السيرة النبوية المقروءة
كعب بن زهير وبردته فى مدح خير البشر
كعب بن زهير وبردته فى مدح خير البشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين

صلى الله عليه وآله وسلم

وبعد

فهذه بردة المديح الشريف لكعب بن زهير مع شرح لها .

 

بردة بانت سعاد

[1] بانَتْ سُعـادُ فَقَلْبـي اليَـوْمَ مَتْبـولُ

مُتَيَّـمٌ إثْرَهـا لــم يُـفَـدْ مَكْـبـولُ

[2] وَمَا سُعَادُ غَـداةَ البَيْـن إِذْ رَحَلـوا

إِلاّ أَغَـنُّ غضيـضُ الطَّـرْفِ مَكْحُـولُ

[3] هَيْفـاءُ مُقْبِلَـةً عَجْـزاءُ مُـدْبِـرَةً

لا يُشْتَكـى قِصَـرٌ مِنـهـا ولا طُــولُ

[4] تَجْلُو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَـتْ

كـأنَّـهُ مُنْـهَـلٌ بـالـرَّاحِ مَعْـلُـولُ

[5] شُجَّتْ بِذي شَبَمٍ مِـنْ مـاءِ مَعْنِيـةٍ

صافٍ بأَبْطَـحَ أضْحَـى وهْـوَ مَشْمـولُ

[6] تَنْفِي الرِّياحُ القَـذَى عَنْـهُ وأفْرَطُـهُ

مِـنْ صَـوْبِ سارِيَـةٍ بِيـضٌ يَعالِـيـلُ

[7] أكْرِمْ بِها خُلَّـةً لـوْ أنَّهـا صَدَقَـتْ

مَوْعودَهـا أَو ْلَـوَ أَنَِّ النُّصْـحَ مَقْـبـولُ

[8] لكِنَّها خُلَّةٌ قَـدْ سِيـطَ مِـنْ دَمِهـا

فَجْـعٌ ووَلَـعٌ وإِخْــلافٌ وتَبْـديـلُ

[9] فما تَدومُ عَلَى حـالٍ تكـونُ بِهـا

كَمـا تَلَـوَّنُ فـي أثْوابِـهـا الـغُـولُ

[10] ولا تَمَسَّكُ بالعَهْدِ الذي زَعَمْـتْ

إلاَّ كَمـا يُمْسِـكُ الـمـاءَ الغَرابِـيـلُ

[11] فلا يَغُرَّنْكَ ما مَنَّتْ ومـا وَعَـدَتْ

إنَّ الأمـانِـيَّ والأحْــلامَ تَضْـلـيـلُ

[12] كانَتْ مَواعيدُ عُرْقوبٍ لَهـا مَثَـلا

ومــا مَواعِيـدُهـا إلاَّ الأبـاطـيـلُ

[13] أرْجو وآمُـلُ أنْ تَدْنـو مَوَدَّتُهـا

ومـا إِخـالُ لَدَيْنـا مِـنْـكِ تَنْـويـلُ

[14] أمْسَتْ سُعـادُ بِـأرْضٍ لا يُبَلِّغُهـا

إلاَّ العِـتـاقُ النَّجيـبـاتُ المَراسِـيـلُ

[15] ولَــنْ يُبَلِّغَـهـا إلاَّ غُـذافِـرَةٌ

لهـا عَلَـى الأيْـنِ إرْقــالٌ وتَبْغـيـلُ

[16] مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إذا عَرِقَـتْ

عُرْضَتُهـا طامِـسُ الأعْـلامِ مَجْـهـولُ

[17] تَرْمِي الغُيوبَ بِعَيْنَـيْ مُفْـرَدٍ لَهِـقٍ

إذا تَـوَقَّـدَتِ الـحَــزَّازُ والـمِـيـلُ

[18] ضَخْـمٌ مُقَلَّدُهـا فَعْـمٌ مُقَيَّدُهـا

في خَلْقِها عَـنْ بَنـاتِ الفَحْـلِ تَفْضيـلُ

[19] غَلْبـاءُ وَجْنـاءُ عَلْكـومٌ مُذَكَّـرْةٌ

فـي دَفْهـا سَـعَـةٌ قُدَّامَـهـا مِـيـلُ

[20] وجِلْدُها مِـنْ أُطـومٍ لا يُؤَيِّسُـهُ

طَلْـحٌ بضاحِـيَـةِ المَتْنَـيْـنِ مَـهْـزولُ

[21] حَرْفٌ أخوها أبوهـا مِـن مُهَجَّنَـةٍ

وعَمُّهـا خالُـهـا قَــوْداءُ شْمِلـيـلُ

[22] يَمْشي القُرادُ عَليْهـا ثُـمَّ يُزْلِقُـهُ

مِنْـهـا لِـبـانٌ وأقْــرابٌ زَهالِـيـلُ

[23] عَيْرانَةٌ قُذِفَتْ بالنَّحْضِ عَنْ عُـرُضٍ

مِرْفَقُهـا عَـنْ بَنـاتِ الـزُّورِ مَفْـتـولُ

[24] كأنَّمـا فـاتَ عَيْنَيْهـا ومَذْبَحَهـا

مِـنْ خَطْمِهـا ومِـن الَّلحْيَيْـنِ بِرْطيـلُ

[25] تَمُرُّ مِثْلَ عَسيبِ النَّخْلِ ذا خُصَـلٍ

فـي غـارِزٍ لَـمْ تُخَـوِّنْـهُ الأحالـيـلُ

[26] قَنْواءُ فـي حَرَّتَيْهـا لِلْبَصيـرِ بِهـا

عَتَـقٌ مُبيـنٌ وفـي الخَدَّيْـنِ تَسْهـيـلُ

[27] تُخْدِي عَلَى يَسَراتٍ وهي لاحِقَـةٌ

ذَوابِــلٌ مَسُّـهُـنَّ الأرضَ تَحْـلـيـلُ

[28] سُمْرُ العَجاياتِ يَتْرُكْنَ الحَصَى زِيمـاً

لـم يَقِـهِـنَّ رُؤوسَ الأُكْــمِ تَنْعـيـلُ

[29] كـأنَّ أَوْبَ ذِراعَيْهـا إذا عَرِقَـتْ

وقـد تَلَـفَّـعَ بالـكـورِ العَساقـيـلُ

[30] يَوْماً يَظَلُّ بـه الحِرْبـاءُ مُصْطَخِـداً

كـأنَّ ضاحِيَـهُ بالشَّـمْـسِ مَمْـلـولُ

[31] وقالَ لِلْقوْمِ حادِيهِمْ وقـدْ جَعَلَـتْ

وُرْقَ الجَنادِبِ يَرْكُضْـنَ الحَصَـى قِيلُـوا

[32] شَدَّ النَّهارِ ذِراعـا عَيْطَـلٍ نَصِـفٍ

قامَـتْ فَجاوَبَـهـا نُـكْـدٌ مَثاكِـيـلُ

[33] نَوَّاحَةٌ رِخْوَةُ الضَّبْعَيْنِ لَيْـسَ لَهـا

لَمَّـا نَعَـى بِكْرَهـا النَّاعـونَ مَعْـقـولُ

[34] تَفْرِي الُّلبـانَ بِكَفَّيْهـا ومَدْرَعُهـا

مُشَـقَّـقٌ عَــنْ تَراقيـهـا رَعابـيـلُ

[35] تَسْعَى الوُشـاةُ جَنابَيْهـا وقَوْلُهُـمُ

إنَّـك يـا ابْـنَ أبـي سُلْمَـى لَمَقْتـولُ

[36] وقالَ كُـلُّ خَليـلٍ كُنْـتُ آمُلُـهُ

لا أُلْهِيَنَّـكَ إنِّــي عَـنْـكَ مَشْـغـولُ

[37] فَقُلْتُ خَلُّـوا سَبيلِـي لاَ أبالَكُـمُ

فَكُـلُّ مـا قَـدَّرَ الرَّحْـمـنُ مَفْـعـولُ

[38] كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وإنْ طالَـتْ سَلامَتُـهُ

