث: أن ليلة القدر وقع فيها التفضل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وليلة المولد الشريف وقع التفضل فيها على سائر الموجودات، فهو الذي بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، فعمت به النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم نفعا فكانت أفضل اهـ وقد تعقب الشهاب ابن حجر الهيتمي ما ساقه القسطلاني كما نقله عنه الزرقانى في شرحه على ((المواهب)) فائدة: في إجابة الدعاء في الساعة التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم وفي ((الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز"")) ص195- أن العلامة المحدث أحمد بن المبارك سأل شيخه سيدي عبد العزيز بن مسعود الدباغ هل ولد صلى الله عليه وسلم ليلا أونـهارا ؟ فقال رضي الله عنه: الواقع ونفس الأمر أنه عليه الصلاة والسلام ولد في آخر الليل قبل الفجر بمدة، وتأخر خلاص أمه إلى طلوع الفجر، والمدة التي بين انفصاله صلى الله عليه وسلم من بطن أمه وانفصال الخلاص منها هي ساعة الإجابة في الليل التي وردت بـها الأحاديث. وقال ابن المبارك: كان سيدي عبد العزيز يدلنا على قيام هذه الساعة كثيرا، ويقول لنا: إن الفجر يطلع من مكة قبل طلوعه بمدينة (( فاس )) فراقبوا في قيامكم فجر مكة واعملوا.ثم قال ابن المبارك: كنت قبل أن أجتمع مع سيدي عبد العزيز أقرأ آخر سورة الكهف ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا)) إلى آخر السورة لأفيق في ساعة الاستجابة، وبقيت على ذلك نحوا من ستة عشر عاما، وكذا سمعت من جماعة ممن اعتنى من أمر هذه الساعة المباركة قالوا: فما كنا نفيق إلا في آخر الليل قبل الفجر بمدة انتهى. وقال ابن المبارك أيضا ص328بعد ذكره أن ساعة ولادته صلى الله عليه وسلم هي ساعة الاستجابة: من أراد أن يظفر بـهذه الساعة فليقرأ عند إرادة النوم: ((إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا)) إلى آخر السورة، ويطلب من الله تعالى أن يوقظه في الساعة المذكورة فإنه يفيق فيها، ذكره الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، وقد جربناه ما لا يحصى، وجربه غيرنا، حتى إنه وقع لجماعة غير مرة أن يقرأوا الآية المذكورة ويطلبوا من الله تعالى الإفاقة في الساعة المذكورة، كل واحد منهم يفعل ذلك بخاصة نفسه من غير أن يعلم به صاحبه، وإذا أفاقوا جميعا في وقت واحد انتهى. خاتمة قد علم مما ذكرناه أن بركات المولد النبوي لا تنقضي ولا تختص بزمان دون آخر، بل هي دائمة تتجدد كل وقت وحين، وتتكرر بتكرر الليالي والأيام، والأسابيع والأعوام، ففي كل يوم وليلة يستجاب الدعاء في الساعة التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كل أسبوع يوم مبارك يستحب فيه الصيام لميلاده عليه الصلاةوالسلام فيه، ويتذكر أهل المحبة في اثني عشر من كل شهر ما نال العالم كله في مثل هذا اليوم، فيتنعمون بـهذه الذكرى ويفرحون بـها، بل يعمل بعضهم في اثني عشر من كل شهر حفلة صغيرة للمولد في بيوتـهم، وقد رأيت بعض أحبابنا يفعل ذلك، وفي كل عام شهر يَنْتَظِرُ قدومَهُ كُلُّ مَنْ يُحِبُّ الله ورسوله ويسر برؤية هلاله، اسمه الربيع، وهو كاسمه ربيع قلوب المؤمنين، وعيدهم العظيم، ولله در الإمام الزيلعي حيث قال: وميلاده عيد لنا وهو ذخرنا يجدد شوق الواله المتطلع وقال شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن عمر في قصيدة بليغة نظمها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم من بحر الوافر: محمد تمت النعما علينا بمولدك المكرم يامحمـد وهو شهر التهاني والبشارات والمسرات، وإخراج الصدقات في مولد سيد الكائنات. فهنيئا للمتنـزهين في رياض الاحتفال للمولد النبوي، المتنعمين بسماع لذيذ أوصافه، والمستبشرين الفرحين بدخول شهر ميلاده صلى الله عليه وسلم، كما يتفجعون لدى اقتراب انصرامه. فيا خيبة من تأخذه الكروب والغموم إذا دنا مجيء شهر ظهوره صلى الله عليه وسلم، فتراه حزينا كئيبا تبدو على ظاهره البغضاء والكراهية حتى تنقضي أيام هذا الشهر، وتراه يتضرر من سماع مديحه وطيب ثنائه، وقد سبق أن الحافظ القسطلاني ذكر أن عيد المولد يكون علة على من في قلبه مرض هـ فعجيب من تعتريه الهموم إذا ارتاح بذلك أهل المحبة والاشتياق إلى لقاء الحبيب المصطفى، والإمام المجتبى، فعياذا بالله من حرمان نفحات حبيبه صلى الله عليه وسلم، وبركات صفيه صلوات الله وأزكى تسليماته عليه وعلى آله وأصحابه وذريته وأتباعه إلى يوم الدين. وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يمن عليّ وعلى أصولي وفروعي سببا ونسبا وإخواني وأحبائي مغفرة الذنوب، وستر العيوب، وكشف الكروب ونيل البغية والمآرب، وإجابة الدعوات، وإقالة العثرات، وحسن الختام بجاه سيد الأنام. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك عملت سوء وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. تم تبييض هذه الرسالة في مقديشو في الليلة السابعة من شهر ربيع الأول سنة 1423هـ بيد أسير مساويه الراجي لطف ربه عثمان بن عمر بن الشيخ داود الأشعري الشافعي، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فهذه قصيدة نظمها المؤلف في الرد على المانعين لاحتفال المولد النبوي صلى الله عليه وسلم، من بحر المتقارب، وهي هذه: صَلاْةٌ سَلاْمٌ عَلَـىْ مَنْ أتـى إِلَىْ الْكَوْنِ أَبْـهَىْ مِنَ الْقَمَرَا مُحَمَّدِ الْمُصْطَفَىْ الْمُجْتَبَـىْ وَآَلٍ وَأَصْـحَـاْبِـهِ الأُمَـرَا وَبَعْدُ فَخَيْـرُ الْوَرَىْ أَحْمَـدَ بَدَاْ سَيِّـدًا خَاْشِعـًا أَنْـوَرَا بَـدَاْ مِثْلَ نَـدٍّ وَعَنْـبَـرِنَاْ وَمِسْكٍ شَذَاْهُ يَعُـمُّ الْـوَرَى وَمِيْـلاْدُهُ نِعْمَـةٌ رَحْمَـةٌ وَعِيْـدٌ بِهِ الْمُؤْمِنُ اسْتَبْشَـرَا بِشَهْرِ الْرَّبِيْعِ بَـدَا نُـوْرُهُ فَفَاْقَ الْشُّهُـوْرَ بِـهِ افْتَخَـرَا وَلَيْلَـةُ مِيْـلاْدِهِ شُرِّفَـتْ بِـهِ عَنْ سِوَاْهَاْ كَمَاْ حُـرِّرَا عَلَىْ لَيْلَـةِ الْقَـدْرِ فَضَّلَهَـاْ شُيُـوْخٌ كِـرَاْمٌ مِنَ الْكُبَـرَا بِـهِ عَامُ مِيْـلاْدِهِ شَـرُفَـاْ وَمَكَّـةُ إِذْ فِيْهِمَـاْ ظَـهَـرَا وَمَـاْ زَاْلَ أَهْـلُ الْمَحَبَّةِ أَنْ يُقِيْمُوْا احْتِفَاْلاً لَّـهُ أَبْـهَـرَا وَمَحْفَلُهُـمْ بِالصَّـلاْةِ وَبِالـ ـثَـنَاْءِ عَلَيْهِ لَقَـدْ عُطِّـرَا وَذِكْرُ شَمَائِـلِـهِ شَأْنُـهُـمْ فَبَاْدِر ْ وَكُنْ مَعْهُمُوْ وَاذْكُـرَا كَمَـاْ يُنْفِقُـوْنَ لِتَعْظِيْمِـهِ بِـمَاْ الله رَبِّـيْ لَهُمْ يَسَّـرَا فَحُبُّـهُ تَعْظِيْمُـهُ وَاْجِـبٌ فَطُوْبَـىْ وَطُوْبَىْ لِمَنْ وَقَّـرَا وَوَيْلٌ وَوَيْلٌ لِمَنْ حَـرَّمَ احْـ ـتِفَاْلاً لِمِيْلاْدِ خَيْرِ الْـوَرَى وَأَجْمَعَ أَهْـلُ الْعُلُوْمِ عَلَىْ الْـ ـجَوَاْزِ فَخُذْهُ لِكَىْ تَظْفَـرَا وَكَمْ مِنْ إِمَـاْمٍ جَلِيْلٍ حَكَىْ دَلِيْلاً صَرِيْحًا يُـرَىْ أَظْهَـرَا فَتَبَّتْ يَدَاْ مُنْكِرٍ جَـاْحِـدٍ مَدِيْحَ الْحَبِيْبِ وَقَدْ خَسِـرَا إِذَاْ مُنْشِداً مَـدْحَ طَـهَ رَآَىْ يَفِرُّ وَوَلَّـىْ إِذَنْ مُـدْبِـرَا وَتَبْـدُوْ كَـرَاْهِيَّـةٌ مِنْهُـمُ وَيَسْطُوْنَ مَنْ مَدْحَهُ كَـرَّرَا فَإِيَاْكَ إِيَـاْكَ مِـنْ غـيِّـهِ وَكُـنْ مُنْبِذاً قَوْلَهُ مِـنْ وَرَا فَلَيْسَ لَـدَيـْهِ دَلِيـْلٌ وَلَـوْ ضَعِيْفاً فَمِنْهُ اسْتَعِذْ وَاَهْجُـرَا وَلَيْسَ حَيـَاْءٌ لَـهُ وَاَلْتُقَـىْ وَلَيْسَ اِنْقِـيَاْدٌ لِحَقٍ يَـرَى وَتَـزْيِيْـنُ بَاْطِـلِـهِ دَأْبـُهُ وَتَـزْيِيْفُ حَقٍ فَكَمْ غَيَّـرَا مِنَ اَلْدِيْنِ اَصْلاً وَفَرْعاً فَكُـنْ نَبِيْهاً يَرَىْ مَاْخَفَـاْ وَاحْـذَرَا وَصَلُوْا بِجَهْرٍ عَلَىْ اَلْمُصْطَفَىْ عَلَىْ رَغْمِ أَنْفِ الَذِيْ أَنْكَـرَا بِتَشْخِيْصِ ذَاْتِ اَلْحَبِيْبِ اَلَذِيْ اَصْـ ـطَفَاْهُ اِلإِلَـهُ لِكَىْ تَظْفَـرَا بِنَـثْرٍ وَنَظْـمٍ وَلَيْـلٍ كَـذَاْ نَـهَاْرٌٍ فَتَحْظُوْا بِخَيْرٍ جَـرَى وَقُلْ لِلْعَذُوْلِ اسْتَرِحْ وَاقْبِلَـنْ عَلَىْ شَأْنِكَ ارْجِعْ إِلَيْ اَلْقَهْقَرَى بِغَيْظِـكَ مُتْ خَاْئِباً بَاْكِـياً وَعُـدْ خَاْسِئًا بَاْسِرًا أَخْسَـرَا وَغَنُّوْا فُرَاْدَىْ وَجَمْعاً بِمَـدْ حِهِ بِارْتِـيَاْحٍ تَنَاْلُوْا اَلْقِـرَى تَـمَتَعْ وَرَدِّدْ عَلَيْـهِ بِلاْ اكْـ ـتِرَاْثٍ بِقَوْلِ اِمْرِئٍ خَسِـرَا فَيَاْسَعْدَ مَنْ حَبَّهُ وَاَقْتَـفَـىْ عَلَىْ إثْـرِهِ نَـهْجَهُ اَلأَنْـوَرَا وَصَـلِّ وَسَلِّمْ وَبَاْرِكْ عَلَـىْ حَبِيْبِكَ مَعْ صَحْبِـهِ الْغُـرَرَا وَآلٍ وَأَتْـبَاْعِهِـمْ سَرْمَـدَا مَتَىْ سَاْجِدٌ فِيْ الْدُّجَىْ سَهِـرَا وَعُثْمَاْنُ عَبْدُ الْهَوَى يَلْتَجِـيْ حَبِيْبَ الْمُهَيْمِنِ مِنْ سَقَـرَا   الاحتفاء بيوم المولد النبوي الشريف قربة من أعظم القربات الدكتور أبو بكر خليل ما أن يهل علينا هلال شهر ربيع الأول إلا و يتذكر المسلمون مولد النبي صلى الله عليه و سلم في أحد أيامه ، التي بوركت ببركته ، و كرمت بفضله و لم يجادل أحد في جواز بل استحباب الاحتفاء بتلك الذكرى العطرة إلا فرقة من المتأخرين المعاصرين الذين قالوا " ببدعيته " بمعنى عدم المشروعية ؛ بدعوى عدم فعله في القرون الأولى . و هذا غير صحيح ، و سياتي بيانه . مالهم حجة غير ذلك ! و جهلوا أو غفلوا عما تقرر في علم الأصول من أن مجرد الترك - للفعل - لا يفيد الحرمة و لا الكراهة الشرعية . و انظر كلام الإمام الشاطبي في كتابه " الموافقات في أصول الشريعة " في بيان ذلك . و لا نقول في جوازه واستحبابه إنه بدعة حسنة - مما ينازع فيه - بل نقول إنه قربة من القربات . و أتمنى أن ننظر في أدلة المسألة بقصد الاستبصار لا بغرض الاستظهار لرأي من الآراء . و بادئ ذي بدء نسأل المنكرين لمشروعية الاحتفاء بيوم المولد النبوي الشريف: هل الإنكار لأصل الفعل أم لصورته ؟ فإن كان لصورته - مما قد يصاحبه من سوء تصرفات - فلا خلاف في إنكارها و الاعتراض عليها . و يجب تقويم المعوج منها ، و نشر الصالح و النافع من الأعمال . و في ذلك فليتنافس المتنافسون . و إن كان الإنكار لأصل الفعل ، و هو " الاحتفاء " بيوم مولد النبي صلى الله عليه و سلم : فلا أحسب أن مسلما صادق الإيمان ينكر الفرح بذكرى مجيئه صلى الله عليه و سلم إلى الدنيا ، و إظهار السرور بذلك المجيئ و الميلاد الشريف . و هذا هو معنى الاحتفاء في لسان العرب . قال ابن منظور : تَحَفَّى واحْتَفَى : لَطَفَ بِهِ ، وأَظهر السرورَ والفَرَحَ به ، وأَكثر السؤال عن حاله . وفي الحديث : أَنَّ عجوزاً دخلَت عليه فسَأَلها فأَحْفَى ، وقال : إنَّها كانت تَأْتِينا في زَمَن خَدِيجَة ، وإنَّ كَرَم العَهْدِ من الإيمان . [ لسان العرب ] و إذا سلّم بمشروعية الفرح و السرور بيوم مولد النبي صلى الله عليه و سلم : فهل الإنكار منصب على إظهار ذلك السرور أم على مظاهره ؟ و قد تقدم القول هنا بأن الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف " قربة " من القربات الشرعية ؛ التي يتقرب بها العباد إلى الله تعالى ؛ لوجود نظيره في السنة النبوية . و بيان ذلك : 1- قال ابن خويز منداد [ من كبار أئمة المالكية] : إذا أشكل ما هو برّ وقربة بما ليس هو بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل ، فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون ، وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة. قال : وبذلك جاءت الاثار عن النبي صلى الله عليه وسلم . أهـ [ تفسير القرطبي " الجامع لأحكام القرآن " ] 2- و لاحتفاء بالمولد النبوي له نظير في السنن ؛ حيث صامه النبي صلى الله عليه و سلم و علّل هذا بقوله : " ذاك يوم ولدت فيه " ؛ فيكون قربة من القربات . ففي حديث أبي قتادة الأنصاري قال : " وسئل عن صوم يوم الاثنين . قال : ذاك يوم ولدت فيه ، ويوم بعثت أو أنزل علي فيه " . رواه مسلم في صحيحه ، و أبو عوانة في مستخرجه ، و ابن خزيمة و ابن حبان في صحيحيهما ، و أحمد في مسنده ، و غيرهم . فرسول الله صلى الله عليه و سلم صام يوم الاثنين احتفاء بمولده الشريف - كما صرّح و أوضح في حديثه الصحيح الثبوت الصريح الدلالة - و كأنه يحث علي فعله و يحض عليه . فأصل الاحتفاء بيوم المولد النبوي مشروع و مسنون ، و الاحتفال به في عصورنا هذه قربة من القربات ؛ تخريجا على ما ذكره ابن خويذ منداد آنفا . و لا أحسب أن عاقلا يجعل التوسعة على النفس و الأهل و الولد - في المأكل و المشرب و شراء الحلوى في ذلك اليوم - تخرج ذلك الاحتفاء من الحلّ و الاستحباب إلى الحرمة . و مالنا لا نفرح و نحتفي و نحتفل بيوم ولد فيه سيد ولد آدم ، و خاتم الأنبياء و المرسلين : سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين إلى يوم الدين ؟ { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } . [الأنبياء/107] قال تعالى :{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } . [التوبة/128] و قال : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } . [الأعراف/157] و المقصود بـ " السنن " - التي يكون الفعل " قربة " إذا كان نظيرا لها - : الاصطلاح الفقهي ؛ بمعنى : المستحبات و المندوبات . و صيامه ذاك - عليه الصلاة و السلام - كان على سبيل الاستحباب و القربات . و قد يقال إن الذي فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الصيام في ذكرى مولده الشريف ؛ فلا يكون احتفالنا به قربة لأنه غير نظير للصيام ؛ فنقول : المناظرة هنا و المماثلة هي في أصل الاحتفاء بذلك اليوم ، و هو متحقق في الاحتفال بالمولد النبوي ؛ فيكون قربة من القربات لله تعالى . هذا في أصل الاحتفاء و الاحتفال بالمولد النبوي . أما صورته من نوع سماع قصة المولد الشريف الواردة في كتب الحديث و السيرة ، و ذكر الصفات و الشمائل المحمدية الكريمة و نحوها فهي قربة من جنس القربات بلا ريب . و هناك أصل شرعي تقاس عليه الأناشيد و المدائح النبوية التي تقال في ذكرى المولد النبوي الشريف هو الحديث الذي أخرجه الإمام البيهقي في " دلائل النبوة " : " لما قدم عليه السلام المدينة جعل النساء والصبيان يقلن : طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع " . و قد أنشد كعب بن زهير شعره في مدح الرسول صلى الله عليه و سلم أمامه في المسجد عند إسلامه ، و الحديث مذكور في " المستدرك على الصحيحين " للحاكم ، و في " السنن الكبرى " للبيهقي و غيرهما . * و قد كتب الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه " الحاوي للفتاوي " : " حسن المقصد في عمل المولد " ؛ أوضح فيه مشروعيته ، و رد دعوى المنكرين ، و حسبك بهذا الإمام الجليل . و يذكر الكاتب أن كلامه عن عدم إنكار المتقدمين لعمل المولد محمول على العلماء الأئمة - و ليس على إطلاقه - و محمول على غير المغالين في التبديع و قد حكى الإمام السيوطي نص كلام الحافظ ابن حجر في استحباب عمل المولد النبوي ، و ذلك في كتابه المذكور من قبل ، على الرابط أعلاه - في ( حسن المقصد في عمل المولد ) - قال : (( وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل بن حجر عن عمل المولد ؛ فأجاب بما نصه: " أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها ؛ فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة ، وإلا فلا . قال : وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت ، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم ، فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى ، فنحن نصومه شكرا لله تعالى . فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة . والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة ، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم . وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء ، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر ، بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه . - فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه : فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة ، وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال : ما كان من ذلك مباحا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به ، وما كان حراما أو مكروها فيمنع ، وكذا ما كان خلاف الأولى " .)) انتهى. - قلت [ أي : السيوطي ] : وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر ، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة . مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته ، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية ؛ فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته ؛ كما كان يصلي على نفسه ؛ لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات ، - ثم رأيت إمام القراء الحافظ شمس الدين بن الجزري قال في كتابه المسمى " عرف التعريف بالمولد الشريف " ما نصه : قد رؤى أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك فقال في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين وأمص من بين أصبعي ماء بقدر هذا- وأشار لرأس أصبعه- وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى اله عليه وسلم به فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى اله عليه وسلم يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم ؛ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم . - وقال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى " مورد الصادي في مولد الهادي ط : قد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سرورا بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ثم أنشد: إذا كان هذا كافرا جاء ذمه * * * وتبت يداه في الجحيم مخلدا أتى أنه في يوم الاثنين دائما * * * يخفف عنه للسرور بأحمدا فما الظن بالعبد الذي طول عمره * * * بأحمد مسرورا ومات موحدا - وقال الكمال الأدفوي في " الطالع السعيد " : حكى لنا صاحبنا العدل ناصر الدين محمود ابن العماد أن أبا الطيب محمد بن إبراهيم السبتي المالكي نزيل قوص أحد العلماء العاملين كان يجوز بالمكتب في اليوم الذي فيه ولد النبي صلى الله عليه وسلم فيقول يا فقيه هذا يوم سرور اصرف الصبيان فيصرفنا، وهذا منه دليل على تقريره وعدم إنكاره وهذا الرجل كان فقيها مالكيا متفننا في علوم متورعا أخذ عنه أبو حيان وغيره ومات سنة خمس وتسعين وستمائة )) . أهـ و ما أصدق قول الشاعر ولد الهدى فالكائنات ضياء * * * و فم الزمان تبسم و ثناء   فضيلة الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بقلم د. محمود أحمد الزين بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمد لله الذي من على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وذلك من نعمه العظمى التي تستوجب أن يشكروه عليها وقد حثهم على الشكر في مواضع من كتابه كثيرة فقال سبحانه : " واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون " البقرة (172) وصلى الله وسلم على من بين في سنته فضل المجالس التي يجتمع المسلمون فيها على ذكر الله وشكـره وذلك فيمـا رواه مسلم بـرقم ( 2701) عن معاوية رضي الله عنه وفيــه " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال : ما أجلسكم ؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا " ثم قال صلى الله عليه وسلم : " أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة " . والمولد ما هو إلا صورة من مجالس الشكر على ما من الله به من إيجاد رسوله وبعثته صلى الله عليه وسلم لهدايتنا سواء قارناه بما ذكر في الحديث المتقدم أو نظرنا في الأدلة الأخرى المؤيدة له تفصيلاً و وقد أفتى جماعة من أئمة المسلمين باستحباب عمل المولد كالحافظ ابن حجر والسيوطي وقبلهما وبعدهما كثيرون ، وهؤلاء أئمة مقتدىً بهم من أكابر أهل الحديث ولا سيما ابن حجر الملقب أمير المؤمنين في الحديث . ولو افترضنا أن الأئمة الذين استحبوا عمل المولد قد أخطؤوا في اجتهادهم وفهمهم للأدلة فلا يجوز أن يقال إنهم مبتدعة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر " ؛ ولا يمكن أن يعطيه أجراً وهو يبتدع بل البدعة في النار . وكذلك لا يجوز أن يقال لمـــن اتبعهم ممــن لا يستطيع الاجتهاد في فهم الأدلة لأنهم بأمر الله اتبعوهم إذ قال سبحانــه : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " النحل (43) . وسؤالهم قد يكون عن الدليل لمن لا يعلمه وعن فهم الدليل وإن كان يعلمه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يعلم الحديث ولا يفقهه : " رب حامل فقه ليس بفقيه " لا سيما إذا كان أمياً فلا بد أن يتبع فهم العلماء . ولو نظر منكِر المولد إلى المسألة باعتدال لما أنكره وإن لم يقتنع بأدلة أولئك الأئمة واقتنع بقول مخالفيهم ، فلو كان كل من أخطأ فهم الدليل من العلماء مبتدعاً لوجب أن يقال إن بعض الصحابة مبتدعة ـ وحاشاهم ـ وذلك أنهم اختلفوا في فهم الأدلة حتى كان بعضهم يقول حسب اجتهاده : هذا حرام ويقول الآخر للشيء نفسه هذا حلال ولا شك في علمهم وإخلاصهم . والحديث السابق يعطي العذر لكل مجتهد عنده أهلية النظر في أدلة الشريعة وعنده العلوم التي يعتمد عليها في فهم الأدلة ، فمن لم يعذرهم فهو معاند لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عذر أعظم من أن يعطيهم الله الأجر وهم مخطئون والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . ( عمل المولد مستحب شرعاً ) من تأمل الأدلة وجد أن المولد سنة مستحبة بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب قواعد فقه الحديث التي بينها الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه . وقد عمل بها المسلمون أكثر من قرن قبل ابن تيمية دون إنكار فهذا كالإجماع إن لم يكن إجماعاً حقيقة وذلك من عهد الملك المظفر نقل السيوطي عن ابن كثير في البداية والنهاية طبع دار أبي حيان 13 / 181 : كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا، وكان شهماً شجاعاً بطلاً عاقلاً عالماً عادلاً رحمه الله وأكرم مثواه. قال: وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب ابن دحية مجلدا في المولد النبوي سماه (التنوير في مولد البشير النذير) فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر للفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة. شبهة المنكرين للمولد : وأول كلمة يبدأ بها منكروا المولد أنهم يقولون : لم يعمله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة فهو بدعة ضلالة لأن كل محدثة بدعة كما جاء في الحديث . وهذه مغالطة لأن قائلها يحصر السنة فيما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويترك قول النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو أقوى أقسام السنة في بيان الأحكام ـ ويترك إقرار النبي صلى الله عليه وسلم ، ويترك ما يستنبط منها ويترك كل أدلة الشريعة الأخرى رد هذه الشبهة : وقد كتب جماعة من أئمة الحديث رسائل في أن عمل المولد مستحب دلت عليه أقوال النبي صلى الله عليه وسلم كالحافظ ابن حجر العسقلاني والسيوطي وغيرهما الكثير . وحتى لو لم ينظر المرء إلى مرور أكثر من قرن على عمل المولد دون إنكار من أي واحد من العلماء ـ وهذا إجماع أو قريب من الإجماع ـ فإن وقوع الخلاف بين العلماء الموثوقين عند الأمة يكفي أن يرفع تهمة الابتداع عن العلماء الذين يستحبون عمل المولد ولو افترضنا أنهم مخطئون في فهم الأدلة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه البخاري برقم (6919) ومسلم برقم (1716) : " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " ولا يمكن أن يعطيه الله الأجر وهو يبتدع لأن " كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " رواه النسائي برقم 1576 ومسلم برقم 2002بدون لفظ وكل ضلالة في النار ) ولو كان المخطئ في اجتهاده مبتدعاً لكان كثير من الصحابة مبتدعين لأنهم اختلفوا في اجتهادهم ولا يمكن أن يكونوا جميعاً مصيبين بل لا بد أن يكون أحد الطرفين مخطئاً . وإذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم أو ترك أصحابه عملاً ـ مع وجود قول للنبي صلى الله عليه وسلم يدل على مشروعية ذلك العمل ـ فهذا القول يكفي في إثبات المشروعية فلا يجوز أن يقال لمن عمل ذلك العمل إنه مبتدع ومن قال إنه مبتدع فقد رفض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم الترك على القول مع أن الاستدلال بالقول أقوى عند العلماء ولا يجوز إهماله في مقابل الترك ومن زعم أن الترك مع قيام المقتضي وعدم المانع دال على التحريم فهذا عند عدم وجود القول الدال على المشروعية لأن القول أقوى فيجب تقديمه . ومثال ذلك سنة المغرب القبلية قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها فيما رواه البخاري برقم ( 1118 ) عن عبد الله بن المغفل رضي الله عنه : " صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ركعتين ، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً " وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلونها كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه " وَكُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ " ، فَقُلْتُ لَهُ : " أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهُمَا ؟ " قَالَ : " كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا " .مسلم برقم ( 302 ) ولم يثبت حديث صحيح ولا حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى هاتين الركعتين،والأمثلة أكثر من ذلك ذكرت بعضها في رسالتي " البيان النبوي عن فضل الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم " ما هو موضع الإشكال في المولد ؟؟ إن الأعمال التي يعملها الناس في المولد كلها مشروعة وهي الاجتماع على ذكر الله وشكره على نعمة وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم في عالم الدنيا . ـ ومن قال عن عمل منها إنه غير مشروع يقال له : أثبت أنه غير مشروع فنتركه ، ولكن ماذا تقول في الأعمال المشروعة باتفاق كالاجتماع على تلاوة القرآن ؟ وسأعود إلى تفصيل هذا إن شاء الله . يقول منكروا المولد العارفون بالأدلة : " إن هذا العمل هو تخصيص وقت لهذه العبادة المشروعة وتعيين الأوقات للعبادات مسألة شرعية فلا يجوز إلا بدليل شرعي " . وهذا هو لب المسألة وموضع الخلاف الأساسي فيها وغيره تبع له ، وقد أجاب العلماء الذين استحبوا عمل المولد عن هذا الكلام كما يأتي إن شاء الله . خلاصة الجواب في تخصيص وقت لعمل المولد : أن العلماء الذين استحبوا عمل المولد استدلوا بحديث صوم عاشوراء وهو من الأحاديث القولية ، وكانت طريقتهم في ذلك هي ما يسمى "القياس الأولوي" كقول العلماء إن الله حرم التأفف في خطاب الوالدين بقوله " ولا تقل لهما أف " والآية تدل على تحريم ضربهما بطريق الأولى . الاستدلال بطريق الأولى قال عنه ابن تيمية ( إن تركه من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف ) كما في كتابه الفتاوى 12 / 207 . وقال في الفتاوى أيضاً 12/ 349 :( الطريقة النبوية السلفية أن يستعمل في العلوم الإلهية قياس الأولى ) وقد استدل الحافظ ابن حجر العسقلاني بهذا الحديث على الوجه التالي ، وهو :( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ قالوا : هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه ، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فنحن أحق بموسى منكم ) رواه البخاري برقم (3216 ) ومسلم برقم (1130 مكرر ) فقال ابن حجر ـ كما نقل عنه السيوطي في كتاب الحاوي 1 / 302 : ( فيستفاد منه فعل الشكر لله على من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة ، والشكر يحصل بأنواع العبادة .... وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز ـ أي ظهور ـ هذا النبي نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ) . يعني هو أولى بأن نصومه من يوم عاشوراء لأن النعمة فيه أعظم، والشكر يحصل بأنواع العبادات لا بالصوم وحده كإطعام الطعام والصدقات وذكر الله تعالى وتلاوة القرآن الكريم وغير ذلك . ومثل الكلام في المولد يقال في يوم الهجرة هذا يوم نجى الله فيه نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم وخيب الكافرين ، فقد نصره الله وأيده بجنود من عنده وجعل كلمة الذين كفروا السفلى فصيامه شكراً لله أحق من صيام عاشوراء لأنه نبينا خاصة ولأنه أفضل من موسى عليه السلام . وهذا واضح أتم الوضوح مع أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم لم يفعلوه . دليل مشروعية الشكر بالعبادات الأخرى : وكلام ابن حجر هذا ـ أي قوله " والشكر يحصل بأنواع العبادات " مبني على قاعدة أخرى فالحديث ذكر الصيام ولكن بين سبب فعله وهو قصد شكر الله به ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقر على الصيام وعلى القصد وإذا كان القصد والسبب مشروعاً مستحباً فكل عمل يتحقق به هذا القصد هـــو مشروع مستحب ، وذلك من قواعد أصول الفقه مذكور فـــي كتاب " المسودة " لآل تيمية : ابن تيمية وأبيه وجده ( الحكم المتعدي إلى الفرع بعلة منصوص عليها مراد بالنص ) كذا في المسودة 2 / 736 الطبعة الثانية . وتوضيح هذه القاعدة هو أنه إذا ذكر الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم عملاً ، وذكر له حكماً ، وذكر للحكم علة ، أي سبباً ، فعدينا ذلك الحكم أي نقلناه إلى عمل آخر ، بواسطة هذه العلة والسبب فهذا الحكم الثاني قد أراده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كأنه جاء في القرآن أو الحديث ملفوظاً به . وإذا نظرنا إلى المثال المذكور وهو حكم عمل المولد نقول : أ ـ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر صيام عاشوراء ب ـ وذكر حكمه وهو الأمر بصيامه جـ ـ وذكر علة ذلك أي سببه وهو الشكر على النجاة د ـ فننقل حكم الصيام إلى الأعمال الصالحة الأخرى بواسطة العلة والسبب فنقول : هذا الطلب النبوي للصيام شكراً مراد به طلب كل عمل صالح يؤدى شكراً لله تعالى كأنه مذكور في الحديث بلفظه ، وما دام مراداً بالنص أي بلفظ الحديث فهو ليس قياساً، وهذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، لكن جمهور العلماء يقولون : إنه قياس ولكنه قياس قوي لأنه قد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بعلته وسببه . ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على اجتماعات شكر الله : وعمل المولد هو صورة من صور شكر الله تعالى على الهداية للإسلام لأن إيجاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمة وبركة على هذه الأمة ـ وإن بركته للأمة من وجوه كثيرة ـ ووصفه الأول ما جاء في قول الله تعالى : " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " الشورى 52 ومن وجوه بركته وجود ذاته الشريفة بين الناس فقد قال الله تعالى عن المشركين " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " الأنفال 33 . وقد جاء في السنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على الذين اجتمعوا لذلك في صحيح مسلم برقم (2701) عن معاوية رضي الله عنه وفيه قال : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال : ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا ، قال : آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ قالوا : ما أجلسنا إلا ذلك قال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ، ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة " رواه مسلم برقم (2701) . وقد ذكر الحافظ ابن حجر مع كلامه السابق بعض العبادات التي تؤدى شكراً لله كما في الحاوي 1/ 302 ( التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية ) نقض شبهة من ينكر المديح : ويلاحظ أنه ذكر مع العبادات " المدائح النبوية " ومنكروا المولد يزعمون أنها غير مستحبة وأنها منهي عنها في قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم " رواه البخاري برقم (3261) وهو استدلال مخالف للحديث . ـ لأنه إن كان معنى الإطراء المدح مطلقاً فالحديث خص النهي بما فعلته النصارى وهو قولهم إنه ابن الله ونحو ذلك . ـ وإن كان الإطراء هو المدح بالباطل فالمدح بحق غير منهي عنه ومدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من جملة الثناء على من أحسن إلينا أو كان سبباً لنفعنا ففي سنن أبي داوود (4779) ـ ورجاله رجال الصحيحين ـ أن المهاجرين قالوا يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله ، قال : لا ما دعوتم لهم وأثنيتم عليهم " أبو داود في سننه برقم (4779) والثناء هو المديح بعمل الخير . مشروعية الأناشيد وضرب الدف في المولد: وأما الأعمال المباحة كالأناشيد وضرب الدف في المولد فقال ابن حجر رحمه الله كما نقل السيوطي في الحاوي 1 / 302 : ( وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم منه الشكر لله تعالى ... من التلاوة و الإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية ... وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال : ما كان من ذلك مباحاً بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم فلا بأس بإلحاقه ، وما كان محرماً أو مكروهاً فيمنع ) وقد جاء في ضرب الدف حديث رواه الإمام أحمد برقم 22989 : " أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف قال : أوفِ بنذرك"رواه الترمذي برقم (3690) وحسنه وابن حبان في صحيحه برقم (4386) وأبو داوود برقم (3312) . قال الإمام الخطابي في كتابه معالم السنن 4/ 382 : ( ضرب الدف لا يعد في باب الطاعات التي تتعلق بها النذور وأحسن حاله أن يكون من باب المباح غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم .... صار فعله كبعض القرب التي هي من نوافل الطاعات ) وكذا استنشاده صلى الله عليه وسلم الشعر عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وغيرهما خاتمة : وأخيراً فإن عمل المولد ما هو إلا صورة من مجالس ذكر الله وشكره على ما من به علينا من الهداية برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل هذه المجالس :" إن الله يباهي بكم الملائكة " والفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة لأمر الله تعالى في قوله :" قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا " (يونس 58 ) . وتكريره كل عام في ربيع الأول كتكرير صوم عاشوراء كما بينه الأئمة الذين سبق ذكرهم نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً للعمل بطاعته واجتناب مخالفته وأن يجنبنا الاختلاف والخصام في ذلك " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين " والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .   البيان النبوي عن فضل الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقلم الدكتور محمود أحمد الزين بسم الله الرحمن الرحيم الافتتاحية نستفتح بالذي هو خير، وحمداً لله ، وصلاةً وسلاماً على رسوله ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد : فنقدم ضمن سلسلة الرسائل رسالة "البيان النبوي عن فضل الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم" ومقصودها إيضاح الأدلة التي اعتمد عليها أئمة المحدثين والفقهاء، الذين استحبوا هذا الاحتفال، مع دفع الشبهات عنها، ومع التأكيد على أن من يبدعهم يخالف السنة، التي بينت أن المجتهد مأجور وإن أخطأ، والله لا يأجر المبتدع، وكل ما ثبت بأدلة الشرع فهو حسن، وهو خير، وليس ببدعة؛ لأن الله تعالى قال: { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ } . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . مقدمة هل يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين حكم الاحتفال بمولده، ثم يقع حوله هذا الخلاف الكبير بين أن يكون سنة مستحبة وأن يكون بدعة ضلالة، مع أن كل ضلالة في النار؟! لا، هذا غير ممكن إلا إذا تركنا قواعد ديننا في النظر إلى المسائل الاجتهادية وفي حكم الاختلاف فيها، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر). وهذا صريح في أن المخطئ غير مبتدع، ولا ضال؛ لأن الله لا يأجر على البدعة، بل (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). فالذي يضلل مخالفه إما أنه يغفل عن هذا الميزان، وإما أنه يتجاهله لغاية في نفسه ضد مخالفه، وإما أنه يزعم أن هذه المسألة وأمثالها ليست مسائل اجتهادية، بل هي من البينات التي يضل الناس بالإعراض عنها أو يعاندونها. وأياً ما كان الأمر فالمولد لا يمكن أن يدعي أحد على مستحبيه أنهم عاندوا البينات؛ لأنهم أئمة ثقات، كالحافظ ابن حجر والسيوطي رحمهما الله، ولكن يزعم منكر الاستحباب أنهم أخطؤوا، فلا يجوز اتباعهم، فيقال له حينئذٍ: أأخطؤوا في البينات التي لا تحتمل الخطأ أم في الاجتهاديات؟ إن كانت الأولى فهو عناد وقد قال الله تعالى عمن يفعل ذلك: { وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران:105]، فهل يليق بهم هذا؟ وإن كانت الثانية فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فله أجر) والله لا يأجر على البدعة، ولا يحل لك أن تبدعه وتضلله، وإن كنت تراه مخطئاً، بل يمكن أن تكون أنت المخطئ، وقولك إن المولد بدعة لا يصح، إلا إذا عنيت أنه كذلك من حيث وجهة نظرك، أو وجهة نظر العلماء الذين تتبعهم، فأنت لو عملت مولداً تكون مبتدعاً ضالاً؛ لأنك عملت أمراً تراه ـ حسب فهمك للأدلة ـ بدعة ضلالة، أما مخالفك فلا، كما لو أن الإمام أحمد بن حنبل أو من يتبعه قال: "اللهم إني أسألك بنبيك أن تغفر لي" فإنه يكون عاملاً بأمر يراه مستحباً، فهو مأجور أجرين إن أصاب، مأجور أجراً واحداً ـ لو افترضناه مخطئاً ـ بخلاف ما لو قال ذلك ابن تيمية أو من يتبعه، فإنه يكون عاملاً بأمر يراه هو بدعة ضلالة، فيكون عليه إثم ذلك وعقابه، ومثل هذا يقال في كل المسائل الاجتهادية، التي الخلاف فيها دائر بين الاستحباب والتحريم، وليس ضرورياً في مسائل الاجتهاد أن يقتنع المجتهد بأدلة مخالفيه، ولكن من الضروري أن يقتنع الفريقان بأن كل منهما يمكن أن يخطئ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لبعض قادة جيوشه: "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" وهذا تصريح بأن المجتهد لا يمكن أن يقطع بأنه على صواب وأن مخالفيه على خطأ". والاحتفال بالمولد يرى الحافظ ابن حجر وموافقوه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نبه على فضيلته بطريق الاستدلال الأولوي في حديث صوم عاشوراء، حيث ثبتت به مشروعية صوم الذكرى السنوية شكراً لله على نعمة نجاة موسى عليه الصلاة والسلام، قال ابن حجر: فالأولى من ذلك بالمشروعية صيام يوم المولد شكراً لله على إنعامه بإيجاد نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يقول: إن الحديث فيه بيان أن المقصود من الصوم الشكر، فكل عمل يحصل به الشكر فهو مشروع؛ لأن الشكر هو علة الحكم وسببه، فكل عبادة في ذلك مثل الصوم في الحكم باتفاق العلماء، كأنه منصوص عليها عند بعضهم، أو هي مقيسة عليه عند الآخرين، أما غير العبادة من المباحات، التي تعبر عن الفرح فالأصل فيها الإباحة، ولا دليل على منعها. ويرى ابن تيمية: أن السلف لم يعملوا الاحتفال بالمولد، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، فهو بدعة، ويجيب الإمام السيوطي: بأن السلف لم ينقل عنهم فيه قول بمنع ولا مشروعية، فهم ساكتون، والحديث دليل إثبات، وهو مقدم إجماعاً على السكوت وعدم النقل المسمى بالاستصحاب. والكلام في المسألة ليس بهذا الإيجاز الشديد، إنما هذا إجمال يأتي تفصيله في هذه الرسالة ـ إن شاء الله تعالى ـ بنقل كلام الفريقين وحججهما، ومناقشتها دون تطويل، وقد جعلت المسألة في فصلين: أحدهما: في بيان معنى البدعة، وتعلقه بالمسألة، وثانيهما: في بيان مسألة المولد، والحوار فيها، وما توفيقي إلا بالله، ولكل امرئ ما نوى. { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يهتدي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } [يونس:108]، { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يره} [الزلزلة:7ـ8]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. الاحتفال بالمولد النبوي سنة أم بدعة؟ إن الإجابة السديدة عن هذا تفرض علينا البدء ببيان معنى البدعة، ثم النظر في انطباق التعريف على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وأحب أن أذكر بأنه ليس في تعريف البدعة خلاف حقيقي، كما يأتي في عرض الأقوال. نوعا البدعة عند الإمام الشافعي: ومن أقدم ما جاء في تعريفها قول الشافعي ـ رضي الله عنه ـ فيما رواه البيهقي في مناقب الشافعي (1/469): "المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة. والثاني: ما أحدث من الخير، لاخلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام رمضان : (نعمت البدعة هذه) يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى". فالشافعي رضي الله عنه يبين ما يعنيه سيدنا عمر بهذه الكلمة، فيشرح أولاً ما يعنيه بلفظ البدعة وهو: "أنها محدثة لم تكن" وهذا معنى عام للبدعة، يشمل كل شيء لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحدث بعده، سواء كان له دليل من الكتاب والسنة، أو لم يكن ـ وهذا أقرب إلى المعنى اللغوي للبدعة ـ فلا بد من تقسيمه إلى قسمين: أحدهما: ما أحدث وهو يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة، بسبب مخالفتها لتلك الأدلة الشرعية. وثانيهما: ما أحدث من الخير لاخلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة؛ لأنها خير في ميزان الشرع، وإذا كانت خيراً في ميزان الشرع فهي حسنة، ولأنها لم تخالف أدلته. ثم يشرح الشافعي سبب مدح سيدنا عمر واستحسانه لهذا العمل مع أنه سماه بدعة، فقال: "وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى" من الكتاب والسنة والأثر والإجماع، أي لا مخالفة فيها لشيء من ذلك. وقول الشافعي رحمه الله: "ما أحدث من الخير لاخلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة" مبني على قول عمررضي الله عنه وموافقة أبي بكر وزيد بن ثابت رضي الله عنهما له في أن جمع القرآن ـ وإن لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ مشروع؛ لأنه خير، حيث قال عمر فيما رواه البخاري عن زيد بن ثابت برقم (4402): "إني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري" فأبو بكر رضي الله عنه في بادئ الأمر يحتج بعدم فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعمر يحتج بأنه وإن كان كذلك فكونه "خيراً" يقتضي أن يكون مشروعاً، ثم وافق أبو بكر على أنه مشروع بدليل أنه خير، وكرر أبو بكر رضي الله عنه جواب عمر حين قال له زيد ـ في هذه الرواية نفسها ـ: "كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! فقال أبو بكر: هو والله خير"، فهذا الجواب من الخليفتين الراشدين هو الجواب لكل من يستنكر اليوم ما أحدث من الخيرات بقوله: (لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا الصحابة)؛ لأن الخير مأمور به في نص كتاب الله، موعود عليه بالفلاح: { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تفلحون } [الحج:77]، ومأمور بالدعوة إليه { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير } [آل عمران:104]، فالبدعة غير المذمومة ـ كما يظهر من كلام الشافعي رضي الله عنه ـ هي "كل خير لا يخالف أدلة الشرع". بيان أنه لا خلاف في الحقيقة على تعريف البدعة: وهذا لا يختلف مع قول الذين يقولون: لا يوجد في الشرع بدعة حسنة؛ إذ المقصود بذلك عندهم: أن العمل الذي يخالف أدلة الشرع لا يمكن أن يستحسن شرعاً؛ لأن ذلك تناقض، وهذا ما صرح به ابن تيمية وليس المراد من النقل عنه تقديمه على غيره، إنما المراد بنقل كلامه ـ وهو ممن يميل إلى أن عمل المولد بدعة ـ بيان أن كلامه يقتضي ألا يكون الذين خالفوه في المولد مبتدعين حسب القواعد التي ذكرها هو إذ قال في الفتاوى (10/370): "المحافظة على عموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كل بدعة ضلالة) متعين، وما سمي بدعة وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم: إما أن يقال: ليس ببدعة في الدين، وإن كان يسمى بدعة من حيث اللغة، كما قال عمر رضي الله عنه: (نعمت البدعة هذه) وإما أن يقال: هذا عام خصت منه هذه الصورة لمعارض راجح، كما يبقى فيما عداها على مقتضى العموم، كسائر عمومات الكتاب والسنة". وهذا صريح في أن المعارض الراجح خصص عموم "كل بدعة ضلالة" وجعل الصورة المستثناة ليست ضلالة، ولا داخلة في هذا العموم، فالمراد بالمحافظة على العموم هنا ما صرح به في قوله: "يبقى فيما عداها على مقتضى العموم" أي ما عدا المسائل التي قام على تخصيصها دليل شرعي خاص راجح على هذا العموم، أي صار الحديث مخصوصاً؛ ولهذا قال: إن من جعل الحديث باقياً على عمومه، ومن جعله مخصوصاً يرجعان إلى مآل واحد، وذلك في الفتاوى (27/152): "البدعة الحسنة ـ عند من يقسم البدع إلى حسنة وسيئة ـ لابد أن يستحبها أحد من أهل العلم الذين يقتدى بهم، ويقوم دليل شرعي على استحبابها، وكذلك من يقول: البدعة الشرعية كلها مذمومة... فالبدعة عند هؤلاء: ما لم يقم دليل شرعي على استحبابه ، ومآل القولين واحد"؛ لأن الأول يجعل البدعة هي ما أُحدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحينئذ لابد أن يقسم إلى ما وافق الدليل وما خالفه، والثاني يجعل البدعة هي مالا يوافق الدليل، وهذا لا ينقسم إلى قسمين، بل هو الثاني نفسه. أما من يزعم أن كل ما حدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعهد السلف بدعة دون تقسيم، فهذا يخالف القولين معاً. الأدلة التي تنفي الابتداع عما يستثنى: والدليل الشرعي الذي يثبت به حسن ما يسمى في اللغة بدعة، أو يخص به عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل بدعة ضلالة) قد يكون نصاً، وقد يكون استنباطاً، كما بين ذلك ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (1/587) فقال: "إما أن يقال: ما ثبت حسنه فليس من البدع... وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم... ثم المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً". ومن الاستنباط أنه قد زاد سيدنا عثمان رضي الله عنه الأذان الأول يوم الجمعة، كما رواه البخاري برقم (870): عن السائب بن يزيد قال: "كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء"، وهو يعني أن الصحابة استنبطوا مشروعيته من القرآن أو السنة استنباطاً ـ إذ لا يعلم فيه نص خاص به، لكن لا بد من أن يكونوا قد اعتمدوا على نص، وإن لم يذكروا لنا النص الذي استنبطوا منه؛ لأن الإجماع لا بد له من مستند ـ ثم أجمعوا على ذلك واستقر العمل عليه، "وما علم بالأدلة الشرعية" ـ المذكورة وهي الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً ـ "فهو من الدين الذي شرعه الله حتى لو تنازع أولو الأمر في بعض ذلك" كما يصرح به ابن تيمية في الفتاوى (4/107). الأدلة وأقوال الأئمة في أن خطأ الاجتهاد ليس بدعة: وذلك أن اختلاف أهل العلم في الاجتهاد لا يجعل أحد الفريقين مبتدعاً ـ حتى المخطئ منهم ـ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) . والله لا يأجر على البدعة، بل البدعة تجعل صاحبها ضالاً وتجعله في النار (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). وفي مسودة آل تيمية عن الإمام أحمد: "قال: الحق عند الله واحد، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه: إنه مخطئ". وفي حلية الأولياء عن الإمام مالك: "شاورني الرشيد أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه؟ فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب". وقد بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن المجتهد لا يستطيع أن يجزم بأنه على صواب في معرفة مراد الله تعالى، فقال فيما رواه مسلم برقم (1731)، وهو من وصاياه لبعض قادة الجيوش، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟) ومن لم يستطع أن يجزم بأنه على الصواب كيف يجزم بأن مخالفه على الخطأ؟! وجاء في رسالة الإمام الشافعي عند التعليق على حديث الاجتهاد الذي سبق ذكره(1) أنه سئل فأجاب: "ما معنى صواب وخطأ؟ قلت: مثل معنى استقبال الكعبة... يتحراها من غابت عنه... فنفس التوجه يحتمل صواباً وخطأ... فقال: [يعني السائل]: أفرأيت الاجتهاد أيقال له: صواب على غير هذا المعنى؟ قلت: نعم على أنه إنما كلف فيما غاب عنه الاجتهاد، فإذا فعل فقد أصاب بالإتيان بما كلف، وهو صواب عنده على الظاهر، ولا يعلم الباطن إلا الله تعالى". ولذلك قال ابن تيمية : "فهذه المسائل التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل واحد منهم أقر الآخر على اجتهاده... فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي، ونحو ذلك". وإذا كان الأمر كذلك، فإن المنكر على مخالفيه ـ إذا كانوا قد اعتمدوا على أدلة قال بها بعض الأئمة ـ فهو مخالف لهذا النهج متعد على مخالفيه. الفصل الثاني الاحتفال بالمولد سنة أم بدعة ؟ وللإجابة عن المولد: أهو سنة أم بدعة؟ ينبغي أن يتحول السؤال إلى صياغة أخرى: هل قام دليل شرعي على استحبابه فيكون سنة؟ أو لم يقم عليه دليل فيكون بدعة؟ وأدلة الشرع هي الكتاب والسنة القولية والعملية والإقرارية وما يستنبط منها، كما صرح به كل الأئمة، وسبق نقله عن ابن تيمية، وليس الدليل محصوراً في السنة الفعلية، كما يقول كثير من المتسرعين في التبديع: هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو بدعة، أو يقولون: لم يفعله السلف فهو بدعة. وقد ذكر الإمام السيوطي في رسالته "حسن المقصد في الاحتفال بالمولد" جماعة من العلماء استحبوا الاحتفال بالمولد منهم: ابن دحية، وابن الجزري، وابن ناصر الدمشقي، ومنهم: الحافظ ابن حجر، وكتبوا في ذلك فتاوى، وأقاموا عليها الأدلة، وأيدهم هو على ذلك، وهم أئمة مقتدى بهم، فلا يكون من وافقهم اقتناعاً بأدلتهم مبتدعاً؛ لأنه قصد اتباع الدليل، وكذلك لا يكون مبتدعاً من اتبع فهمهم للدليل ممن لا قدرة علمية له على النظر في الأدلة؛ لأنه بأمر الله اتبعهم، إذ قال تعالى: { فسئلواأَهْلَ الذكر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النحل:43] وفي كثرة هؤلاء الأئمة وجه من الترجيح للمقلد، فقد عقد ابن تيمية في المسودة(2) فصلاً في ترجيح المقلد أحد الأقوال لكثرة عدد قائليه من المفتين حالة الفتوى نقل فيه عن ابن هبيرة كلاماً طويلاً، ولم يعارضه، ومنه قوله: "إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد منهم، فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز أن يعمل بقول الواحد"، ثم ذكر أن الأخذ بقول هذا الواحد ينبغي ألا يكون عن هوى وعصبية. القائل بأن المولد بدعة: وابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (2/619) قال عن المحتفلين بالمولد: "والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عيداً مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه لو كان خيراً، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا". وقد ذكر السيوطي في رسالته السابقة : أن الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي ـ المشهور بالفاكهاني ـ يرى الاحتفال بالمولد بدعة، وذكر أدلته تفصيلاً، وناقشه ورد عليه وأدلته المردود عليها لا تزيد على ما ذكر ابن تيمية عند التأمل الصحيح. خلاصة الرد على مانع الاحتفال: وخلاصة رد السيوطي: هي أن عدم فعل السلف إنما هو سكوت ، ولم يرد عنهم المنع من الاحتفال، والسكوت يحتج به عند عدم الدليل، فإذا وجد دليل إثبات ـ لاسيما الدليل القولي كالذي يأتي ذكره عن ابن حجرـ كان مقدماً على السكوت، فوجوده يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد سبقنا إلى القول بمشروعيته بواسطة ذلك الدليل، وذلك أهم ـ عند الاستدلال ـ من أن يكون السلف سبقونا إليه. أم ينبغي أن يقدم السكوت منهم على دليل الإثبات المأخوذ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم؟! توضيح حول الاستدلال بعدم فعل السلف: وقد ذكر ابن تيمية أن عدم فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتج به عند وجود دليل شرعي آخر، فقد قال عند كلامه عن دخول الحمام في الفتاوى (21/313): (ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه بكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخلها... إذ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية، وهو أضعف من القول باتفاق العلماء، وسائر الأدلة ـ من أقواله كأمره ونهيه وإذنه، ومن قول الله تعالى ـ هي أقوى وأكبر... فنفي الحكم بالاستحباب لانتفاء دليل معين من غير تأمل باقي الأدلة خطأ عظيم). فيقال هنا لابن تيمية وموافقيه: لا يكفي عدم فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمولد في الاستدلال على عدم مشروعيته، بل لابد من تأمل باقي الأدلة، ولا سيما القولية نصاً واستنباطاً، وإذا كان انتفاء فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع وجود قوله لا ينفي المشروعية، فانتفاء فعل السلف ـ مع وجود قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ أولى بأن لا ينفي المشروعية؛ لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم حجة بنفسه لا يتوقف على غيره، وقد تأمل العلماء الآخرون باقي الأدلة، واستدلوا ببعضها، كما يأتي بيانه ـ إن شاء الله تعالى ـ قريباً. وأما قول ابن تيمية: (إن السلف لم يفعلوه مع قيام المقتضي وعدم المانع) فإن هذا الاعتراض لا يصح إلا إذا كان القائلون بمشروعية المولد يجعلونه واجباً، أما الاستحباب فلا يصح الاعتراض عليه بهذا، فسيدنا عمر رضي الله عنه قال: إن الاجتماع في التراويح على قارئ واحد أمثل ـ أي أفضل ـ وترك ذلك سنتين من خلافته، ولم يطلبه منه أحد من الصحابة، ولم يقولوا: تركه أبو بكر وهو أفضل منك؛ لأن الأفضلية تقتضي الفعل ولا توجبه، وإلا لما كانت أفضلية، بل تكون إلزاماً، وكذلك استسقى عمر رضي الله عنه بالعباس مع وجود أكثر العشرة المبشرين بالجنة، وهم أفضل، ومثل ذلك أن أهل المدينة في ولاية أبان بن عثمان ـ بين سنتي (76 و 83) ـ قد صلوا التراويح ستاً وثلاثين مع وجود صغار الصحابة وكبار التابعين، ولم ينكروا ذلك ، ولم يقولوا لهم: إن الخلفاء الراشدين تركوا هذه الزيادة، مع وجود المقتضي وهو التقرب إلى الله، ومع عدم المانع؛ وذلك لأن الترك ـ إذا وجد دليل قولي للاستحباب ـ يدل على عدم الوجوب، ولا يدل على وجوب الترك، سواء كان الذي أحدثوه فاضلاً أو مفضولاً، فالمفضول مشروع، يقابله مشروع أفضل منه وكلاهما حق وهدى، ومثله أيضاً أن الصحابة لم يبنوا مثلاً مستشفى للفقراء وقفاً لله تعالى، مع قيام المقتضي وعدم المانع، وقد فعل ذلك الملوك المتأخرون عنهم، فأقرهم أهل العلم، وقالوا: إنه من أفضل العمل؛ لدخوله ضمن عموم الصدقة الجارية في أقواله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يوجد مثله في أفعاله، فإن مقتضي وجود المستشفى للفقراء هو وجود المرضى والجرحى منهم، والمال المحتاج إليه كان موجوداً، لاسيما بعد الفتوحات العظمى، وذوو الخبرة موجودون، وهم الذين كانوا يعالجون الجرحى قبل وجود المستشفيات، ولا مانع من إقامة المستشفى، وكذا يقال في كل المستحبات: إن عدم فعلهم لها يدل على عدم الوجوب فقط، ولا يدل على عدم المشروعية، فإذا وجد دليل الاستحباب من أقواله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أي دليل آخر، فيستحب العمل به، ومنع العمل به استناداً إلى عدم فعلهم مخالف للاستدلال الشرعي من جهتين: الأولى: أن عدم فعل الصحابة هو انتفاء دليل معين، لا يجوز الاعتماد عليه مع وجود دليل آخر هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو دليل إثبات، وعدم الدليل هو المسمى في أصول الفقه دليل الاستصحاب، وهو كما قال ابن تيمية في الفتاوى (23/15): "التمسك بمجرد استصحاب حال العدم أضعف الأدلة مطلقاً، وأدنى دليل يرجح عليه... فهذا باتفاق الناس أضعف الأدلة... وما دل على الإثبات من أنواع الأدلة فهو راجح على مجرد استصحاب الحال". الثانية: أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم دليل أصلي، أما فعل الصحابة ـ وكذا تركهم بالأولى ـ فهو ليس دليلاً أصلياً، وإنما يستدل به على تقدير أنه معتمد على دليل قوله أو فعله صلى الله عليه وآله وسلم، فترك قوله صلى الله عليه وآله وسلم للأخذ بقولهم معاكس لمنهج الاستدلال، كأنك تقول: أترك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه عارض قول الصحابة أو فعلهم أو تركهم، وحقيقة الأمر أنه لا تعارض أصلاً، فالتعارض لا يتصور بين دليل الإثبات ودليل العدم ـ فلا يقال مثلاً في مسألة ثبتت بالسنة دون القرآن: قد تعارض فيها القرآن والسنة، وكذا لا يقال تعارض الحديث الدال على فضيلة المولد مع عدم فعل الصحابة، بل يقال: وجد له دليل من السنة، ولم يوجد له دليل من فعل الصحابة، وهذا الدليل كاف في إثبات الفضيلة ـ وإنما يتصور التعارض بين إثباتين، كما لو فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً وفعل الصحابة خلافه، فيكون الترجيح من حيث الثبوت حينئذ لا بد منه، ولو كان عدم الفعل راجحاً لكان عدم فعله صلى الله عليه وآله وسلم دليلاً راجحاً على فعل الصحابة، ولم يكن فعلهم دليلاً حينئذٍ. ولو كان عدم وجود قول للسلف في المسألة دليلاً على عدم المشروعية لكان لا يحق للتابعين أن يتكلموا في مسألة سكت عنها الصحابة، وكان لا يحق لأتباع التابعين أن يتكلموا في مسألة سكت عنها التابعون، وهذا مخالف لما نص عليه الإمام أحمد، ففي مسودة آل تيمية ص (336): "قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل:... فإذا وجدت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد... فعن الخلفاء الأربعة... فإذا لم أجد فعن أصحابه الأكابر فالأكابر... فإذا لم أجد فعن التابعين وتابع التابعين"، ولو كان عدم الرواية حجة على عدم المشروعية لكان ينبغي للتابعين أن يقولوا لو كان خيراً لسبقنا إليه الصحابة، وكان ينبغي لأتباعهم أن يقولوا: لو كان خير لسبقنا إليه التابعون. وما قاله الإمام أحمد مستند إلى ما رواه النسائي وجوّده عن ابن مسعود برقم (5397): (فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه...) ولو كان عدم الرواية دليلاً على عدم المشروعية لما صح أن يقول: (فليجتهد رأيه)، بل يقول: لو كان خيراً لسبقه إليه الصالحون قبله، فلا يجوز له أن يجتهد. ومن قال: لو كان فعل المولد خيراً لسبقونا إليه يقال له: قد سبقنا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالدلالة على مشروعيته بطريق الأولى، وإنكار الاستدلال بهذا الطريق خروج عن منهج الكتاب والسنة والسلف الصالح، كما يأتي في كلام ابن تيمية قريباً ـ إن شاء الله تعالى ـ وليس واجباً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغنا بطريق العمل في كل ما هو مشروع، بل السنة القولية دليل مستقل، لا يتوقف العمل به على ثبوت فعله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا فعل غيره؛ لأن القول أقوى من الفعل باتفاق، كما تقدم عن ابن تيمية ص (39) هنا. دليل مُسْتَحِب عمل المولد: وقد ذكر السيوطي: أن الحافظ ابن حجر استدل ـ على مشروعية عمل المولد، وتوقيت بعض الأعمال الصالحة وتخصيصها بيوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم من كل عام ـ بحديث قولي، هو حديث صوم عاشوراء في البخاري برقم (3216) ومسلم برقم (1130 مكرر) واللفظ له: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود صياماً، يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه" وفي رواية لهما "فنحن نصومه تعظيماً له"(1) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) فقال ـ كما في الحاوي ـ (1/302): "فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادة... وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم". توضيح استدلال ابن حجر: وهذا استدلال منه ـ رحمه الله ـ بطريق الأولى، فإذا كانت نجاة موسى عليه السلام تستحق في مناسبتها السنوية شكرنا لله ـ عز وجل ـ فنجاة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يوم هجرته مثلاً أولى؛ لأن النعمة فيها أعظم، وكلما كانت النعمة أعظم كان شكرها أحق؛ ولذا قال الحافظ عن يوم المولد النبوي: "وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم"، فرسالته رحمة، كما قال الله تعالى: { وَمَاْ أَرْسَلْنَاْكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَاْلمَينَ } ، وذاته رحمة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أنا رحمة مهداة)(1) ، وكما قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْت فيهم} [الأنفال:33]، فمع أنهم كانوا كافرين، يتحدون نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان وجود ذاته صلى الله عليه وآله وسلم بينهم دافعاً للعذاب عنهم. قوة الاحتجاج بطريق الأولى: والاحتجاج بطريق الأولى من أقوى الأدلة، وتركه مباعدة لمنهج القرآن والسنة، قال عنه ابن تيمية في الفتاوى (21/207): "ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر... بل وكذلك قياس الأولى ـ وإن لم يدل عليه الخطاب، لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق ـ فإنكاره من بدع الظاهرية، التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا". وفي الفتاوى (12/349): "الطريقة النبوية السلفية أن يستعمل في العلوم الإلهية قياس الأولى". شبهة موافقة أهل الكتاب: وإذا ثبت بالدليل الشرعي استحباب إحياء ذكرى المولد سنوياً، أو ذكرى الهجرة سنوياً، لم يمنع من ذلك أن فيه موافقة لليهود أو النصارى، فإن موافقة اليهود في صوم عاشوراء أقوى، ومع ذلك لم يتركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وموافقتهم إنما تمنع فيما ليس له دليل شرعي. فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بصوم تاسع المحرم ليخالفهم، فالجواب من وجهين: أولهما: أنه لم يأمر به أمر إلزام، حتى يكون المقتصر على يوم عاشوراء آثماً، إنما التاسع زيادة فضيلة، فالموافقة حاصلة. ثانيهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخالفهم، بل وافقهم في اليوم، لكن أضاف إليه يوماً آخر، واكتفى بهذا القدر من مخالفتهم، واحتفال المسلمين بيوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم فيه وجوه عدة من مخالفة اليهود في يوم عاشوراء بإضافة أعمالٍ غير الصوم، مأخوذة من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا فيه وجوه عدة من مخالفة النصارى في ميلاد نبيهم عليه الصلاة والسلام، فمع اختلاف الكيفية هناك مخالفتهم فيما يعملون من الشعارات الشركية، وشرب الخمور، وغير ذلك. وخلاصة الأمر: أن أي عمل له دليل شرعي لا ينبغي تركه لأجل مخالفتهم، ومن تركه كان معترضاً على الأدلة. أعمال المولد : قال الحافظ ابن حجر في تمام كلامه السابق المنقول عن الحاوي (1/302): "وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى... من التلاوة، والإطعام، والصدقة، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية... وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك، فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحاً، بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه، وما كان محرماً أو مكروهاً فيمنع". كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى. الدليل على أعمال الشكر الأخرى : ولم يقيد الحافظ الشكر بالصوم، وإن كان المذكور في هذا الحديث وفي حديث صوم كل يوم اثنين(1) هو الصوم؛ وذلك لأن حديث ابن عباس رضي الله عنهما كما قال في فتح الباري (5/799): "يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب، وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى عليه السلام". وعلماء الأصول يقولون: إذا نص الشارع على حكم ، ونص على علته ـ أي على السبب المقصود من مشروعيته ـ فكل عمل يحصل به ذلك المقصود فهو مراد لله بنص الشرع، وفي مسودة آل تيمية (2/736): "الحكم المتعدي إلى الفرع بعلة منصوص عليها مراد بالنص". فكل ما يحصل به الشكر مشروع بدلالة الحديث كأنه مذكور في الحديث نصاً(2). عمل المولد صورة من مجالس شكر الله تعالى: والاجتماع لشكر الله على هدايته سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عمل بها أصحابه، فأثنى عليهم أعظم الثناء، كما جاء في صحيح مسلم برقم (2701) عن معاوية رضي الله عنه، وفيه قوله: (وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل، فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)، فالاجتماع على حمد الله تعالى على نعمة الإسلام والتفضل به سنة، والاجتماع لشكر الله تعالى على نعمة إيجاد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جملة ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم دعانا إليه، وهو الصورة العملية لكتاب الله تعالى، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها لمن سألها عن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم: (ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان القرآن)كما رواه مسلم برقم (746). وقد ذكر الحافظ ابن حجر بعض تفصيلات العبادة التي تؤدى شكراً في كلامه السابق "من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية". أما التلاوة شكراً فمأخوذة من قوله تعالى: { وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } [البقرة:198]، والقرآن أفضل الذكر، مع أن الذكر يحصل بالتهليل والتسبيح والدعاء، وكل ما يسمى في الشرع ذكراً كالتكبير، قال الله تعالى: { ولتكبروا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } [البقرة:185]. والإطعام شكراً ذكر في قوله تعالى: { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1)فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) والنحر مراد منه أن يطعمه الفقراء، وإطعامهم صدقة، وباب الشكر بالصدقة واسع. هل يحصل الشكر بعمل المباحات؟ وأما حصول الشكر بالمباحات ـ التي تعمل في المولد ـ فقد جاء ما يدل عليه في مسند الإمام أحمد برقم (22989) وبرقم (230011)(1) : "أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، قال: (أوف بنذرك)". قال الخطابي في معالم السنن(2) : "ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي تتعلق بها النذور، وأحسن حاله أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... صار فعله كبعض القرب، التي هي من نوافل الطاعات؛ ولهذا أبيح واستحب في النكاح... ومما يشبه هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحسان لما استنشده وقال له: كأنما ينضح به وجوه القوم، وكذلك استنشاده عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وغيرهما"(3)، وكذلك الفرح بمولده وبذكرى مولده صلى الله عليه وآله وسلم، وضرب الدف في ذلك صار فعله كبعض القرب، مثلما كان إعلان الفرح بعودته سالماً كبعض القرب، حتى علق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله على النذر، وكان وفاء به بأمره صلى الله عليه وآله وسلم. الفرح به صلى الله عليه وآله وسلم أمر إلهي: على أن الفرح به صلى الله عليه وآله وسلم داخل تحت امتثال قوله تعالى: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، وهو صلى الله عليه وآله وسلم "رحمة" كما جاء في الحديث (إنما أنا رحمة مهداة). ما ذكره الحافظ ابن حجر وغيره من أعمال المولد إنما هو مظهر لهذا الفرح، مع كونه مقصوداً به شكر الله تعالى على هذه النعمة العظمى، فضائل مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ثم إن إظهار السرور في المدائح النبوية أقوى وأظهر من ضرب الدف، وقد عده الحافظ ابن حجر في كلامه عن المولد قبل المباحات، وعطفه على أنواع العبادات، وقد ذكر في فتح الباري(1) (13/566): أن المدح "ربما كان مستحباً"، وسبقه إلى تفصيل ذلك النووي في شرح صحيح مسلم(2) فقال: "إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير، والازدياد فيه، والدوام عليه، أو الاقتداء به كان مستحباً" ولا ريب أن مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحصل به الحث على الاقتداء به وعلى حبه صلى الله عليه وآله وسلم؛ وجاءت روايات كثيرة أنه كان الصحابة يمدحون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الشعر، كما روى البخاري برقم (1104) عن أبي هريرة مديح عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قوله: وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع وفي صحيح مسلم برقم (2490): عن عائشة قول حسان يرد على من هجا النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هجوت محمد براً تقياً رسول الله شيمته الوفاء وفي صحيح مسلم برقم (2489) عنها أيضاً قول حسان يمدح بعض بني هاشم، ويرد على من هجا منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وإن سنام المجد من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد وبرقم (2488) عن مسروق قول حسان في مدح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ثم إن في مدحه صلى الله عليه وآله وسلم شكراً لله عز وجل على إرساله صلى الله عليه وآله وسلم، وعرفاناً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجميل، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أبو داود(1) برقم (4814): (من أبلي بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره)، وفي سننه أيضاً برقم (4779) ورجاله رجال الصحيحين "أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله! ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: (لا، ما دعوتم لهم وأثنيتم عليهم)" والثناء عليهم هو ذكرهم بالخير، وهو مديح، وقد بين الحديث أن ذلك الثناء يجعلهم شركاء في الأجر هم والأنصار، الذين آووا ونصروا، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وهو أجر عظيم غاية العظم، والأجر لا يكون إلا على طاعة لله. وفي مدحه صلى الله عليه وآله وسلم شهادة له بما شهد الله له به من البلاغ وحسن الخلق، وكونه قدوة الخير، وفي ذلك أجر عظيم أيضاً. ردٌ على منكري مدحه صلى الله عليه وآله وسلم: وبهذا يعرف أن الذين يستنكرون مدحه صلى الله عليه وآله وسلم، ويستدلون بحديث "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" البخاري برقم (3261) يعرف أنهم استدلوا بالحديث في غير موضعه، فقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "والإطراء المدح بالباطل"(2) ، وحتى لو كان الإطراء بمعنى المدح مطلقاً فإن تتمة الحديث توضحه وتقيد النهي بأن يكون عن المدح المجاوز للحد كما فعلت النصارى، فإنه لم يقل لا تطروني، ولكن قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم" . وفعل الصحابة في حضوره صلى الله عليه وآله وسلم، وإقراره لهم على مدحه، وحثه للمهاجرين على أن يثنوا على الأنصار يوضح حديث النهي عن الإطراء تمام الإيضاح، ويدفع كل الشبهات التي يتمسك بها الناهون عن مديحه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال الإمام الطبري في تفسيره (1/482): "معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله". وأما الذين يقولون إنه صلى الله عليه وآله وسلم غني بمدح ربه له في القرآن عن كل مديح فهم مغالطون؛ لأن محبي مدحه لا يمدحونه لأنه محتاج إلى المدح، بل لينالوا بمدحه العمل بالفضائل التي تقدم ذكرها، فنعوذ بالله من التحايل على أدلة الشرع، وضرب بعضها ببعض، ونسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا حباً لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وآله وصحبه وورثته، وأن يملأها سروراً به وبمدحه صلى الله عليه وآله وسلم. وإنشاد الشعر في هذه المناسبة ـ وفيه ذكر شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو من باب التذكير بنعمة إيجاده وإرساله وجعله أسوة للمؤمنين، قال الله تعالى فيه: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ[آل عمران:164]، وكان الذين ينشدون في حضرته صلى الله عليه وآله وسلم يريدون ذلك التذكير، كما صرح في رواية البخاري برقم (5972) عن سلمة بن الأكوع قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر فقال رجل من القوم: أي عامر لو أسمعتنا من هناتك، فنزل يحدو بهم يذكر: تالله لولا الله ما اهتدينا"، فقوله: "يحدوا بهم يذكر" نص على قصده من إنشاد ذلك الشعر، وقد روى البخاري تمام هذا الشعر في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم (3960) وهو: اللهم لولا أنت ما اهتدينا .. ولا تصدقنا ولا صلينا اغفر فداء لك ما أبقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أبينا وبالصياح عولوا علينا والتذكير معناه: الحث على الذكر بمعناه الواسع، وهو هنا بمعناه الخاص، وهو شكر الله عز وجل على هدايته وعلى إرساله سيد المرسلين إلى هذه الأمة؛ لأن هداية الله به كانت، وقد جعله الله واسطة الهداية، بل سماه هادياً فقال: { وَإِنَّكَ لتهدي إلى صراط مستقيم } [الشورى:52]، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله"(1) . استحباب عمل المولد كل يوم اثنين: وإذا كان الاحتفال السنوي وتوقيته يستند في المشروعية إلى حديث صوم عاشوراء؛ لأن كلاً منهما شكر لله على نعمة عظيمة، فإن الاحتفال الأسبوعي في يوم الاثنين أظهر وأقوى دليلاً؛ لأن صوم يوم الاثنين عبادة شرعت خصوصاً بمناسبة مولده صلى الله عليه وآله وسلم، كما جاء في الحديث في صحيح مسلم برقم (1162): "سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم الاثنين؟ قال: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت (أو أنزل علي فيه)" وهذا بيان منه صلى الله عليه وآله وسلم لعلة استحباب صومه، وهذه العلة تتحق بكل عبادة يقصد بها شكر الله تعالى على مولده صلى الله عليه وآله وسلم، كما تقدم تفصيل ذلك في التعليق على كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله، والعادات المباحة التي تقترن بذلك لا تحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل فيها الإباحة، فإذا أضيف إلى ذلك قصد الفرح به صلى الله عليه وآله وسلم كان أقرب إلى المشروعية، كما سبق في حديث أبي داود ـ عن الدف ـ وتعليق المحدثين عليه، والله تعالى أعلم.   كيف نحتفل برسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة للشيخ محمد منير حداد ألقيت في حفل المولد في الكلتاوية عام1979 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه وأتباعه ووراثه وإخوانه إلى يوم الدين ، اللهم إنا نسألك في هذه الساعة المباركة وهذه الليلة المنورة وهذا الاجتماع المبارك أن تجعلنا في أنوار حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم وتحت لوائه يوم لاظل إلا ظله . أيها الإخوة المؤمنون : احتفالنا هذه الليلة بسيد الكائنات وأفضل المرسلين وصاحب لواء الحمد وصاحب الشفاعة العظمى ، احتفالنا هذه الليلة بصاحب الشريعة الكاملة ، وبصاحب الشريعة الخالدة ، صاحب لواء التوحيد لله سبحانه وتعالى وصاحب العبودية لله وحده لاشريك له ، احتفالنا في هذه الليلة بالنبي الأمي الذي كان حظنا عظيماً وعظيماً حين سبق في علم الله أن يكون نبينا وأن نكون من أمته أمته المرحومة ، ويذكرني هذا بقول الإمام العظيم القاضي عياض : ومما زادني رفاً وتيهاً * وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك ياعبادي * وأن صيرت أحمد لي نبيا نبينا الذي نحتفل الليلة بمولده الكريم هو النبي الذي جاءنا بالحق والهدى والنور وهو النبي صاحب الوحي الذي لاينطق عن الهوى ، وهو النبي الذي جاءنا بالحق والهدى ، لايأتيه الباطل من بين يديه ولآمن خلفه تنزيل من حكيم حميد الاحتفال أيها الإخوة بذكرى المولد والفرح والحبور والسرور والاعتزاز ذاك حق كل مسلم بل حق كل إنسان أشرقت حياته بأنوار المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وأهل الاحتفال بحق هم المؤمنون المسلمون المحبون الصادقون المتبعون المخلصون الذين يشعرون أن أنوار المصطفى عليه الصلاة والسلام شرفت حياتهم ، وأشرقت في نفوسهم ، وأحاطتهم بحياة سعيدة من كل جانب من جوانبها لأن نبيهم الذي يحتفلون بميلاده هو الذي فتح عليهم النور الكامل وأخرجهم من الظلمات إلى النور ، الرسول يخرج أمته من الظلمات إلى النور كما قال سبحانه وتعالى : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ، إذن حظنا عظيم أن يكون مخرجنا من الظلمات إلى النور هو نبينا وحبيبنا سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وجزاه عنا أكرم مجازى نبياً عن قومه ورسولاً عن أمته صاحب الذكرى العطرة هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال له ربه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) صاحب الذكرى العطرة التي تشملنا أشعة أنوارها في هذه الساعة هو النبي الذي قال له ربه : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ صاحب الذكرى الطيبة هو النبي الذي قال له ربه : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين والذي قال له معظماً خلقه : وإنك لعلى خلق عظيم إذن احتفالنا ينبغي أن يكون للمعاني التي جاءنا بها وللمعالي التي دعانا إليها وللأخلاق التي كانت متمثلة مشعة من ذاته الكريمة الطيبة الطاهرة ، وبهذه المناسبة أذكر كلمة نبها نية طالما سمعتها وسمعها إخوتنا الكرام من سيدنا النبهان العظيم صاحب هذه الدعوة ومحي هذه الذكرى حقيقة يقول : ليس الاحتفال بالمولد الكريم أن نتلو في مناسبات المولد قصة مولده فحسب وأن نقول : أنه صلى الله عليه وسلم كان أبيض اللون مشرباً بحمرة هو عليه الصلاة والسلام أجمل الخلق أجمعين إنما الاحتفال الحق هو أن نتخذه أسوة وقدوة وأن نسعى إلى الإتباع الكامل لذاته ولأخلاقه ولحاله وقاله في هذه الحياة فإذا شعت أنوار المصطفى صلى الله عليه وسلم في التابع أصبح جميل الروح وإن كان أسمر البشرة ، أصبح محبوباً في قلوب الخلق وإن كان أعجمياً أسود اللون ، لأن الجمال هو جمال الروح ، وهو الذي يجعل الإنسان محبوباً في قلوب الخلق أجمعين فما الفائدة من إنسان يعطيه الله جمال الجسم ويكون سيئ الفعل والقول ، أما إن كان الإنسان قد قصرت به خلقته فإن اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجعله عند الناس حبيباً عظيم الشأن جميل الروح وهذا هو الجمال الحقيقي الذي نصل إليه باتباع المصطفى عليه الصلاة والسلام أيها الإخوة الأحبة : احتفالنا في هذه الليلة المباركة وفي هذا المسجد المبارك المنور أقول : احتفال متيمز لأن الاحتفالات العادية الصورية فقط كان صاحب دعوة المولد في هذه الليلة سيدنا النبهان العظيم كان لايكتفي بها ولا يعول عليها ، كان يريد منا احتفال الخلق واحتفال الإتباع واحتفال الحب الصادق ، وطالما هو صاحب دعوة المولد بحق وهي باقية لاتزول فإن احتفالنا أراه متميزاً ليس عادياً وأراه دائماً باقياً لايزول ولاينتهي لأن النور المحمدي لا يزول ولاينتهي ، احتفالنا حي يشع الحياة على حياتنا وعلى جوانب نفوسنا لأن نور المصطفى عليه الصلاة والسلام هو الذي يشع الحياة الخيّرة على الأولين والآخرين أيها الإخوة الأحبة : سيدنا النبهان العظيم صفحة من صفحات المصطفى عليه الصلاة والسلام ونفحة من نفحات أنواره الأبدية الخالدة ، ومادمنا في احتفال المولد فلأحدثكم بقليل من كثير عن حبه رضي الله عنه للسيد العظيم حدثنا عن نفسه فقال : أول ما أقبلت إلى طلب العلم وإلى طريق أهل الله كنت إذا حضرت في بعض دروسي أو مجالسي يرى مني رفاقي انشغالاً عنهم إلى أن تطور هذا الأمر فأصبحت أنشغل بكليتي عمن حولي من رفاقي الذين هم معي في المجلس فلا أعود إليهم إلا بعد فترة وكانت هذه الفترة هي فترة الحب والمشاهدة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا عن نفسه وهو الصادق المصدوق فقال : كنت إذا مشيت في الطريق ورأيت رفيقاً يلزم أن أسلم عليه فأقول بدل السلام : اللهم صل على سيدنا محمد لأن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله سبقت على لسانه لإنه المحب الصادق المنشغل بحبيبه عمن سواه وحديثه رضي الله عنه طيلة حياته ينصب على الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأول درجات الحب عنده هو حب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلا مخالفة لأوامره ونواهيه ، ولابعد عن سنته وسيرته ، كيف يدعي الإنسان حب رسول الله وقلبه منشغل بحب الدنيا؟!! دعوى فارغة مردودة باطلة ، كيف يدعي الإنسان حب رسول الله ويخالف شريعته ؟! كيف يدعي الإنسان حب المصطفى واحتفاله بسيرته وذكراه ومولده ثم هو إذا غضب أخرجه غضبه عن الحق ؟!! ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي كان إذا غضب وإذا رضي لم يخرج عن الحق قيد شعرة يحدثنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : كنت أكتب كلام رسول الله ولم يكن أحد من الصحابة يفعل ذلك سوى هذا الشاب المؤمن عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له بعض الناس : أنت تكتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه الذي يتكلم به في المجالس وإنه بشر يغضب ويرضى قال عبد الله : فجئت إلى رسول الله ، قلت يارسول الله : إني أكتب كلامك وإن أناساً من قريش ( لم يقل فلاناً أو فلاناً لئلا يغضب رسول الله بتسمية الشخص الذي قال الكلمة ) إن أناساً من قريش يقولون لي : إنك تكتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه يغضب ويرضى فقال عبد الله بن عمرو : غضب رسول الله واحمر وجهه غضباً وقال ياابن عمرو: اكتب عني في الغضب والرضى فوالله ماخرج من لساني هذا إلا الحق هذه سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام ، ومادمنا مدعون لاحتفال السيد النبهان بذكرى المصطفى عليه الصلاة والسلام فلأنقل إلى هذا الجيل المؤمن الناشيء المتربي في أحضان هذه المدرسة النبهانية كلمة طالما قالها وسمعتموها ويحق لها أن تنقل إلى كل محب راغب في الاتباع . كان سيدنا النبهان يقول : لساني هذا لو تكلم ونطق بكلمة غير الحق لوكذب في عمري مرة واحدة لقطعته ، هذا هو الاحتفال الدائم الباقي الذي لايزول ولا يحجب هو اتباع المصطفى عليه الصلاة والسلام على الدوام ، الحب بلا مخالفة ، والحب في الدرجة الثانية أعلى بالاتباع الكامل ، حب رسول الله واتباعه في العبادات ، والصلوات ، والصيام ، والفرائض ، والنوافل ، والمعاملات ، والكلام ، والسير على الطريق ، كل حركة وكل سكنة من سيرته صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون منهاج حياتنا ، وبذلك يكون احتفالنا باقياً دائماً أبدياً حياً مشعاً لإن نور المصطفى سيشع على الناس من المتبع التابع الكامل فيريهم نوراً عظيماً لايستطيعون مشاهدته من الكتب والقصائد والتآريخ ، سيدنا النبهان ماكان شاعراً للمصطفى وماكان خطيباً في المجامع وماكان مؤلفاً للكتب ، كانت معه واحدة غفل الناس عنها أجمعين كانت متبعاً كان صادق الإتباع صادق الحب ، وكانت كلمته العليا في كل مجمع وفي كل مجلس لإن الحب يورث الإتباع ، والإتباع يدخل في الوراثة ، وهكذا يكون شأن الإنسان عالياً بمقدار من يحب ولْأَذكر لكم مواقف ومشاهد أذكركم بها ، حضر إلى هذه المدينة عالم دمشق ورئيس رابطة علمائها النسيب الحسيب السيد مكي الكتاني رضي الله عنه ، وكان شرفه عظيماً لإنه من أبناء المصطفى وابنته فاطمة وكان له مواقف في الجهاد في سبيل الله وفي قيادة الأمة في شؤون دينها وحضرت في هذه الغرفة وهذه الروضة النبهانية كأصغر من حضر ممن شهد ، والمجلس غاص بالعلماء في هذا البلد وفي غيره من بلاد سورية ، وتحدث العلماء الحاضرون في شأن من شؤون المسلمين كيف يعالجون مشكلة لابد من معالجتها في ساعتها تلك ، فتكلم كل إنسان ، والإنسان حينما يتكلم يشرح نفسه يشرح فطرته يشرح إيمانه ويضعه أمام الناس وبين أيديهم ، وكثر الكلام وإذا بالسيد مكي الكتاني رضي الله عنه يقول للحاضرين : ماجئت لأسمع من زيد وعمرو إنما جئت من دمشق إلى هنا لأسمع صوت المصطفى من لسانك ياسيدي النبهان لإن التابع بحق ينطق بلسان متبوعه ، والمحب بحق ينطق بلسان حبيبه ، وهكذا كان الحب عند السيد النبهان للرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام حباً بلا مخالفة ولانقص حباً مع الإتباع الكامل حباً بلا حجاب مع الشهود دواماً وأبداً ولذلك فإن احتفالنا بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم يكون متميزاً ودائماً وحياً وأبدياً لإنه نابع من دعوة وارث المصطفى سيدنا النبهان العظيم ، الميز والفضائل والأخلاق التي جعلت هذا العصر الذي نعيشه يجمع على أن هذا السيد الكريم هو وارث عظيم من وراث النبوة كثيرة ، الميز والدلائل والفضائل والأخلاق كثيرة . وأقول أنا ولا أزال أقرأ في السيرة والسنة كل يوم من حياتي : والله الذي لاإله سواه مامن يوم أمسك فيه كتاباً من كتب السنة أو الحديث الشريف أو السيرة النبوية إلا وأزداد معرفة وشرحاً لحياة المصطفى التي تمثلت في أيام حياة سيدنا النبهان العظيم منذ ليال قليلة كنت أقرأ في مسند الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ووقفت عند مسانيد سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه وأحاديثه قليلة في المسند وإذ بعمرو بن العاص يروي عنه الإمام أحمد فيقول : (عمرو بن العاص هو القائل ) ياأصحاب محمد ياأصحاب رسول الله مالي أراكم ترغبون فيما كان عليه نبيكم وحبيبكم ترغبون عنه وترغبون في هذه الدنيا أنا عشت مع محمد وصحبته - كذا يقول عمرو بن العاص - والله ماأتى على رسول الله يوم إلا والذي عليه أكثر من الذي له ) يريد المال ، كان رسول الله ينفق كل ماعنده ويقول استدن علي ، ولو وافاه أجله في أي يوم من أيام حياته لكان ماعليه من الدين أزيد مما يملك من المال ، كذا يقرر سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه وسيدنا النبهان العظيم كان أسوة وقدوة لعصرنا كله في اتباع المصطفى عليه الصلاة والسلام ، سيدنا النبهان العظيم نزل السيرة بنفسه دعى إليها بفعله لابقوله وأشع على مجتمعه كله وعلى عصره بأكمله أشع عليهم حب المصطفى والتأسي به والاقتداء بسيرته وسنته وبعد أيها الإخوة أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17). ألم يأن للإيمان أن يتحرك في القلوب ألم يأن للنور أن يشع على الحياة من جديد لإن السيد النبهان علمنا أنه لاحجاب بل الحجاب وهم الحجاب أنت صنعته بنفسك وبوهمك ، وهو كان رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا حجاب كان منهاج حياته أن يقول لجلسائه : تعالوا نؤمن ساعة جددوا إيمانكم ذاكروني وذكروني بمن هم علموني تحمل الإحراق كان منهاج حياته أن يقول لجليسه ولمن لقيه كيف قلبك مع الله ، عودوا إليها فإنها كلمة نبهانية عالية باقية ، كيف قلوبكم مع الله ومع حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم يأن لنا أن نتناسى الأحقاد وأن ندوس الأضغان وأن نحلي حياتنا بالسيرة وأن نجمل أنفسنا بالسنة وأن نعود إليه صلى الله عليه وسلم والنفوس صافية والعقول سليمة والقلوب مزكاة ، لقد طال الأمد وبعد مابيننا وبين النور كثرت الحجب فعلينا أن نعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محبين بلا مخالفة محبين متبعين مطبقين محبين بلا حجاب فإنه رضي الله عنه كان يقول : الذي أعطاني هو الذي يعطي غيري وإنما عليكم أن تطلبوا من الله فإن الله عزوجل أقرب إليكم من كل قريب وإن رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتحتجب عن محب وماعلينا إلا أن ننفض الغبار وأن نتدارك النقص وأن نسابق الزمن وأن نعود إليه صلى الله عليه وسلم محتفلين الاحتفال الدائم الباقي بالإتباع بالأخوة الإسلامية بالتناصح بالتواصي بالعمل الصالح وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله يامن احتفلتم بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم صفحة أعمالكم سيراها الله وصفحة أعمالكم سيقرؤها رسول الله بل إن أعمالنا الآن تعرض عليه صلى الله عليه وسلم وهو عند ربه في جواره وهو القائل صلى الله عليه وسلم حياتي خير لكم ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فلنستح من رسول الله أن يرى فينا اعوجاجاً وأن يرى تقصيراً وأن يرى بعداً عن سيرته وسنته وشريعته تعرض علي أعمالكم فما وجدت من خير حمدت الله عليه وما وجدت مما سوى ذلك استغفرت لكم جزاه الله عنا أكرم ماجزى نبياً عن قومه ورسولاً عن أمته وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته   تأملات في تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم بقلم الشيخ الدكتور : محمد حسن قسام اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، و لك الشكر أن مننت علينا ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سيد الأولين و الآخرين الذي كانت سيادته بنص قوله صلى الله عليه و آله وسلم: ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ) (1). اللهم صل عليه صلاة ترضيك وترضيه و ترضى بها عنا يا رب العالمين و سلم عليه و على آله و أصحابه و من سار على دربه إلى يوم الدين. أما بعد: فقد نظرت فوجدت أن بعض المسلمين قد غابت عنهم مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فراحوا ينكرون على أهل تقدير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإجلاله تقديرهم و إجلالهم له صلى الله عليه وآله وسلم، و يصفونهم بالمبالغين في احترام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يكتفوا بالإنكار و الاعتراض، إنما ذهبوا يركزون على الجانب الآخر في رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم - وهو البشرية - مهملين و متناسين الجانب الأهم في شخصيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم و هو جانب النبوة و الرسالة، و لعمري إن هذا لإجحاف بحق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو ما يؤلم أكثر من غمز غير المسلمين؛ لأنها طعنة من ذي قرابة ورحم تجمعنا و إياه كلمة التوحيد، و ينظمنا معه عقد الإسلام المصون، و لذا فلقد قررت أن أخاطب المسلمين فقط، فأعرفهم أن تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و توقيره و إجلاله، و إدراك مكانته ليس مبالغة أو شططاً، بل هو الواجب علينا جميعاً، و سأبين ذلك من خلال حديثي عن مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القرآن الكريم، فالقرآن الكريم مليء بما يبين مكانة النبي صلى الله عليه وسلم و عظيم قدره، و ذلك إما بآيات صريحة في هذا أو بإيماءات و إشارات لا تبدو إلا لأرباب البصائر و النظر، و هذا ما نعثر عليه عند كثير من أهل التفسير أو أهل البلاغة، و لكن الآيات التي وردت مصرحة أو مشيرة إلى عظيم قدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرة، لا يمكنني أن أستوعبها في بحثي هذا المتواضع، فسأقف عند بعضها، مبيناً أن الله عظم قدر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم و أعلى شأنه في القرآن الكريم من عدة جوانب: الجانب الأول – أن الله عز وجل قد أسبغ على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الصفات العظيمة مالم يسبغه على أحد سواه، فمن ذلك: - وصفه بالرحمة، و هي صفة عظيمة، و كيف لا تكون كذلك وقد وصف الله بها نفسه؟ فهو الرحمن و الرحيم، وقد وصف بها حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عدة مواطن، فمرة يصفه بأنه الرحمة ذاتها، و أخرى نجده يشتق له من الرحمة وصف " الرحيم " و ما يلفت النظر أنه لم يصفه إلا بأعلى درجات الرحمة، لذا لم يرد في القرآن وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باسم الفاعل، فلم يطلق عليه صفة "راحم" إنما ورد وصفه بالمصدر " رحمة " أو بصفة المبالغة " رحيم " و كلا الوصفين يدلان على المبالغة في الاتصاف بصفة الرحمة، وحين وصفه بأنه الرحمة و هي المصدر وجدناه مرة يصفه بأنه رحمة للعالمين، فيقول تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين) [ الأنبياء 107] و مرة أخرى يصفه بأنه رحمة للمؤمنين، فيقول: ( ومنهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم و الذين يؤذون رسول الله لهم عذابٌ أليمٌ )[ التوبة 61]. فوصفه بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمة للذين آمنوا، ولا بد لنا من نظرة تحليلية عميقة للنص القرآني حتى لا نكون ممن يمرون على الآيات مرور الكرام فلا يعون ما يتلون، و سنقف أولاً عند ما يعنيه الوصف بالرحمة التي هي المصدر، فمن المعلوم في العربية و عند أهل البلاغة أن الوصف بالمصدر غير ممكن؛ لأنه غير مشتق، و لكن قد يوصف به لغرض بلاغي، و هو ادعاء أن الموصوف قد بلغ أعلى قمة في الاتصاف بالصفة التي وصف بها، و هو ما يسمونه بالمبالغة، و هذا يعني أنه لا يوصف بالمصدر إلا لغرض المبالغة، و المبالغة هنا مصطلح بلاغي عبر به البلاغيون و المفسرون كثيراً، و فرقوا بينه و بين المبالغة التي تعني الكذب، و بناء على هذا فإن وصف النبي صلى الله عليه و على آله وسلم في الآيتين بأنه رحمة يفيد أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بلغ في الرحمة درجة عالية حتى أصبح هو الرحمة ذاتها، وكأن الرحمة تجسدت في شخصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو هي، و هي هو، و لذلك قال أبو السعود في تفسيره: ( وهو رحمة، بطريق إطلاقِ المصدرِ على الفاعل للمبالغة )(2) . أما كون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوصف مرة بأنه رحمة للعالمين، و أخرى بأنه رحمة للذين آمنوا، فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمة عامة و رحمة خاصة، أما الرحمة العامة فهي للعالمين، و أما الخاصة فهي للمؤمنين، فالمؤمنون داخلون إذن في رحمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم مرتين، و لكن لا بد أن نتأمل معنى " العالمين " لندرك مدى عمومية رحمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالعالمين جمع عالم، و هذا يعني أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس رحمة لعالم واحد و هو عالم البشر، بل هو رحمة لكل العوالم، و إنما استنبطنا أنه رحمة للكل من كون العالمين جمعاً و قد دخلت عليه لام الاستغراق و الجمع و لام الاستغراق من ألفاظ العموم، فنستنبط من هذا أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمة لكل عالم يصدق عليه لفظ عالم، فهو رحمة لعالم الإنس و رحمة لعالم الجن و رحمة لعالم الملائكة و رحمة لعالم الحيوان و رحمة لعالم النبات و غيرها من العوالم، و هذا لا مبالغة فيه، و ليس إشارة غامضة بل هو صريح نص قرآني، فليت شعري ماذا يقول من يتهمنا بالزيادة في تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ماذا يقول عما يدل عليه هذا النص القرآني؟ حقاً إن ما في هذه الآية هو قمة تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و البيان الواضح في مدى علو قدره صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يوضح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بلغ في صفة الرحمة العظيمة منتهاها، فكان رحمة لكل العوالم عموماً و رحمة للمؤمنين خصوصاً. و أما وصفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه رحيم فلقد ورد في قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)[التوبة 128]. و لدى التأمل في وصف " رحيم " نجد أنه جاء مشتقاً على وزن " فعيل " و هو أحد صيغ المبالغة، و يفيد الوصف بصفة من أمثلة المبالغة شيئين رئيسين: هما المبالغة و التكرار، فوصف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصفة رحيم يعني أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بلغ منتهى صفة الرحمة و أعلى درجاتها، و كذا يعني أنها هي الصفة الغالبة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل أحواله، و لقد استنبطنا كونها الصفة الغالبة عليه من كون صيغة المبالغة تفيد التكرار، و هذا يعني أن الرحمة تتكرر منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيراً، وهذا يعني بالتالي أنها الصفة الغالبة عليه في أحوله و أخلاقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. و حري بنا أن نتأمل الأوصاف الأخرى التي وردت في هذه الآية، و هي " رسول من أنفسكم " و " عزيز عليه ما عنتم " و " حريص عليكم " و" رؤوف " و هي أوصاف تحثنا على مزيد من تقديره وإكرامه صلى الله عليه و على آله وسلم يقول الإمام البقاعي عند تفسيره هذه الآية: ( ولما كان الرسول يجب إكرامه و الوقوف في خدمته لأجل مرسله و لو تجرد عن غير ذلك الوصف، شرع يذكر لهم من أوصافه ما يقتضي لهم مزيد إكرامه ) (3). أما نعته بقوله: " من أنفسكم " فهو مدح و ثناء على نسبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و حث للسامعين من قريش و العرب على إكرامه؛ لأنه عربي قرشي، و هذه الصفة تتطلب منهم الإقبال عليه بدل الإعراض عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قبيلتهم التي يفتخرون بها و يكرمونها. و أما نعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه عزيز عليه عنت المؤمنين، فهو النعت الذي يبين مدى رأفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و شفقته على أمته؛ إذ يشق عليه بشدة وقوعهم في العنت و الشدة رأفة بهم، و هذا يستدعي ممن يشفق عليهم مزيداً من الإكرام و العناية. و أما نعته بأنه حريص على أمته فهو نعت ثان يدل مدى رأفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشفقته على أمته، و لقد دل "حريص " على بلوغ حرصه منتهاه على أمته، وذلك لمجيء وصفه بذلك على صيغة المبالغة "فعيل" فدل ذلك على شدة حرصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على نفع أمته وسعادتهم. و أما نعته بالرأفة فللتأكيد على شدة رحمته صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الرأفة هي أشد الرحمة .(4) ويذكر ابن عاشور الفرق بين وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرأفة و وصفه بالرحمة، فيقول: (والرأفة رقة تنشأ عند حدوث ضر بالمرؤوف به، يقال: رؤوف رحيم، و الرحمة رقة تقتضي الإحسان للمرحوم، بينهما عموم وخصوص مطلق، ولذلك جمع بينما هنا )(5) . ولدى التأمل في الأوصاف التي وردت، و هي " عزيز عليه ما عنتم" و "حريص عليكم" و " بالمؤمنين رؤوف" و " رحيم " نجدها كلها صفات تدل على رحمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم العظيمة بأمته، و هذا البيان من الله لرحمة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و التشخيص لمقدارها و حجمها كله عبارة عن حث من الله لنا للمزيد من إكرم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و إجلاله، لأن من بلغت رحمته هذا المستوى الرفيع بأمته يستحق من الأمة مزيد الإجلال و الاحترام، أجل والله فربنا لم يعرفنا بمدى رحمة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبثاً، كما أنه ليس مجرد ثناء من الله على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم و مدح له، إنما هو بيان لوصف عظيم في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستحق من أجله كل الاحترام و التعظيم. - و من تلك الصفات العظام التي وردت في القرآن للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه الشاهد و المبشر و النذير و الداعي إلى الله و السراج المنير، يقول سبحانه وتعالى: ( يا أيها النبيُّ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. و داعياً إلى الله بإذنه و سراجاً منيراً) [الأحزاب 45 -46]. وسماه الله تعالى بالنور في قوله تعالى: ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب و يعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) [ المائدة 15]. فلقد وصف الله نبيه محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه نور، بعد أن شرفه بالإضافة إلى ذاته في قوله: "رسولنا" فالإضافة هنا للتشريف .(6) و وصفه بالرسول و بالنبي و بالأمي و بالمدثر و بالمزمل، و هذه الكثرة من الأوصاف و الأسماء و الألقاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تدل على عظم مكانته عند الله، و تشير إلى وجوب المزيد من إكرمنا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. و وصف ربنا أخلاقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعظمة، فقال مخاطباً له، لنعرف نحن ذلك فنزاد تقديراً و تعظيماً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( وإنك لعلى خلق عظيم )[ القلم 4]. و وصف ربه بالرشاد و السداد؛ لنعظمه و نقدره؛ لأن هذه الصفات تبعث في نفوس الناس تعظيم المتصفين بها و تقديرهم، فقال: ( والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم و ما غوى. و ما ينطق عن الهوى )[ النجم 1- 2-3] و وصفه بأنه على صراط مستقيم، فقال له: ( يس. و القرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم )[ يس 1-2-3-4]. و هكذا نجد أن كل ما ورد من أوصاف للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هي أسمى و أرقى ما يوصف به أحد من خلق الله، و الغرض من ذكر هذه الأوصاف أمران، أحدهما: الثناء على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني: تعريف الناس بمكانته و مقداره حتى يحبوه ويعظموه و يقدروه؛ لأن عادة الناس أن يحبوا و يعظموا من كان متصفاً بتلك الصفات. الجانب الثاني من جوانب تعظيم الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم هو ذكره في كتابه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منة من الله على المؤمنين، يقول سبحانه: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران 164]. و نلاحظ هنا أنه سبحانه يؤكد لنا كون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم منة منه على المؤمنين، و مجرد اعتباره صلى الله عليه وعلى آله وسلم منة يدل على تعظيم الله له؛ لأن الله لا يمن إلا بما هو عظيم، أما تأكيد المنة بـ " لقد " فهو تأكيد لتلك العظمة، و حث للمؤمنين على أن يذعنوا بكون رسول الله صلى الله عليه و آله وعلى آله وسلم منة، و أن يترجموا هذا الإذعان بالعمل من خلال تقدير و تبجيل و تعظيم تلك المنة و النعمة، و نلاحظ بعد ذلك تعظيمه من جهة ذكر مهامه العظيمة التي يقوم بها، و هي تلاوة الآيات و تزكية المؤمنين و تعليمهم الكتاب و الحكمة و هدايتهم، و هذه مهام عظيمة عددها ربنا هنا مدللاً بها على كون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم منة، و هي إذ تدلل على كونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم منة فإنها بالوقت ذاته تدل على عظمة من يقوم