يَوْمـاً علـى آلَـةٍ حَدْبـاءَ مَحْـمـولُ

[40] أُنْبِئْـتُ أنَّ رَسُـولَ اللهِ أَوْعَدَنـي

والعَفْـوُ عَنْـدَ رَسُــولِ اللهِ مَـأْمُـولُ

[41] وقَدْ أَتَيْـتُ رَسُـولَ اللهِ مُعْتَـذِراً

والعُـذْرُ عِنْـدَ رَسُــولِ اللهِ مَقْـبـولُ

[42] مَهْلاً هَداكَ الـذي أَعْطـاكَ نافِلَـةَ

الْقُـرْآنِ فيهـا مَواعـيـظٌ وتَفُصـيـلُ

[43] لا تَأْخُذَنِّي بِأَقْـوالِ الوُشـاةِ ولَـمْ

أُذْنِـبْ وقَـدْ كَثُـرَتْ فِـيَّ الأقـاويـلُ

[44] لَقَدْ أقْومُ مَقامـاً لـو يَقـومُ بِـه

أرَى وأَسْمَـعُ مـا لـم يَسْمَـعِ الفـيـلُ

[45] لَظَـلَّ يِرْعُـدُ إلاَّ أنْ يكـونَ لَـهُ

مِـنَ الَّـرسُـولِ بِــإِذْنِ اللهِ تَنْـويـلُ

[46] حَتَّى وَضَعْـتُ يَمينـي لا أُنازِعُـهُ

فـي كَـفِّ ذِي نَغَمـاتٍ قِيلُـهُ القِـيـلُ

[47] لَذاكَ أَهْيَـبُ عِنْـدي إذْ أُكَلِّمُـهُ

وقيـلَ إنَّـكَ مَنْـسـوبٌ ومَسْـئُـولُ

[48] مِنْ خادِرٍ مِنْ لُيوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُـهُ

مِـنْ بَطْـنِ عَثَّـرَ غِيـلٌ دونَـهُ غـيـلُ

[49] يَغْدو فَيُلْحِمُ ضِرْغامَيْـنِ عَيْشُهُمـا

لَحْـمٌ مَـنَ القَـوْمِ مَعْفـورٌ خَـراديـلُ

[50] إِذا يُسـاوِرُ قِرْنـاً لا يَحِـلُّ لَـهُ

أنْ يَتْـرُكَ القِـرْنَ إلاَّ وهَــوَ مَغْـلُـولُ

[51] مِنْهُ تَظَـلُّ سَبـاعُ الجَـوِّ ضامِـزَةً

ولا تَمَـشَّـى بَـوادِيـهِ الأراجِـيــلُ

[52] ولا يَـزالُ بِواديـهِ أخُـو ثِـقَـةٍ

مُطَـرَّحَ البَـزِّ والـدَّرْسـانِ مَـأْكـولُ

[53] إنَّ الرَّسُولَ لَسَيْفٌ يُسْتَضـاءُ بِـهِ

مُهَنَّـدٌ مِــنْ سُـيـوفِ اللهِ مَسْـلُـولُ

[54] في فِتْيَةٍ مِنْ قُريْـشٍ قـالَ قائِلُهُـمْ

بِبَطْـنِ مَكَّـةَ لَمَّـا أسْلَـمُـوا زُولُــوا

[55] زالُوا فمَا زالَ أَنْكاسٌ ولا كُشُـفٌ

عِنْـدَ الِّلـقـاءِ ولا مِـيـلٌ مَعـازيـلُ

[56] شُـمُّ العَرانِيـنِ أبْطـالٌ لُبوسُهُـمْ

مِـنْ نَسْـجِ دَاوُدَ فـي الهَيْجَـا سَرابيـلُ

[57] بِيضٌ سَوَابِغُ قد شُكَّتْ لَهَـا حَلَـقٌ

كأنَّهـا حَـلَـقُ القَفْـعـاءِ مَـجْـدولُ

[58] يَمْشونَ مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ

ضَـرْبٌ إذا عَـرَّدَ الـسُّـودُ التَّنابِـيـلُ

[59] لا يَفْرَحـونَ إذا نَالـتْ رِماحُهُـمُ

قَوْمـاً ولَيْسـوا مَجازِيـعـاً إذا نِيـلُـوا

[60] لا يَقَعُ الطَّعْـنُ إلاَّ فـي نُحورِهِـمُ

وما لَهُـمْ عَـنْ حِيـاضِ المـوتِ تَهْليـلُ

 

مَجْلِسُ مدح

الصحابي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

للإمام الصحابي الجليل أبي المظفر

كعب بن زهير

رضي الله عنه (ت 26 هـ 646 م)

ألقاها أمام الرسول والمهاجرين والأنصار بمسجد الرسول بعد الفجر فألقى الرسول عليه بردته فرحا لما وصل لبيت

إنَّ الـرَّسُولَ لَنورٌ يُـسْتَضاءُ بِهِ

مُـهَنَّدٌ مِـنْ سُـيوفِ اللهِ مَـسْلُولُ

ألقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه بردته الشريفة

الفصل الأول الأبيات التي مدح بها الرسول وصحابته الكرام

أُنْـبِـئْتُ أنَّ رَسُـولَ اللهِ أَوْعَـدَنى

والـعَفْوُ عَـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَأْمُولُ

فقَـدْ أَتَـيْتُ رَسُـولَ اللهِ مُـعْتَذِراً

والـعُذْرُ عِـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَقْبولُ

مَـهْلاً هَـداكَ الـذى أَعْطاكَ نافِلَةَ

الْـقُرْآنِ فـيه مَـواعيظٌ وتَـفُصيلُ

لا تَـأْخُذَنِّي بِـأَقْوالِ الـوُشاةِ ولَـمْ

أُذْنِـبْ وقَـدْ كَـثُرَتْ فِـيَّ الأقاويلُ

لَـقَدْ أقْـومُ مَـقاماً لـو يَـقومُ بِـه

أرَى وأَسْـمَعُ مـا لـم يَسْمَعِ الفيلُ

لَـظَلَّ يِـرْعُدُ إلاَّ أنْ يـكونَ لَهُ

مِنَ الَّـرسُـولِ بِإِذْنِ اللهِ تَـنْـويلُ

حَـتَّى وَضَـعْتُ يَـمينى لا أُنازِعُهُ

فـى كَـفِّ ذِي نَـقَماتٍ قِيلُهُ القِيلُ

لَــذاكَ أَهْـيَبُ عِـنْدى إذْ أُكَـلِّمُهُ

وقـيـلَ إنَّـكَ مَـنْسوبٌ ومَـسْئُولُ

مِـنْ خـادِرٍ مِنْ لُيوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ

مِـنْ بَـطْنِ عَـثَّرَ غِيلٌ دونَهُ غيلُ

يَـغْذوا فَـيَلْحِمُ ضِـرْغامَيْنِ عَيْشُهُما

لَـحْمٌ مَـنَ الـقَوْمِ مَـعْفورٌ خَراديلُ

إِذا يُـسـاوِرُ قِـرْناً لا يَـحِلُّ لَـهُ

أنْ يَـتْرُكَ الـقِرْنَ إلاَّ وهَوَ مَغْلُولُ

مِـنْهُ تَـظَلُّ سَـباعُ الـجَوِّ ضامِزَةً

ولا تَـمَـشَّى بَـوادِيـهِ الأراجِـيلُ

ولا يَــزالُ بِـواديـهِ أخُـو ثِـقَةٍ

مُـطَرَّحَ الـبَزِّ والـدَّرْسانِ مَأْكولُ

إنَّ الـرَّسُولَ لَنورٌ يُـسْتَضاءُ بِهِ

مُـهَنَّدٌ مِـنْ سُـيوفِ اللهِ مَـسْلُولُ

فـي فِـتْيَةٍ مِـنْ قُـريْشٍ قالَ قائِلُهُمْ

بِـبَطْنِ مَـكَّةَ لَـمَّا أسْـلَمُوا زُولُوا

زالُـوا فـمَا زالَ أَنْكاسٌ ولا كُشُفٌ

عِـنْـدَ الِّـلقا ولا مِـيلٌ مَـعازيلُ

شُــمُّ الـعَرانِينِ أبْـطالٌ لُـبوسُهُمْ

مِـنْ نَـسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرابيلُ

بِـيضٌ سَـوَابِغُ قـد شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ

كـأنَّـها حَـلَقُ الـقَفْعاءِ مَـجْدولُ

لا يَـفْـرَحونَ إذا نَـالتْ رِمـاحُهُمُ

قَـوْماً ولَـيْسوا مَـجازِيعاً إذا نِيلُوا

يَمْشونَ مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ

ضَـرْبٌ إذا عَـرَّدَ الـسُّودُ التَّنابِيلُ

لا يَـقَعُ الـطَّعْنُ إلاَّ فـى نُحورِهِمُ

ومـا لَهُمْ عَنْ حِياضِ الموتِ تَهْليل

من سره كرم الحياة فلا يزل في مقنب من صالحي الأنصار

الباذلين نفوسهم لنبيهم يوم الهياج وفتنة الكفار

قضاءهم الناس عن أحياضهم بالمشرفي وبالقنا الخطار

والناظرين بأعين محمرة كالجمر غير كليلة الأبصار

يتطهرون كأنه نسك لهم بدماء من قتلوا من الكفار

لو يعلم الأقوام علمي كله فيهم لصدقني الذين أماري

الفصل الثاني

شرح الأبيات التي مدح بها الرسول ذي الخلق العظيم وصحابته عليهم الرضوان

أُنْـبِـئْتُ أنَّ رَسُـولَ اللهِ أَوْعَـدَني

والـعَفْوُ عَـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَأْمُولُ

أعاد كعب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشطرين إظهارا للتعظيم وإشعارا بالتفخيم ولذا أتى بقوله "العفو عند رسول الله" بدلا من "العفو من رسول الله" لأن "عند" أدل على التعظيم ولتقوية الرجاء عند الكريم إذ قد تواترت الأخبار أن الصفح والكرم من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ففى ذكر صريح اسمه من التفخيم ما ليس فى الإشارة له بالضمير فلم يقل "أتيته معتذرا" أو "عنده مقبول" فضلا عن أن التكرار مرتين بالاعتراف بالرسالة فى "رسول الله" يقتضى العفو ويستجلب الرضا واعلم أن جميع الأبيات توطئة لهذا البيت فهو غرضه من القصيدة وما فيها من الإتحاف هو التنصل من ماضيه والاستعطاف وحصيلة البيت استرضاء رسول الله واستجلاب أخلاقه الكريمة حصولا للرحمة والعناية ودفع سخطه وغضبه وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا البيت قال: "العفو عند الله" ذكره ابن جماعة

وقَـدْ أَتَـيْتُ رَسُـولَ اللهِ مُـعْتَذِراً

والـعُذْرُ عِـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَقْبولُ

عطف على البيت السابق أي أنبئت بالوعد فأتيت معتذرا ، وهذا البيت غير موجود فى أكثر النسخ فليعلم.

مَـهْلاً هَـداكَ الـذي أَعْطاكَ نافِلَةَ الْـ

ـقُرْآنِ فـيه مَـواعيظٌ وتَـفُصيلُ

هذا البيت وما بعده تتميم للاستعطاف ، والاستعطاف من أمور:

أحدها: ما اشتمل عليه من طلب الرفق والأناة فى أمره بقوله "مهلا" وفيه إشارة إلى قدرته عليه السلام وتمكنه منه وأن ليس له من النبي صلى الله عليه وسلم مهرب ولا مخلص وهذا خطاب للنبي فالتفت فيه من الغيبة فى قوله فى البيت الذي قبله "أنبئت أن رسول الله أوعدني" إلى الخطاب بقوله "مهلا"

ثانيها:

الدعاء فى "هداك" أي غفر الله لك وصلى الله عليك وهو أبلغ من صيغة الطلب

ثالثها:

التذكير بنعمة الله عليه ليكون ذلك أدعى إلى العفو شكرا للنعمة و"هداك" أي زادك هدى وطلب هدى متجدد ويتضمن هداك الله للصفح والعفو عما أوعدتنى به فيكون فى الحقيقة داعيا لنفسه لما فيه من التذلل والمسكنة والتلطف فى الدعاء والمسألة

أما قوله "نافلة القرآن" فإشارة إلى نافلة أخلاق القرآن وأن الله أنعم على رسوله صلى الله عليه وسلم بعلوم عظيمة علمه إياها وجعل الكتاب زيادة (أى نافلة) له على تلك العلوم حيث إن الوحي 3 أنواع القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي ومنه ما لا نعلمه "فأوحى إلى عبده ما أوحى" وكان خلقه القرآن صلى الله عليه وسلم كما تفوهت أم المؤمنين والمؤمنات السيدة عائشة بنت الصديق رضى الله عنهما.

رابعا:

الإقرار بالتنزيل وهو من تمام الإسلام الذي يحقن الدم ويصون عن القتل

خامسا:

الإشارة إلى ما جاء بالتنزيل من قوله تعالى "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" ونافلة القرآن فيها مواعيظ (وفى رواية مواعيد) أي تبيين لما يحتاج إليه من أمر المعاش وأحكام الأصول والفروع للعباد.

لا تَـأْخُذَنِّي بِـأَقْوالِ الـوُشاةِ ولَـمْ

أُذْنِـبْ وقَـدْ كَـثُرَتْ فِـيَّ الأقاويلُ

وهذا البيت يبين البيت قبله وسبب طلبه "مهلا" و"لا" ليست للنهي بل هي سؤال تضرع ومسكنة واستذلال واستعطاف لرفعة وعلو المخاطب صلى الله عليه وسلم.

والواشي هو الذي يسعي بين المحب ومحبوبه بالإفساد، أي لا تأحذني بأقوالهم عنى أنى مذنب على كل حال وإن كنت على هذه الحالة، والمعنى : لا تبح دمي ولا تعاقبنى فى جرمي بسبب أقوال الوشاة الكاذبين والحال أني غير مذنب بعد أن هدانى الله بك فإن الإيمان بك يجب ما قبله وأيضا لم أذنب الذنب الذي قيل عني كله وإن كثرت فيَّ الأكاذيب من الأقاويل بل وقع مني ما يسعه حلمك وعفوك وكرمك إشارة ضمنية إلى رئيس الوشاة الشيطان الرجيم فقد أنساه وصية والده زهير بالإيمان بالنبي – صلى الله عليه وسلم – حبا فى النبي بالغيب وخدعته إشاعات قريش السلبية الكاذبة ضد الصادق الأمين المتحنث الجميل فكانت سرابا لما قربت ساعة الهداية والفوز وتلألأت معاني القرآن ونبل وشيم وشمائل النبوة فى ثنايا قصيدته المبجلة التي حازت قصب السبق ورضى النبي وفرحه بها وإشارته له بعد ذلك "لو ذكرت الأنصار بخير فإن الأنصار لذلك أهل" بأن يزيد بالتصريح فى مدح الأنصار بعد ما مدحهم تضمينا بمدح النبي والمهاجرين وهم مستضيفوهم ومشاركوهم فى الأموال والأولاد - رضى الله عنه وعن جميع الصحابة والقرابة وألحقنا به وبهم فى محفل شفاعة النبي له ولهم على الحوض -

لَـقَدْ أقْـومُ مَـقاماً لـو يَـقومُ بِـه

أرَى وأَسْـمَعُ مـا لـم يَسْمَعِ الفيلُ

لَـظَلَّ يِـرْعُدُ إلاَّ أنْ يـكونَ لَهُ

مِنَ الَّرسُـولِ بِإِذْنِ اللهِ تَـنْـويلُ

هذان البيتان مرتبط أحدهما بالآخر أي لقد قمت وحضرت مقاما ومجلسا ما لو يقوم الفيل وسمعت ورأيت ما لو رأى وسمع الفيل لظل أي صار واستمر يرعد من الخوف فما بالك بي! لولا التنويل أي النوال وهو الأمان من الرسول بإذن الله فيالها من نعمة عظيمة ، أي أني حضرت مجلسا هائلا ورأيت فيه أمرا عظيما وسمعت فيه كلاما عجيبا بحيث لو حضر فيه الفيل – الذي هو أعظم الحيوانات جثة وقوة جأش وتحمل وصبر - ورأى ما رأيت وسمع ما سمعت لأصابته الرعدة واستمر يرعد من ارتعاد فرائصه وتزعزع قوته إلا أن تحفه العناية بتأمين الرسول له تأمينا يسكن به روعه ويثبت به نفسه ذلك لما يدركه من هيبة النبي صلى الله عليه وسلم وقد جعل كعب الهيبة التي أشار إليها ناشئة عن ثلاثة أشياء:

الأول:

هيبة المقام وخفر المجلس، وذلك أن مجلسه صلى الله عليه وسلم كان فى غاية الخفر والاحترام وعظيم الهيبة والجلال وقد وصف الخليفة علي كرم الله وجهه مجلسه فقال إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير وإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عند حديثه من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثه ، ولا شك أن ذلك من هيبته صلى الله عليه وسلم عندهم واحترامه لديهم فلم يزل صلى الله عليه وسلم عظيم الهيبة عندهم رفيع القدر فلم يزل لا يزيدهم تلطفه بهم وتأنيسه لهم إلا هيبة.