بها. الجانب الثالث من جوانب تعظيمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو تعداد الذكر الحكيم لمهام عظيمة يقوم بها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و ذلك؛ لأن الأعمال العظيمة تدل على عظم من يقوم بها، و قد رأينا ذلك آنفاً عند قوله تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران 164]. و عند قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )[ المائدة 15-1]. فقد ذكر ما يقوم به صلى الله عليه وسلم من أمور عظيمة يدل القيام بها على عظم فاعلها؛ فالإناء ينضح بما فيه، و كما قالوا: آثارنا تدل علينا، فالفعل العظيم يدل على عظم فاعله، و قد ذكر الله هنا ما يقوم به صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أمور عظيمة و هي الهداية إلى سبل السلام، و إخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ ليلهب فينا مشاعر الحب و التقدير للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه قد جرت عادة الناس أن يعظموا ذا الأعمال الجليلة، و أي أعمال أجل من هذه المهام التي يقوم بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذن هو أحق الخلق بالتقدير و التعظيم و الاحترام. و يذكر مهامه العظيمة أيضاً في قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [ الجمعة 2]. فقد ذكر هنا ما يقوم به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أعمال عظيمة مشيراً بذلك إلى عظمة القائم بتلك الأعمال و هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو يتلو على الأميين الآيات و يطهرهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و يهديهم. و يذكر أيضاً أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يهدي إلى صراط مستقسم، فقال له مخاطباً: ( و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض )[ الشورى 52 -53]. ويذكر أيضاً ما يقوم به من أعمال عظيمة عند قوله تعالى: ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة و الإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم ) [ الأعراف 157]. فهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يحل الطيب و يحرم الخبيث و يخفف عن أهل الكتاب ما كان عليهم من أحكام تثقل كواهلهم، وهذه كلها أعمال عظيمة تدل على عظم فاعلها و هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و نلاحظ أن في نسبة الإحلال و التحريم إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى كون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مشرعاً، و هذا بحد ذاته كاف في الدلالة على عظيم مكانته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الجانب الرابع من جوانب تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما منحه الله و أعطاه لحبيبه صلى الله عليه و على آله وسلم، فقد ذكر ربنا في الذكر الحكيم ما خص به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إكرام بأمور كثيرة لم يعطها أحداً قبله، و سورة الشرح شاهدة بذلك من جهة اللغة التي خاطبه بها و من جهة نوعية الأمور التي أكرمه به، فلقد أكرمه بشرح الصدر و وضع الوزر و رفع الذكر ووعده بتيسير الأمور له صلى الله عليه وعلى آله وسلم و لأمته، و أما اللغة فقد كانت اللغة العجيبة، لغة المحب الغيور على حبيبه، فلقد استهل ذلك بالاستفهام الإنكاري: " ألم نشرح لك صدرك " [الشرح1] فأنكر انتفاء الشرح؛ زيادةً في إثباته و تأكيداً لوقوعه، و الغرض من ذلك إدخال السرور إلى قلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و لذا فلقد قدم الجار و المجرور على المفعول في قوله: " ألم نشرح لك صدرك" و قوله: " ووضعنا عنك وزرك" و قوله:" ورفعنا لك ذكرك" فتقديم الجار و المجرور على المفعول به أفاد الاختصاص، أي الشرح وقع لك دون غيرك، ووضع الوزر وقع لك دون غيرك، و ورفع الذكر وقع لك دون غيرك، و الغرض من ذلك المسارعة في إدخال المسرة إلى قلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أشار إلى ذلك أبو السعود في تفسيره ، (7)و هذا بعض ما أشرت إليه من كون اللغة في هذه السورة تشتمل على تعظيم النبي صلى الله عليه و على آله وسلم، فذكر ربنا هذه المنح بهذه اللغة يدل على عظمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و إكرام الله له، و نأخذ شاهداً آخر على تعظيم الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من خلال ذكره ما حباه به من إكرام بأمور عظيمة، و هو ما ذكره الله في سورة الفتح من أمور كثيرة فقد ذكر أنه تعالى فتح له فتحاً مبيناً و أنه غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و أنه يريد أن يتم نعمته على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يهديه صراطاً مستقيماً، و ينصره نصراً عزيزاً، يقول سبحانه: ( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً. ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً. وينصرك الله نصراً عزيزاً)[الفتح 1-2-3]. و ذكر سبحانه في نفس السورة أن مبايعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مبايعة لله، فقال: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)[ الفتح 10]. و أعطاه سبحانه مرتبة عالية فجعله أسوة حسنة للمؤمنين فقال: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )[ الأحزاب 21]. و أكرمه تعالى بأن جعل طاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاعة له، فقال: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله)[النساء 80]. و أكرمه الله بمنعه و عصمته من الناس فقال: ( والله يعصمك من الناس )[المائدة67]. و أكرمه بالسبع المثاني و القرآن العظيم، فقال له: (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني و القرآن العظيم)[الحجر 87]. و أكرمه سبحانه وتعالى و شرفه باستمرارية صلاته هو وملائكته على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و تكرارها دونما انقطاع كما يشير إلى ذلك التعبير بالمضارع " يصلون" من قوله تعالى: ( إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً )[ الأحزاب 56]. و أكرمه وشرفه بأن بدأ بالإخبار عن الصلاة عليه بذاته العلية، ثم ثنى بالملائكة حثاً للمؤمنين أن يصلوا عليه و يسلموا تسليماً. و كذلك أكرمه بأن ربط الفلاح و النجاة و الفوز بالإيمان به و بتعزيره أي تعظيمه و بنصرته و باتباعه، فقال: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه و اتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون )[الأعراف 157]. و نلاحظ أن الآية هنا تصرح بضرورة تعظيم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتوقيره، فالتعزير هو التعظيم والتوقير، ففي هذه الآية تصريح بوجوب التعظيم الذي ينكر البعض تقديمه للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالتعزير هو النصرة مع التعظيم ، (8) يقول أبو السعود: ( وعزروه: أي عظموه ووقروه ) (9). و أكرمه بأن ربط أيضاً محبة الله باتباعه، فلا يمكن أن يتحقق العبد بحب الله إلا إذا اتبع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول الله تعالى: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )[آل عمران 31]. و أكرمه الله فقال له: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعييننا)[الطور48] أي في حفظنا و حمايتنا بحيث نراقبك ونكلؤك و هذا منتهى العناية بالنبي صلى الله عليه وسلم. و مما يؤكد مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يكرم الله به هذه الأمة من أجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن ذلك ما أكرمه الله به بأن جعل المجيء إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم و استغفار الله في حضرته واستغفاره صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبباً في مغفرة ذنوب المسرفين على أنفسهم من أمته، فقال: ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ) [ النساء 64]. و هناك إشارة دقيقة في القرآن الكريم إلى ما يمنح الله الأمة من أجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن تلك الإشارات ما ذكره الله تعالى في قوله: ( و ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم)[الأنفال 33]. و اللافت للنظر هنا أن الله أكرم أمة الدعوة لا أمة الإجابة من أجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهنا يبين ربنا بصريح العبارة أنه أكرم الكافرين المعاصرين له فلم ينزل العذاب بهم إكراماً لوجود رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهم، و ما يلفت النظر أنه سبحانه لم ينزل العذاب بهم مع أنهم جحدوا و تحدوا أن ينزل فيهم العذاب، فقالوا كما حكى الله عنهم: (اللَّهُمَّ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)[الأنفال32]. و لقد جرت سنة الله أنه لا يتحدى في كبريائه و قدرته و عزته و قوته إلا و ينزل العقوبة عاجلاً بمن تحداه كما كان يقع في الأمم التي خلت، لكن هنا مع أمة عاصرت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحلم ربنا على هؤلاء الكفرة و لا ينزل بهم العذاب الذي طلبوه تحدياً، و يصرح ربنا بأنه ما تركه إلا لأجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم. و من الإشارات إلى مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من خلال ما منحه الله للأمة من أجل خاطره ما ذكره الله تعالى في قوله: ( و ربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشاكم من ذرية قوم آخرين ) [ الأنعام 133]. فالآية تشير إلى سبب عدم وقوع الذهاب بهم واستخلاف قوم آخرين من بعدهم، و ذلك من خلال ما ذكره في بداية الآية من كون الله تعالى هو الغني وحده، ولا غني سواه، وكونه ذا الرحمة دون غيره، و كونه رب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي يحسن إليه، ومن إحسانه إليه أنه لا يهلك الأمة التي أرسل إليها. و لا بد قبل الانتقال إلى الانتقال إلى الجانب التالي من بيان الغرض من ذكر القرآن ما حبا الله به نبيه من محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إكرم أو ما حبا به الأمة من أجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالغرض من كل هذا حث الناس على إكرامه و إجلاله و احترامه و تعظيمه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد جرت عادة الناس أن يتعلقوا و يعظموا من حاز شيئاً من المكارم، فكيف بمن حاز كل المكارم، و هو صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و كذا قد جرت عادة الناس أن يحبوا و يعظموا من أكرموا من أجل خاطره، فعليهم إذن أن يحبوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم و أن يتعلقوا به؛ لأن ما ينالونه من مكارم هو من أجل خاطره صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الجانب الخامس - التشديد على وجوب الأدب معه. و من جوانب تعظيمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما ورد في الذكر الحكيم من حث على الأدب معه صلوات الله وسلامه عليه، و سورة الحجرات تشهد بذلك، حيث يبدأها الله بقوله: ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم )[ الحجرات 1]. و نلاحظ هنا تشديداً على ضرورة الأدب معه صلى الله عليه وسلم من خلال النهي و من خلال حذف مفعول " تقدموا " حيث عم بذلك الحذف النهي، فشمل كل أشكال التقديم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ إذ حذف المفعول يفيد عموم الفعل، فيسلط النهي عندئذ على كل نوع من أنواع التقديم، فلا يقدموا بين يديه حديثاً و كذلك لا يتقدموا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مشية أو جلسة، ولا يقدموا أنفسهم بين يديه، و لا يقدموها عليه، على غرار ما قال في سورة التوبة: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) [ التوبة 120]. و نلاحظ هنا أنه نهى عن تخلفهم و عن رغبتهم بأنفسهم عن نفسه بأشد أنواع النهي، و هو نفي الجحود، فهو نهي بصورة النفي، و هذا الأسلوب يفيد النهي وزيادة، و الزيادة التي يفيدها ذلك النوع من النهي هو الإشارة إلى أن هذا مما ينبغي أن لا يوجد أصلاً، و نلاحظ أيضاً أن النهي هنا لم يكن عن تخلفهم عن الجهاد مع أن هذا هو ما فعلوه، و لكن الله تعالى نهاهم عن التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و كأنه يشير إلى أن ما ارتكبوه من تخلفهم عن رسول الله هو أفظع من تخلفهم عن الجهاد، لذا فهو لم ينع عليهم إلا تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورغبتهم بتقديم أنفسهم و حياتهم على حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونفسه. ثم بعد ذلك ننتقل إلى أدب آخر مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلمه الله تعالى للمؤمنين، فيقول سبحانه: ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون )[الحجرات 2]. فلقد نهاهم عن رفع الصوت أمام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضاً، و بين خطورة إساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و ذلك من خلال بيان فظاعة العقوبة؛ لأن غلظ العقوبة ينبئ بهول الذنب وضخامته عند مرتب العقوبة على الذنب، و هو الله، فهنا العقوبة خطيرة جداً، و هي إحباط الأعمال و إبطالها، و هذا يدل على فظاعة الذنب المرتكب، و هو أدنى درجات إساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هذا يجعلنا نرجع فنتأمل، إذا كان رفع الصوت و الجهر - و هو أدنى درجات إساءة الأدب - يوجب إحباط الأعمال، فكيف بالإساءات الأخرى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي لا يفتأ أقوام عن توجيهها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هي متعددة الأشكال و الكيفيات، فهناك من يؤذيه في ذاته صلى الله عليه وسلم، و هناك من يؤذيه في الإنقاص من قدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هناك من يؤذيه في أهل بيته، و هناك من يؤذيه في صحبه، نسأل الله السلامة من كل هذا. و لدى التأمل في الآية نستنبط إشارة مفادها: أن العمل الصالح لا ينفع صاحبه مع الإساءة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن تلك الأعمال مهما كثرت ستصبح هباء منثوراً مع أدنى إساءة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم ننتقل إلى الآيات الأخرى بعد ذلك، فنجد أنه سبحانه و تعالى يمدح أهل الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيقول: ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم )[الحجرات 3]. ثم يذم مسيئي الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيصفهم بأن أكثرهم لا يعقلون، أي ليسوا من أهل العقل و التدبر؛ لأن صاحب التدبر و التفكر يعلم أن الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعتبر معياراً لقبول العمل أو رفضه، يقول سبحانه: ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون )[ الحجرات 4]. ثم ننتقل إلى موطن آخر في القرآن الكريم، فنجد أن المولى في سورة النور يعلم المؤمنين أدباً دقيقاً مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هو أن لا ينهضوا من مقامهم و أن لا يذهبوا من مجلسهم حتى يستأذنوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول سبحانه وتعالى: ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله )[ النور 62]. و نلاحظ هنا أن الآية لم تكتف بالإرشاد إلى ذلك الأدب الرفيع مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنما بينت أن ذلك ضروري لتحقق الإيمان، و ذلك من خلال حصر وصف الإيمان بالالتزام بشيئين، هما: الإيمان، و عدم الانصراف من المجلس إلا بإذنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذن القضية ليست مجرد أدب، إنما هي أدب له مدلول إيماني، و يؤكد ذلك ما ختم الله به تلك الآية من تأكيد بإنّ على أن الذين يلتزمون بهذا الأدب أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله، و لايغيب عن بالنا ما تفيده إشارة البعد أولئك من بيان علو قدر الملتزمين بذلك الأدب، و ما تفيده من تقرير للخبر و هو " يؤمنون بالله ورسوله" و هذا ما يجعلنا نستنبط أن الإيمان لا يجتمع مع إساءة الأدب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم نتابع في الآية التي تتلو هذه الآية، فنجد أن ربنا ينهى المؤمنين أن يجعلوا دعاء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم و نداءه مماثلاً لنداء بعضهم بعضاً، ، فيقول سبحانه و تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً )[ النور63]. فلابد من تعظيمه حين ندائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا الأمر كان سنة في نداء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القرآن الكريم، فلقد عظمه في نداءاته كلها، فلم يناده باسمه قط، إنما كان يناديه بقوله: يا أيها الرسول، أو يا أيها النبي، و لم نجده ولو مرة يناديه يا محمد، كما كان ينادي بقية الأنبياء و المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، فإذا كان الله