الثاني:

هيبة الرؤية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مهيبا فى نفسه محفوفا بالجلال والخفر يهابه كل من يراه ويجله كل من لاقاه وقد جاء فى وصفه صلى الله عليه وسلم من رآه بديهة هابه ومن عاشره أحبه ، وفى صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص رضى الله عنه : " وما كنت أطيق أملأ عينى منه إجلالا له ولو قيل لى صفه لما استطعت لأني لم أكن أملأ عيني منه.

الثالث:

هيبة السماع، وكان يشير إلى سماع القرآن والوحي فإن له روعة وعليه طلاوة تلحق قلوب سامعيه وهيبة تعتريهم عند تلاوته لقوة جلالته وأناقة خطره قال تعالى: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله" وقال تعالى: "تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله" وربما اعترف لهذه الهيبة والرعدة ما لا يفهم معانيه كالفيل.

حَـتَّى وَضَـعْتُ يَـميني لا أُنازِعُهُ

فـي كَـفِّ ذِي نِـقَماتٍ قِيلُهُ القِيلُ

وكعب كان أخوف عند وضع يمينه فى كف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بدليل وصفه بذي نقمات - أي ينتقم من الكفار- أي وضعت يمينى وضع طاعة وتسليم وانقياد لأمره خوفا من سطوته وشدة بأسه - بالكافرين المعاندين - أي أذعنت له حال كوني طائعا له وراضيا بحكمه فلا أخالفه فى أي شيء و معنى قِيلُهُ القِيلُ أي القول المعتد به لكونه نافذا ماضيا ، وكعب يشير بذلك إلى حاله مع النبي – صلى الله عليه وسلم – حين قدم عليه وهو في المسجد بين حلقات أصحابه كما ذكر ابن الأثير فى أسد الغابة ".. وأقبل حتى أناخ راحلته بباب المسجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه مكان المائدة من القوم حلقة دون حلقة يقبل إلى هؤلاء مرة فيحدثهم والى هؤلاء مرة فيحدثهم .." ووضع يده فى يده وقال : يا رسول الله إن كعب بن زهير جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به ؟ قال : نعم ، فقال: يا رسول الله أنا كعب ...

فقد أشار كعب فى هذا البيت إلى أربعة مقاصد:

الأول:

وضع يمينه فى كف النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى الاعتناء بشأن التيمن

الثاني:

عدم المنازعة للنبي صلى الله عليه وسلم والدخول تحت أمره والانقياد لطاعته وهو من الأمور والواجبات اللازمة حتى أن الله قرن طاعته بطاعته فى كثير من الآيات.

– فيا له من درس يناسب القائمين على الإعلام من صحافة ومجلات وإذاعة وتلفاز وقنوات فضائية فيتوبوا لله فى الدنيا حتى يكونوا من الفائزين فى الآخرة -

الثالث:

وصف كعب للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه ذو نقمات والمراد به شدة السطوة وقوة البأس للكفر والكفار والباطل والمبطلين والإغلاظ عليهم فى القول وعدم الضراعة لهم ائتمارا بأمره تعالى حيث قال : "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" وقد وصفه كعب بذلك أيضا استدرارا للرحمة والجود والرأفة حيث جاء مؤمنا وقد وصفه الله تعالى بالرأفة للمؤمنين والرحمة بهم فقال عز من قائل: "بالمؤمنين رؤوف رحيم" وفى حديث السيدة عائشة رضى الله عنها "وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد فى سبيل الله "

الرابع:

وصفه صلى الله عليه وسلم بأن قوله القيل يعني أمرين

أولهما :أنه إذا قال قولا من وعد أو وعيد لابد أن يقع وكان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ، وثانيهما: أنه إذا سطى لا يثبت لسطوته شيء فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا غضب ولا يغضب إلا لله لم يقم لغضبه شيء والله أعلم.

لَــذاكَ أَهْـيَبُ عِـنْدي إذْ أُكَـلِّمُهُ

وقـيـلَ إنَّـكَ مَـنْسوبٌ ومَـسْؤولُ

مِـنْ خـادِرٍ مِنْ لُيوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ

مِـنْ بَـطْنِ عَـثَّرَ غِيلٌ دونَهُ غيلُ

ومعنى البيتين أنه كلم النبي صلى الله عليه وسلم فى مقامه بين يديه وقد أخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم معه فى نسبه ومن أي قبيلة – حيث استجار كعب بقبيلة مزينة فأبت - فاشتدت هيبته عليه فى خطابه وعظم فى نفسه وقع كلامه حتى وهنت قواه ودخله الروع واشتدت به الرهبة أكثر مما تداخله الهيبة من الأسد وقد اشتمل البيان على ثلاثة مقاصد:

الأول:

هيبته واستحياؤه من النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ما أوشي فى حقه للنبي خوفا أن يطالبه بالخروج منه والرجوع عنه، وخص بالأسد إشارة لأنه أعظم الحيوانات هيبة وهو ملك الغابة حتى يقال إن الإنسان بمجرد رؤية الأسد لا يستطيع الفرار منه وورث الإمام البوصيري الصحابي الجليل كعب فى استخدامات الأسد والليث فى مدح حضرة النبي حيث قال البوصيري:

ومن تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأسد فى آجامها تجم

وقال أيضا:

أحل أمته فى فى حرز ملته كالليث حل مع الأشبال فى أجم

وكما أن للأسد ألف اسم منها ما يتبع حالته وكذا مسكن الأسد له أسماء كثيرة منها خدر من دخول الأسد بها وغيل حيث يدخل بها ما اغتاله واصطاده أو آجام متداخلة وأجمة من تكاثف الشجر وزارة من الزئير و أيضا عرين وعريس وعريسة حيث يعرس وتربى به الأشبال فكل من وصف حالات الأسد أو حالات السكن

والأسد كلما كان مختفيا عن العيون كان أشد هيبة وضراوة وتعظم جرأته وإقدامه، والليث اسم للأسد بقيد الجلادة.

يَـغْذوا فَـيُلْحِمُ ضِـرْغامَيْنِ عَيْشُهُما

لَـحْمٌ مَـنَ الـقَوْمِ مَـعْفورٌ خَراديلُ

يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت يمينى فى كفه أهيب عندي من أسد خادر ناشئ من بطن عثر مسكنه أجمة بقربها أجمة أخرى حريص على الاصطياد شديد الافتراس لكونه ذا شبلين عيشهما لحم الرجال ممرغ فى التراب مقطوع قطعا قطعا حيث إطعام الاثنين يقتضي زيادة شجاعة على إطعام الواحد بكثرة الاصطياد وكثرة الشفقة على أشباله الواجب عليه إطعامهم وذكر لحم الرجال لأن الآدمي أشد جرأة وتفننا فى الدفاع عن نفسه من غيره من سائر الحيوانات مع ما خص به من العقل الذي يحصل به التخيل والتخلص والهرب وخص لحم الرجال أي القوم مبالغة فى الشدة والقوة وكون اللحم قطعا قطعا يلقى على التراب لكثرته وعدم الاكتراث به للشبع وعيافة اللحم مع حنوه على أولاده ليسهل عليهم الأكل.

إِذا يُـسـاوِرُ قِـرْناً لا يَـحِلُّ لَـهُ

أنْ يَـتْرُكَ الـقِرْنَ إلاَّ وهَوَ مَغْلُولُ

إن هذا الأسد إذا التقى مع مقاوم له فى الشجاعة لا يستجيز فى طريق الشجاعة أن يعرض عنه حتى يكسره ويهزمه أو يدعه طريحا ملقى (على رواية مجدول مكان مغلول) وإذا كان بهذه الصفة كان جديرا بأن يهاب لشجاعته من وجهين : الأول: أنه لا يساور ضعيفا ولا جبانا إنما يساور مقاومه فى الشجاعة ومساويه فى القوة وهذه طريقة الشجعان فى الحرب حتى إن أحدهم إذا برز له من هو دونه فى الشجاعة لا يبرز له ولا يقابله ، والوجه الثاني : أنه يربأ بنفسه عن أن يعرض عنه أو يولي حتى يقهره ويغلبه وهذه أتم حالات الشجعان وكذلك كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز له أن يولى عن العدو ولو كانوا ألوفا ولم يعرف له صلى الله عليه وسلم أنه أدبر يوما فى الحرب ولا ولى وإذا اشتدت الوطيس احتموا برسول الله صلى الله عليه وسلم

مِـنْهُ تَـظَلُّ سَـباعُ الـجَوِّ ضامِزَةً

ولا تَـمَـشَّى بَـوادِيـهِ الأراجِـيلُ

ويصف كمال مهابة ذلك الخادر بحيث إن سباع الوادي تظل جياعا لعدم اقتدارها على الاصطياد خوفا منه ولا تمشي فى أي وادي لذلك الخادر أي أن هذا الأسد لشجاعته لا تزال سباع البر ساكتة من هيبته والرجال لا تمشي بواديه خوفا منه وحذرا وهذا أعلى ما يكون من الهيبة والشجاعة وهو أن يهابه جنس السباع وغير جنسه من بنى آدم فلا يستطيع أحد أن يمر بواديه الذي يقيم به.

ولا يَــزالُ بِـواديـهِ أخُـو ثِـقَةٍ

مُـطَرَّحَ الـبَزِّ والـدَّرْسانِ مَأْكولُ

ويصف ذلك الخادر بأنه لا يأتي عليه زمان إلا ويوجد فى واديه شجاع ذو ثقة بشجاعة نفسه مطروح سلاحه يكون ذلك الخادر قد أكل ذلك الشجاع فانطرح سلاحه وتمزقت ثيابه، وذلك يستلزم كون ذلك الخادر أشد مهابة وأكثر مخافة ، فالمراد أن هذا الخادر الذي شبه به النبي صلى الله عليه وسلم لم يمر بواديه شجاع إلا أكله وطرح سلاحه ومزق ثيابه لكونه لا يولع إلا بالشجعان ولا يلتفت إلى غيرهم.

إنَّ الـرَّسُولَ لَنورٌ يُـسْتَضاءُ بِهِ

مُـهَنَّدٌ مِـنْ سُـيوفِ اللهِ مَـسْلُولُ

روايتان : (بالنور) و(بالسيف) على ما حكاه شيخ الإسلام سليمان الجمل و(النور) أكثره رواية عن الحفاظ

ولفظ (النور) أورده البيهقى فى دلائل النبوة والحاكم فى المستدرك وابن حجر فى الإصابة والطبراني فى المعجم الكبير.

وكذا عند الحاكم فى المستدرك "وصارم من سيوف الله مسلول"

لما فرغ من وصف الأسد الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد هيبة من هيبته رجع إلى تمام مدحه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الرسول لسيف قاطع فى دفع الباطل ودمغه ، وقوله : يستضاء به أي يهتدى به إلى الحق من حيث أنه يخيف الكفار فيدخلون فى الإسلام وفى نسخة "لنور يستضاء به" وهي واضحة ومهند منسوب إلى الهند لأن سيوف الهند أفضل السيوف وأحسنها وقوله من سيوف الله معناه أنه عليه الصلاة والسلام كسيف قاطع للخصام من سيوف عظمها الله بنيل الظفر، وروي أن كعبا رضى الله عنه أنشده أولا من سيوف الهند فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سيوف الله" ، وعليه أنه صلى الله عليه وسلم فى الاقتداء به إلى الحق كالسيف المهند المسلول وذلك أنه من عادة العرب أنهم إن أرادوا استدعاء من حولهم من القوم فى ليل أشهروا السيف الصقيل فبرق فظهر لمعانه من بعد فيأتون إليه مهتدين بنوره ومؤتمين بهديه والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاء بالنور المبين والمعجزات الظاهرة ودعى الناس إليه أتوا مهتدين بنوره الساطع ومؤتمين بضيائه اللامع وقد ورد من هذا المعنى فى القرآن "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا" فشبهه بالسراج المنير عندما وصفه بكونه داعيا إلى الله بإذنه.

وروي أن كعبا لما وصل إلى قوله إن الرسول لنور يستضاء به رمى صلى الله عليه وسلم إليه بردة كانت عليه .. ذكره ابن جماعة

وذكر السهيلى وأبو بكر الأنباري وحين أنشد كعب أن الرسول لنور يستضاء به ... إلى قوله زولوا نظر عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه الكرام كالمعجب لهم من حسن مقولته وجودة شعره وكماله فى حاله وقال لهم : "اسمعوا" أخرجه الحاكم والبيهقي وابن عبد البر ، ويؤخذ من هذا الأمر الإجماع على استحباب الإجتماع لسماع هذه القصيدة لما اشتملت عليه من نعوت الحضرة المصطفوية وأوصاف أصحابه المرضية وغيرها من الفضائل البهية والشمائل السنية ومعرفة القواعد العربية والفوائد الأدبية إلى غير ذلك.

فـي فِـتْيَةٍ مِـنْ قُـريْشٍ قالَ قائِلُهُمْ

بِـبَطْنِ مَـكَّةَ لَـمَّا أسْـلَمُوا زُولُوا

لما فرغ من مدح النبي صلى الله عليه وسلم أخذ فى مدح الصحابة بادئا بالمهاجرين ومدح الأنصار بمنتهى البلاغة لما لم يذكرهم فتعطشت الأرواح لذكرهم وهم من زال المهاجرون إليهم وأنعم بهم من عاش الرسول والمهاجرون بين ظهرانيهم وواسوهم بالأموال والأولاد، لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب رضى الله عنه – طالبا التصريح بالأنصار - على ما حكاه السيوطي: "لو ذكرت الأنصار بخير فإن الأنصار لذلك أهل" فقال:

من سره كرم الحياة فلا يزل فى مقنب من صالحى الأنصار

ورثوا المكارم كابرا عن كابر إن الخيار هم بنو الأخيار

...

والبايعين نفوسهم لنبيهم للموت يوم تعانق وكرار

ومعنى البيت أن الرسول سيف مهند كائن ومبعوث فى جماعة من قريش فلما أسلموا اختاروا الهجرة من أحب البلاد إليهم من أوطانهم والخروج أحب البلاد إلى الله ليفوزا بدينهم والسيدة خديجة بنت خويلد زوج وحب الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبة السلام عليها من ربها ومن جبريل والمالكة لبيت من قصب بالجنة لا صخب فيه ولا وصب كانت أول من أسلم على الإطلاق أم جميع المؤمنين والمؤمنات والإمام على أول من أسلم من الشباب وسيدنا أبو بكر من الشيوخ رضى الله عنهم أجمعين.

وروي أن كعبا لما وصل إلى قوله : "إن الرسول لنور يستضاء به رمى صلى الله عليه وسلم إليه بردة كانت عليه .. ذكره ابن جماعة ، وذكر السهيلى أنه حين أنشد كعب إن الرسول لنور يستضاء به ... إلى قوله زولوا نظر عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه الكرام كالمعجب لهم من حسن مقوله وجودة شعره وكماله فى حاله وقال لهم اسمعوا . أخرجه الحاكم والبيهقي وابن عبد البر ويؤخذ من هذا الأمر الإجماع على استحباب الإجتماع لسماع هذه القصيدة لما اشتملت عليه من نعوت الحضرة المصطفوية وأوصاف أصحابه المرضية وغيرها من الفضائل البهية والشمائل السنية ومعرفة القواعد العربية والفوائد الأدبية إلى غير ذلك.

زالُـوا فـمَا زالَ أَنْكاسٌ ولا كُشُفٌ

عِـنْـدَ الِّـلقاءِ ولا مِـيلٌ مَـعازيلُ

أي هاجروا من مكانهم وانتقلوا عن أوطانهم مع قوة شجاعتهم وغاية فخامتهم فمنهم من ليس معه ترس ولا سيف ولا رمح فما بالك بمن معه هذه العدة إذ المحاربة فى أرض الغير أشق وأصعب.

شُــمُّ الـعَرانِينِ أبْـطالٌ لُـبوسُهُمْ

مِـنْ نَـسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرابيلُ

أي أنهم فى الناس ذوو رفعة وعلو مقدار وفى الحرب فى غاية الشجاعة ومنعة من السلاح وهم شم الأنوف وهى من الأوصاف الحميدة وقد جاء فى وصفه صلى الله عليه وسلم أنه كان أشم العرنين وأن فى أنوفهم شمم وارتفاع القدر مع مناف الشجعان وأن لبوسهم فى الحرب كانت من صنع الدروع وأمنعها من نسج داود النبي عليه السلام ولا شك أن دروعه أحكم الدروع صنعة.