في عليائه و جلاله لم يناد رسوله باسمه مجرداً عن ألقاب التعظيم و الرفعة، فكيف يأذن لخلقه أن ينادوا حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما لم يناده هو به. ثم ننتقل إلى موطن آخر من مواطن تعليم الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القرآن الكريم، و هو قول الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه و لكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا و لا مستأنسين لحديث إن ذلك كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق )[ الأحزاب 53]. فهنا يعلم المؤمنين أدباً رفيعاً مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعظيماً لقدره و إجلالاً لمكانته، فينهاهم عن دخول بيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا عندما يدعوهم أو يأذن لهم، و نهاهم أن يطيلوا الجلوس معه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إجلالاً له، لأن من إجلال العظماء أن لا يطال الجلوس في حضرتهم، و من هنا نهاهم عن الجلوس انتظاراً لنضج الطعام، و أمرهم بالانتشار و الانصراف بعد الأكل مباشرة، و نهاهم أن يجلسوا مستأنسين بحديث، و كأنه هنا يفهمهم أن التعامل مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس كتعاملهم مع بعضهم، إنما هو تعامل قائم على تعظيمه و إجلاله و تقديره، و نلاحظ في الآية لهجة الغيرة على الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى لا يستغل أحد حياء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيخل بتلك الآداب و يتعامل مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعاملاً مجرداً من التعظيم و الاحترام، و لقد حرص القرآن على أن يفهم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عالي القدر و الجناب، و أن التعامل معه و نداءه الجلوس ومعه و الحديث معه يختلف عن حديث المؤمنين فيما بينهم، ولذا نجده في بادئ الأمر يأمر المؤمنين أن يقدموا بين يدي نجواهم و حديثهم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صدقة، فيقول: ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين نجواكم صدقة ذلكم خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم )[المجادلة 12]. و الغرض من هذا الأمر أن يعلم المؤمنون من هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و أن يفهموا أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عالي المقدار رفيع الجناب، فلا يناجى و لا يتحدث معه إلا على طهارة، و لذا فالذي يريد أن يناجيه عليه أن يتطهر بالصدقة حتى يكلم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم و هو نقي من الدنس و قذارة الذنوب، و لكن لما شق ذلك عليهم نسخت الآية، بقوله بعدها: (أأشفقتم أن تقدموا بين نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله )[ المجادلة 13]. و لعل الغرض من تشريع ذلك الأمر أولاً ثم نسخه هو الإشارة إلى وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و احترامه، و مما يؤكد ما ذكرناه من حرص الذكر الحكيم على إفهام المؤمنين مقدار نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم العظيم ما نجده في لغة العتاب التي كان يعاتب فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهي لغة تعلم الأدب في الحديث مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فمثلاً حين العتاب في إذنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم للمنافقين، نجد اللغة الرقيقة التي قدم فيها العفو عنه أول الحديث، فلقد سبقت المغفرة العتاب، يقول الله تبارك و تعالى: ( عفا الله عنك لما أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ) [براءة: 43]. و طبعاً لله عز وجل أن يخاطب من يشاء بما يشاء، ولكنه أراد أن يفهمنا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عظيم القدر لا يخاطب إلا بلغة الاحترام، ولهجة الأدب، و لذا حينما عاتبه في الأعمى لم يواجهه بالخطاب مواجهة إجلالاً له من أن يواجه بالعتاب، فتحدث معه و هو يخاطبه بضمير الغيبة، و كأنه يتحدث عن شخص آخر غير رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم فقال له: ( عبس و تولى أن جاءه الأعمى ) [ عبس 1-2]. و الأمثلة على ذلك كثيرة، إلا أن قصر البحث لا يساعدني على الوقوف عندها كلها، و لكن ما نستخلصه مما وقفنا عنده من تعليم الأدب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القرآن الكريم هو أن الله يريد منا أن نتأدب معه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه يريد منا أن نعظمه و نوقره و أن ننزله في المكانة العظمى التي أنزله الله فيها. الجانب السادس من جوانب تعظيمه في القرآن الكريم ما نجده من حرص المولى على رضاه: و الآية في سورة الضحى صريحة في هذا، فلقد أكد له ربه وعده له بالعطاء الذي يحقق له الرضا، فقال له: ( و لسوف يعطيك ربك فترضى )[الضحى 5]. و هذا يدل على عظيم مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند ربه، فلولا أن الله حريص على رضاه لما وعده بالعطاء الذي يرضيه، و لعل ذلك الحرص يتضح لنا أيضاً عند قوله تعالى: ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها )[ البقرة 144]. فهو هنا ينص على أن توجه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و الأمة إلى الكعبة إنما هو لإرضاء خاطر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هذا أمر يستحق التفكير فيه و الوقوف عنده، فليس هيناً أن نجد تشريعاً لأمر جلل كالتوجه إلى القبلة في الصلاة يكون كما يرضى سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و نجد أيضاً في القرآن إشارات إلى حرص المولى على رضا نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن ذلك لغة العتاب في قوله تعالى: ( عفا الله عنك لما أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ) [براءة: 43]. و قوله أيضاً: ( عبس و تولى أن جاءه الأعمى ) [ عبس 1-2]. فهي لغة الحبيب لحبيبه يعاتبه في لغة رقيقة حرصاً منه على رضاه، فليتنا نتعلم من القرآن الكريم الحرص على رضا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمما لاشك فيه أن الغرض من بيان القرآن لأهمية رضا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند الله إنما هو حث المسلمين على كسب رضاه، و تقديره و تبجيله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الجانب السابع من جوانب تعظيمه صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم يتجلى لنا في غيرته تعالى على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودفاعه عنه، و الشواهد على ذلك كثيرة، فمن ذلك ما نراه في سورة الضحى من رد المولى سبحانه وتعالى على من قال: إن محمداً قد قلاه ربه، فأجابهم المولى بقوله: ( والضحى. و الليل إذا سجى. ما ودعك ربك و ما قلى )[ الضحى 1 -2 – 3]. و نلاحظ هنا أن الخطاب يتوجه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تطميناً له و تسكيناً لقلبه الشريف و تثبيتاً لما يعلمه من مكانته عند ربه، و لا شك أن في ذلك تنويهاً بقدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله لا يدافع إلا عمن علا قدره و ارتفع شأنه. و من الآيات التي دافع فيها المولى عن حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم و رد فيها على أعدائه ما نقرأه في كتاب الله من رد عنيف على من رموا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنون فرد عليهم قولهم و دحضه وذب عن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم وطيب خاطره بقوله: ( ن و القلم و ما يسطرون. ما أنت بنعمة ربك بمجنون )[ القلم 1 -2]. و قوله أيضاً: ( فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولامجنون ) [ الطور 29]. و رد على المفترين أيضاً بقوله: ( وما صاحبكم بمجنون )[ التكوير 22]. و قال منكراً عدم تفكرهم حين قالوا ما قالوا؛ ليثبت بذلك أن هذا القول لا يصدر إلا عمن عطل عقله وفكره: ( أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة )[ الأعراف 184]. و تتجلى لنا غيرة المولى على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم و حبه له في بعض الآيات التي نجد فيها إشفاق المولى على حبيبه من أن يناله أدنى مكروه، و لعل ذلك يتجلى لنا بصورة واضحة في قوله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه )[ القيامة 16 -17]. فلقد نهاه عن أن يرهق نفسه و يتعبها بتحريك اللسان بالذكر وترديده خشية أن ينساه، و تعهد له بأن يجمعه له في صدره بدون عناء منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و هذا منتهى الإشفاق و الحب. و نهاه عن الحزن بسبب ما يسمعه من الكفرة إشفاقاً من المولى على قلب حبيبه الشريف من أن يدخل فيه الحزن، فقال له: ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر )[ المائدة 41]. لا بل نجد ما هو أعظم و أدل على ما حظي به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حب مولاه، و ذلك حين نجد المولى يهون عليه ويخفف عنه، فيذكر له علمه بحزن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تكذيب قومه له، و يبين له أنه لا ينبغي أن يحزن؛ فتكذيبهم ليس له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إنما هو جحود منهم وكفر بآيات المولى، فيقول له: ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك و لكن الظالمين بآيات الله يجحدون) [الأنعام33]. حقاً إن هذه الآية لتدل بشكل لا لبس فيه على مدى حب المولى و غيرته على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو يرد التكذيب إلى آياته سبحانه و تعالى حتى يبعد عن حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم الحزن من تكذيبهم له. و حين رأى المولى تفاني حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تبليغ الدعوة و حزنه الشديد على عدم هداية من ضل عن السبيل أقبل على حبيبه يخاطبه بلغة الإشفاق عليه من أن يصيبه أذى أو مكروه لكونهم لم يؤمنوا، فيقول له:( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً )[ الكهف 6]. وفي موطن آخر نجده ينهاه عن أن يهلك نفسه من أجلهم، حرصاً من المولى على حياة حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وراحته، فيقول له: ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون )[ فاطر 8]. و من هذا القبيل قوله له: ( طه. ماأنزلنا عليك القرآن لتشقى )[ طه 1 -2]. فهو يحثه على أن يسعد بنزول القرآن عليه، و بنفس الوقت يبين أن سبب نزول القرآن هو إسعاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. و تتجلى لنا أيضاً غيرة المولى على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: ( إلا تنصروه فقد نصره الله) [براءة: 40]. فهو يخاطب كل من قعد عن نصرة حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائلاً: إن تقاعدتم عن نصرته و مؤازرته فإنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم غني عن نصرتكم بنصر الله الذي قد تحقق و وقع كما يدل على ذلك التحقيق بـ" قد " و التعبير عن النصر بالفعل الماضي الذي يدل على أن النصر الحقيقي قد وقع وتم من الله، و من تحقق له نصر الله فهو غني به عن نصرة من سواه. و من الشواهد القرآنية على غيرة الله على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم و الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم )[ التوبة 61]. فهناك طائفة من المنافقين قالوا عن رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم: هو أذن، يسمع كل يقال له فيصدقه بدون أن يتمعن في أمارات الصدق أو الكذب في الحديث، فلم يدع ربنا هذا القول بدون أن يرد عليه غيرة منه على حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرد عليهم بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أذن خير، فأضاف "أذن" إلى "خير" كما يقال رجلُ صدقٍ فهو أبلغ من أن يقال رجلٌ صادقٌ؛ لأنه من قبيل ادعاء أنه رجل ينسب إلى الصدق لكثرته منه، فإضافة " أذن " إلى "خير" يدل على بلوغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلى درجات الخيرية، يقول أبو السعود: (من قبـيل رجلُ صدقٍ في الدلالة على المبالغة في الجودة والصلاح، كأنه قيل: نعم هو أذنٌ ولكن نِعمَ الأذُنُ) .(10) ثم جاء تفسير " أذن خير " بأنه يؤمن، فهو رد على المنافقين في لمزهم الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و دفاع عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و بيان لخيرية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و نفعه للمؤمنين، فهو ليس مجرد رحيم، إنما هو الرحمة كلها للمؤمنين، ثم لم يكتف ربنا بذلك بل توعد الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعذاب الأليم، وهذا يستوجب منا -نحن المسلمين- أن نتجنب أي أمر فيه إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سواء أكان هذا الأذى في نفسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أم في قرابته و زوجاته وأهل بيته أم في صحابته الذين أحبهم وأحبوه. و مما لاشك فيه أن الغرض مما ذكره الله في كتابه من دفاع عن حبيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو غيرة عليه أو إشفاق عليه هو بيان مكانة هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند الله؛ لتكون معرفتنا لتلك المكانة دافعاً يدفعنا إلى تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و تقديره و احترامه؛ لأن الواجب على من آمن بالله أن يعظم من عظمه الله و أن يقدر من قدره الله. و في الختام أقول: أرجو أن أكون قد وفقت في هذا البحث المتواضع لبيان موجز عن مكانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند الله سبحانه و تعالى كما جاء في القرآن الكريم؛ ليكون ذلك دافعاً لنا إلى إدراك عظمة هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و لكي نعلم أننا مهما عظمناه فلن نستطيع أن نعظمه كما عظمه مولاه في كتابه العزيز حين أنزل في أعظم ذكر و أشرف كتاب آيات تبين سمو قدر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم و توضح عظمته و علو مكانته، حتى لا يتطرق إلى أذهاننا و لو من بعيد أن رسول الله ما هو إلا بشر أدى رسالة و حسب، كلا والله هو صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشر، و لكنه ليس كسائر البشر، فهو من جعله ربه سيداً على كل البشر، و هو لم تنته مهمته، و لن تنتهي، و الدليل على أنها لم تنته، و أن مهمته لا تنحصر في السنين التي أدى فيها الرسالة أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو صاحب الموقف المشهود و المقام المحمود و الشفاعة العظمى بعد انقضاء هذه الدنيا، و بعد الانتقال من دار البلاغ و التكليف إلى دار الحساب و الجزاء، وهناك دليل آخر على عدم حصر مهمته في سني تبليغ الدعوة، و هو أن الله بين لنا في كتابه أن مهمة رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسبق زمن بعثته، و ذلك؛ لأن الله جعله شهيداً على الأمم السابقة، فقال تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ) [ النساء 41]. و قال أيضاً : ( ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) [ النحل 89]. فمهمة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليست منحصرة في سني بعثته، بل تمتد في البداية و النهاية، فنسأل الله أن يفهمنا مكانته صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى نقدره حق قدره. آمين و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين (1) رواه البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي. (2) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم المعروف بتفسير أبي السعود ج 3 ص 163 . (3) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للإمام إبراهيم بن عمر البقاعي ج 3 ص 407. (4) لسان العرب م9 ص 135. (5) التحرير والتنوير ج10 ص 239. (6) تفسير أبي السعود ج2 ص 250. (7) تفسير أبي السعود ج6 ص 433. (8) معجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني ص 373. (9) تفسير أبي السعود ج3 ص 39. (10) تفسير أبي السعود
القرآن الكريم
القرآن الكريم مقروءا
ترتيلات القرآن الكريم
تسجيلات نادرة القرآن الكريم
نور النبي
رسول الله في أعين محبيه
رد الشبهات عن رسول الله
آل بيت رسول الله
صحابة رسول الله
أضف لمعلوماتك الإسلامية
المنتدى الإسلامي
البحث في الملفات
 
البحث في المقالات
 
السيرة النبوية
مقروءة
مسموعة
نور النبي
المكتبة الإسلامية
الكتب والبحوث
التسجيلات الصوتية
التسجيلات المرئية
نور النبي
المرأة والطفل
نصائح ذهبية
إيمانك يا مؤمنة
علمي طفلك الإيمان
نور النبي
Facebook
صفحة موقع نور النبي

صفحة فضيلة الشيخ
أبوهاشم الشريف
نور النبي
انت الزائر رقم 6345607
أخبار الموقع عن الموقع اتصل بنا رد الشبهات عن رسول الله آل بيت رسول الله الرئيسية
Powered By Ray-IT - All Rights Reserved 2006