بِـيضٌ سَـوَابِغُ قـد شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ

كـأنَّـها حَـلَقُ الـقَفْعاءِ مَـجْدولُ

إن دروعهم مجلوة صافية طويلة مشبكة الصنعة تداخل بعضها فى بعض أشد التداخل والصحابة ممدوحون لأنهم يديمون الحرب والتمرس لها لأن الحديد كلما استعمل انصقل وابيض ولم يركبه الصدأ وأنهم فى غاية القوة لأن الدروع إذا كانت طويلة تامة كانت أثقل ضراوة وحملها فى الحرب مع ثقلها يدل على الشدة والقوة وأضف إلى ذلك أن لهم اعتناء بآلة الحرب وعدته حيث لم يتخذوا منها إلا المحكم الصنعة العزيز الوجود.

لا يَـفْـرَحونَ إذا نَـالتْ رِمـاحُهُمُ

قَـوْماً ولَـيْسوا مَـجازِيعاً إذا نِيلُوا

إنهم إذا أصابوا وغلبوا عدوهم لا يفرحون لكثرة انتصارهم فأصبحت عادة لهم لا تقتضى الفرح لأن الفرح إنما يكون من الشيء النادر وإذا غلبوا منه لا يجزعون من لقائه ثانية لأنهم كثيروا الهمم وفيهم الصبر والجلادة على الحرب حتى النصر.

يَمْشونَ مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ

ضَـرْبٌ إذا عَـرَّدَ الـسُّودُ التَّنابِيلُ

يصفهم بامتداد القامة وعظم الخلق وبياض البشرة والرفق فى المشي وقارا وسؤددا ورسوخا فى أمر الحرب، ويحميهم من أعدائهم الفارين ضربهم الأعداء بالسيوف والرماح لا التحصن بالحصون والقلاع أو الاستعانة بجماعة ما.

لا يَـقَعُ الـطَّعْنُ إلاَّ فـي نُحورِهِمُ

ومـا لَهُمْ عَنْ حِياضِ الموتِ تَهْليلُ

لا ينهزمون فيقع الطعن فى ظهورهم بل يقدمون على أعاديهم فلا يقع أي طعن إن وجد إلا فى نحورهم وليس لهم تأخير عن حياض الموت بمضايقه وشدائده إذا تأخر غيرهم.

وكما بدأ القصيدة ببراعة استهلال بذكر الفراق فقد ختمها بذكر موت الاستشهاد الموجب للفوز فى دار البقاء ولا ارتياب عند أرباب الاشتياق فى أنه ليس بين الموت والفراق فرق.

فبلغ القصيد من الحسن أقصى غايته وانتهى إلى منتهى نهايته

جزى الله كعبا كل خير بأن بين لنا كيف نمدح نبينا فى المسجد فجرا بروضته - صلى الله عليه وسلم - بما يفرحه ويعجبه ويعجب جميع المهاجرين والأنصار والصادقين من أمته إلى يوم الشفاعة والميزان.

الفصل الثالث

باقى القصيدة

بـانَتْ سُـعادُ فَـقَلْبى اليَوْمَ مَتْبولُ

مُـتَـيَّمٌ إثْـرَها لـم يُـفَدْ مَـكْبولُ

وَمَـا سُـعَادُ غَـداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا

إِلاّ أَغَـنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ

هَـيْـفاءُ مُـقْبِلَةً عَـجْزاءُ مُـدْبِرَةً

لا يُـشْتَكى قِـصَرٌ مِـنها ولا طُولُ

تَجْلُو عَوارِضَ ذى ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَتْ

كـأنَّـهُ مُـنْـهَلٌ بـالرَّاحِ مَـعْلُولُ

شُـجَّتْ بِـذى شَـبَمٍ مِنْ ماءِ مَحْنِيةٍ

صـافٍ بأَبْطَحَ أضْحَى وهْوَ مَشْمولُ

تَـنْفِى الـرِّياحُ القَذَى عَنْهُ وأفْرَطُهُ

مِـنْ صَـوْبِ سـارِيَةٍ بِيضٌ يَعالِيلُ

أكْـرِمْ بِـها خُـلَّةً لـوْ أنَّها صَدَقَتْ

مَـوْعودَها أَو ْلَوَ أَنَِّ النُّصْحَ مَقْبولُ

لـكِنَّها خُـلَّةٌ قَـدْ سِـيطَ مِنْ دَمِها

فَـجْـعٌ ووَلَـعٌ وإِخْـلافٌ وتَـبْديلُ

فـما تَـدومُ عَـلَى حـالٍ تكونُ بِها

كَـما تَـلَوَّنُ فـي أثْـوابِها الـغُولُ

ولا تَـمَسَّكُ بـالعَهْدِ الـذي زَعَمْتْ

إلاَّ كَـما يُـمْسِكُ الـماءَ الـغَرابِيلُ

فـلا يَـغُرَّنْكَ مـا مَنَّتْ وما وَعَدَتْ

إنَّ الأمـانِـيَّ والأحْـلامَ تَـضْليلُ

كـانَتْ مَـواعيدُ عُـرْقوبٍ لَها مَثَلا

ومــا مَـواعِـيدُها إلاَّ الأبـاطيلُ

أرْجـو وآمُـلُ أنْ تَـدْنوا مَـوَدَّتُها

ومـا إِخـالُ لَـدَيْنا مِـنْكِ تَـنْويلُ

أمْـسَتْ سُـعادُ بِـأرْضٍ لا يُـبَلِّغُها

إلاَّ الـعِتاقُ الـنَّجيباتُ الـمَراسِيلُ

ولَنْ يُـبَـلِّغَها إلاَّ غُـذافِـرَةٌ فيها

عَـلَى الأيْـنِ إرْقـالٌ وتَبْغيلُ

مِـنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إذا عَرِقَتْ

عُـرْضَتُها طـامِسُ الأعْلامِ مَجْهولُ

تَـرْمِي الـغُيوبَ بِعَيْنَيْ مُفْرَدٍ لَهِقٍ

إذا تَـوَقَّـدَتِ الـحِـزَّازُ والـمِيلُ

ضَـخْـمٌ مُـقَـلَّدُها عَـبْلٌ مُـقَيَّدُها

فـى خَلْقِها عَنْ بَناتِ الفَحْلِ تَفْضيلُ

غَـلْـباءُ وَجْـناءُ عَـلْكومٌ مُـذَكَّرْةٌ

فــى دَفْـها سَـعَةٌ قُـدَّامَها مِـيلُ

وجِـلْـدُها مِـنْ أُطـومٍ لا يُـؤَيِّسُهُ

طِـلْحٌ بـضاحِيَةِ الـمَتْنَيْنِ مَهْزولُ

حَـرْفٌ أخـوها أبـوها مِن مُهَجَّنَةٍ

وعَـمُّـها خـالُها قَـوْدَأُ شِـمْلِيلُ

يَـمْشي الـقُرادُ عَـليْها ثُـمَّ يُزْلِقُهُ

مِـنْـها لِـبانٌ وأقْـرابٌ زَهـالِيلُ

عَـيْرانَةٌ قُذِفَتْ بالنَّحْضِ عَنْ عُرْضٍ

مِـرْفَقُها عَـنْ بَـناتِ الزُّورِ مَفْتولُ

كـأنَّـما فـاتَ عَـيْنَيْها ومَـذْبَحَها

مِـنْ خَـطْمِها ومِن الَّلحْيَيْنِ بِرْطيلُ

تَـمُرُّ مِـثْلَ عَسيبِ النَّخْلِ ذا خُصَلٍ

فـي غـارِزٍ لَـمْ تُـخَوِّنْهُ الأحاليلُ

قَـنْواءُ فـي حُـزَّتَيْها لِـلْبَصيرِ بِها

عِـتَقٌ مُـبينٌ وفـي الخَدَّيْنِ تَسْهيلُ

تَـخْدِي عَـلَى يَـسَراتٍ وهي لاحِقَةٌ

ذَوابِــلٌ مَـسُّهُنَّ الأرضَ تَـحْلِيلُ

سُمُرُ العُجَايَاتِ يَتْرُكْنَ الحَصَا زِِيَماً

لـم يَـقِهِنَّ رُؤوسَ الأُكْـمِ تَـنْعيلُ

كــأنَّ أَوْبَ ذِرَاعَـيْها إِذا عَـرِقَتْ

وقــد تَـلَـفَّعَ بـالقُورِ الـعَساقيلُ

يَـوْماً يَـظَلُّ به الحِرْباءُ مُصْطَخِداً

كـأنَّ ضـاحِيَهُ بـالشَّمْسِ مَـمْلولُ

وقـالَ لِـلْقوْمِ حـادِيهِمْ وقدْ جَعَلَتْ

وُرْقُ الجَنادِبِ يَرْكُضْنَ الحَصَى قِيلُوا

شَـدَّ الـنَّهارِ ذِراعـا عَيْطَلٍ نَصَفٍ

قـامَـتْ فَـجاوَبَها نُـكَدٌ مَـثاكِيلُ

نَـوَّاحَةٌ رِخْـوَةُ الـضَّبْعَيْنِ لَيْسَ لَها

لَـمَّا نَـعَى بِـكْرَها النَّاعونَ مَعْقولُ

تَـفْرِي الَّـلبانَ بِـكَفَّيْها ومَـدْرَعُها

مُـشَـقَّقٌ عَـنْ تَـراقيها رَعـابيلُ

تَـسْعَى الـوُشاةُ جَـنابَيْها وقَـوْلُهُمُ

إنَّـك يـا ابْـنَ أبـي سُلْمَى لَمَقْتولُ

وقــالَ كُـلُّ خَـليلٍ كُـنْتُ آمُـلُهُ

لا أُلْـهِيَنَّكَ إنِّـى عَـنْكَ مَـشْغولُ

فَـقُـلْتُ خَـلُّوا سَـبيلِي لاَ أبـالَكُمُ

فَـكُلُّ مـا قَـدَّرَ الـرَّحْمنُ مَفْعولُ

كُـلُّ ابْـنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ

يَـوْماً عـلى آلَـةٍ حَـدْباءَ مَحْمولُ

من هو كعب بن زهير ؟

كعب بن زهير ممن اشتهر في الجاهلية بانتمائه إلى مدرسة شعرية له فيها ما لم يكن لغيره ، إذ كان جده أبو سُلمى وأبوه وأخواله وإخوانه وبعض أبنائه وأحفاده وأعمامه وعمّاته الخنساء وسلمى شعراء جميعاً ، وهو من الفئة التي تنظم القصيدة في شهر ، وتهذِّبها وتنقِّحها في سنة ، حتى سُمِّيت قصائدهم بالحوليات ، وتكاد الحكمة تغلب على مضامين شعره وشعر أبيه قبله . ويروى أنه حين ظهر الإسلام هجا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأقام يتغزل بنساء المسلمين ، فهدر النبي دمه ، فجاءه مستأمِناً على حياته ، والنبي وأصحابه في المسجد عند صلاة الفجر ، وأنشد القصيدة التي أولها :

بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ مُتيّمٌ إثرها لم يفدَ مكبولُ

فأشار النبي إلى الناس أن يسمعوا القصيدة ، ثم كساه بردته إعجابا بالنص وتشجيعاً لكعب بوصفه شاعراً عالي الطبقة . ولو أعدنا قراءة اللوحة الافتتاحية الغزلية في القصيدة ، وتوصَّلنا إلى مسك صور مفاتن سعاد التي بثها فيها ، لكان لزاماً علينا الالتفات إلى مقارنة مضامينها مع أفكار دارت هي أيضاً في فلك ظروف إنشاد النص نفسه :

- خبر تشبيب كعب وتغزله بنساء المسلمين قبل إسلامه ، وتوافق المضمون الذي أهدر دمه بسببه مع مضمون الغزل في افتتاح قصيدة الاعتذار التي جاء بها الآن

.

- وقت إنشاد القصيدة الفجر ، حين يؤدَّى طقس الصلاة المقدس

- جمهور مستقبلي النص ، الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة

- مكان إنشاد النص ، المسجد بيت الله

ونحن هنا لسنا في حاجة إلى إعادة صياغة عبارات الأقدمين ، وآراء المحدثين فيما يخص نمط الرسوم التقليدية التي استقرت عليها القصيدة العربية القديمة منذ افتتاحها بالوقوف الباكي في الطلل ومروراً بوحدات تُوصِل إلى الغرض الأصلي لها حتى انتهائها بتلاوة معاني الحكمة والإرشاد ، إذ أننا لو أذعنا، كما أذعن بعض النقاد ؛ قدامى ومحدثين ، إلى أن الوحدات التي تسبق لوحة غرض القصيدة الأصلي لا ارتباط لها في الغرض ، وإنّ كل لوحة في القصيدة ذاتها تجئ بمعزل عنه ، لصار لزاماً علينا أن نصدِّق إن وصف كعب بن زهير لمحاسن سعاد وتغزله الحسي بجمالها بمرأى الرسول ومسمعه هو مضمون قائم بذاته ، ومنفصل تمام الانفصال عن المضامين اللاحقة في القصيدة ، أو أن ننتهي كما انتهى ابن قتيبة في تحليله القائم على عمدية الشاعر في إشهار معاني التشبيب بقصد استحضار جوٍّ نفسي ، و نقتنع في أن بث هذه الأوصاف في النص ثم إشاعتها أمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة لا تجئ إلا بقصد التشويق وإثارة اهتمام المتلقين ، ويمكن أن يأتي أحد هذين التأويلين أو كلاهما متّسقاً تمام الاتساق مع المضمون الذي قال فيه كعب بن زهير حين تغزل بنساء المسلمين وأهدر الرسول دمه بسببه ، ويُظْهِر بالتالي تناقضاً مكشوفاً في طريقة تعامل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه في الموقفين كليهما ، فتارة يعاقب وأخرى يكافئ . لكنّ قراءتَيْ النص ؛ الشكلية قائمة (على جعل الغزل منفصلاً عن باقي القصيدة) ، والنفسية قائمة (على جعل الغزل مدخلاً يهيئ نفوس المتلقين لاستقبال القصيدة) تفصلان النسج الفكري الذي يربط سداه ولحمته ، وتجعلان المضمون الغزلي القائم على الحسيَّة مضموناً أدائياً يؤدي معنىً جمالياً عند المتلقين بوصفهم الإنساني المتماثل في الميل إلى مفاتن المرأة ووصالها بصرف النظر عن أن يكون المتلقي نبياً يمتلك أداة تمايز أو ثقافة فاصلة تبرر الفوارق بإرغامها مختلف الثقافات أن تتحدد بمدى ابتعادها عن الثقافة السائدة ، أم إنسانا آخر يحمل وعياً وثقافة سائدة مساهِمة في خلق تكتل ثقافي وهمي لأفراد المجتمع ، تعمل على تبرير نظام ثقافي غير قائم على فروق تبرر المراتب وتعمل على إنتاج ثقافة سائدة في مفعولها الأيديولوجي ، وذلك بتغليف وظيفة التقسيم الثقافي وإخفائها تحت قناع وظيفة توصيل واستقبال متماثلة .

وقبل ذلك كله ، يحسن بنا أن نتنفس الجو الثقافي المحيط بالعملية الشعرية في عقود سبقت هبوط الوحي، والتي لن يغيب عنها التقاء الشعراء ببعضهم في أسواق أدبية ومجالس تتسع وتضيق ، لتكون مثل المنتديات الأدبية في عصرنا الحاضر ، ينشد فيها الشعر ، ويحكم عليه بالرضا والقبول تارة ، وبالرفض والاستهجان تارات أخر ، وذلك نشاط لا يخلو أيضاً من نقود صالحة وسليمة تدفع الشعراء للأخذ بها ، وإن كانت بعض هذه الآراء خاضعة للأهواء الذاتية والميول الانفعالية والانطباعية ، لكنها بالتالي مثّلت درساً نقدياً سارت عليه العملية الأدبية شعراً ونثراً وبدا هذا النشاط الأدبي في حياة الثقافة عند عرب ما قبل الإسلام متداخلاً مع نشاط فكري يتأمل في الكون وفي الوجود وفي الخلق وفي الحياة والموت ... لم تكن مُكوّنات الديانات الإبراهيمية واليهودية والمسيحية فيه بعيدة عمن يتمعن في قراءة الفكر الديني في ذلك الزمن، وسيستنتج أن نشاط العقل الديني لم يكن دون مستوى نشاط الذوق الشعري والنقدي أبداً ، إذ كثيراً ما اختلط هذان النشاطان عند أعلام الثقافة والفكر وقتئذ . فأمية بن أبى الصلت الشاعر هو نفسه الحنفي الذي تمنّى أن يكون هو نبي الأمة بدل محمد ) صلى الله عليه وآله وسلم) ، وزهير بن أبي سلمى الشاعر هو أيضاً ، وورقة بن نوفل الحنيفي هو شاعر نفسه داعية السلام والمصلح والحكيم ، وجمهور الصعاليك الذين خرجوا على القبيلة وعلى نظامها هم أنفسهم الذين تفاءل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بجهادهم لاحقاً فهم ثوار وهم متمردون وهم شعراء . وبين أيدي الباحثين اليوم أخبار وروايات من هذا القبيل

تشكّل أمثلةً تفوق إمكانية العرض في دراسة مركّزة ، وتمنحنا كثرتُها عذراً نتجاوز به حصرها ، وتتيح لنا القول : أن جوهر ثقافة العقود القليلة الوسيطة بين الجاهلية والإسلام كانت حافلة بنمط نقدي على الشعر لم يُنَظَّر في مناهج واضحة ، بل سلك اتجاهات تتراوح بين نظرات ذاتية قائمة على مقولات انفعالية آنيّة ، وبين نظرات موضوعية ناظرة إلى النص الشعري بوصفه نصاً مبنياً على وحدة شكلية ، أو وحدة نفسية ، أو وحدة موضوعية قد لا يستبعد منها فهم رمزي أو تفسير عقيدي ، وتماثل الجميع في مجمل هذه النظرات دون أن يُصَرَّح بها باعتبار أن نموذج الإنجاز الشعري المطروح بين أيديهم يتضمن خبرة المنشئ والمتلقي المشتقة من إجراءات تداول النص الشعري عبر الأجيال على حد سواء ، وتنجم عند المتلقي خبرة جمالية يساعد تراكمها في الحصول على بصيرة في الخبرة المكتسبة .

ولاريب أن ثقافة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) السماوية جاءت بعد نزول الوحي ، أما قبل هذا الحدث فقد كانت ثقافته من الأرض وجذوره المعرفية متصلة بالواقع البشري ، إذ أنه حين سئل عن زيد بن عمرو بن نفيل ، وهو من أبرز الأحناف ، قال إنه يبعث أمة وحدها ، وكان يتعبد في الجاهلية ، ويطلب دين إبراهيم الخليل ، ويوحد الله ويقول إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم 0. فهو ابن البيئة والثقافة نفسها التي كوَّنت أبناء جيله ؛ شعراء ، ومتذوقي شعر ، ودعاة إصلاح ومتمردين ، ومتنبئين ، وأحناف ، ومتدينين ، وهو وإن كان أكثرهم تأملاً في الخلق وفي الكون وفي الوجود وفي الموت والحياة والإرادة والخير والشر ... إلا أنه لم يكن منقطعاً تمام الانقطاع عن ثقافة عصره ، ولا منعزلاً عن جوهر النشاط الأكثر تطوراً من سائر الثقافات في الجاهلية (اللغة والشعر) والذي سيتحدى به بأمر الله أبناء جيله بعد زمن قصير ، إذ ليس معقولاً أن ينشأ ناقص الخبرة بإزاء استقبال الفن الذي سيُتَّهم بأنه قد نبغ فيه (إنه شاعر أو مجنون) ، بل لابد أن يفوق السابقين والمعاصرين واللاحقين إلى يوم الدين في مستوى الصياغة ومستوى التفسير والتحليل والتأويل ، وفي ضوء ذلك كله لابد أن تنطوي ثقافته على فهم إستراتيجيات رمزية تحاكي ما يرتبط بدلالات الأقاويل الظاهرية ؛ شعرية كانت أم نثرية، ويمتلك معطيات فنية تمنحه قدرة على التنبؤ المرتبط بالعبارات والأحكام الخطيرة حول المسائل المهمة .

إن فترة الانقطاع التاريخي عن حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في عمره السابق للإسلام أحدث فجوةً في معرفة مجرى تطور ثقافته ، ولذلك شهدت الدراسات المتعلقة بتحليل شخصيته الثقافية نوعاً من الانتكاس . فالصورة التي رسمها الاخباريون وأصحاب السير عن حياته قبل الوحي لم تكن واضحة ، إذ أنها مطموسة في كثير من النواحي، والذي رواه المؤرخون لا يتعدى الناحية الخلقية والتسيير الإلهي الذي حظي به ، أما الناحية الدينية والفكرية والثقافية والميثولوجية فليس فيما نقلوه شيء يذكر عنها . بيد أن غياب الشواهد النقلية يدفعنا إلى الاتّكاء على شواهد عقلية تبين أن ثقافته قبل الوحي لم تكن محددة ، وأن حياته لم تكن خالية من الاتصال بأفراد وجماعات من مختلف الاتجاهات الفكرية والدينية والثقافية ، يحمل بعضهم ثقافات متفاضلة مع ثقافة البعض الآخر أو متناقضة أو متماثلة ، وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) تعايش زمناً طويلاً مع التصورات الوثنية والأفكار اليهودية والمسيحية بشأن وجود العالم ، وشهد الجدل الشائع في مسائل الخلق والألوهية والبعث والقيامة ، والنبوة أيضاً، وقد فسر الطبري قوله تعالى {وَلَقَد نَعْلَمُ أَنَّهُم يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ اّلذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌ مُبِيْنٌ } تفسيراً يؤيد وجهة نظرنا فالنفي الاستنكاري الوارد في الآية لم يكن موجهاً باتجاه أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يحاور أو يجادل ويأخذ من الآخرين ، بل هو رفض لنفيهم نزول الوحي وقد سمّى الطبري الأفراد الذين كان الرسول يتعلّم منهم ويتعلّمون منه قبل الوحي ، فهم : بلعام وهو أعجمي ، ويعيش وكان يقرأ ويكتب ، وجبر ويسار وهما غلامان يقرآن التوراة ، وسلمان الفارسي، وعبد ابن الحضرمي وهو صاحب كتاب .

وعلى الرغم من أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) اتهم بأنّه كان يعتمد في نظم القرآن على قوم آخرين، وان آياتٍ نزلت في تأييد إيمان بعض أهل الكتاب بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإن القرآن دفع تهمة اعتماد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبرسالته واندماجهم بدعوته على الأنس والجن في نظم القرآن ، لكنه لم ينفِ دعوى اتصالات الرسول ) صلى الله عليه وآله وسلم ( ومصاحباته لبعض أهل الفكر وأصحاب الديانات ، والذي يبدو أن الكفار لم يكونوا ليقولوا ما قالوه لو لم يروا أو يعرفوا أنه كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حلقة أو رفاق يجتمعون إليه ويجتمع إليهم ويتحدثون في الأمور الدينية ، وليس من المستبعد أن هذا قبل البعثة ثم أمتد إلى ما بعدها . وحين أتهم المشركون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه يستمد قوة نسج القرآن وعمق دلالاته وفصاحته من الجن والشياطين التي ترافق العمل الإبداعي في الشعر ، فإنهم يستمدون فحوى هذه التهمة من أمرين ؛ أولهما : إن هذا الكلام جاء منظوماً بصياغة تفوق صياغة البشر ويرقى إلى النتاجات الراقية التي تتصل بشياطين الشعر كما يزعمون ، وثانيهما: أنهم يرون أن النبي الكريم ) صلى الله عليه وآله وسلم ( نفسه لم يكن ببعيد عنهم ، وأنه يتساوى معهم في معرفة الافتراضات الثقافية القائمة على تراكم المعلومات المتوافرة من حيث المضامين والأشكال ، وهو مرشح عندهم بأن يكون من الفئة التي تتأمل في الكون والخلق والوجود ، وتمتلك قدرة على تفهم سلطة النص الشعري والمقولات النقدية بآن ، من جهة أخرى . ولذلك ، فإنه حين قدم سويد بن الصامت مكة حاجاً أو معتمراً ، وأن النبي تصدى له ودعاه إلى الإسلام ، قال سويد: لعل الذي معك مثل الذي معي ، فقال النبي : وما الذي معك؟ قال سويد مجلة لقمان ، يعني حكمة لقمان . فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : اعرضها عليّ ، فعرضها عليه سويد ، فقال : إن هذا الكلام حسن ، والذي معي أفضل منه ، قرآن أنزله الله عليّ .

وإذا كان هذا هو حال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حين يتعاطى الفكر ويمارس التّديُّن ، فإنه ليس ببعيد عن هذا المنهج وهذا السلوك حين يتلقى الشعر ويتعاطى النقد بفعّالية ذهنية تنهمك بعمق في معرفة عناصر العمل وأشكاله الموضوعية، ثم تميل إلى نبذ. تلك الأشكال ، وتتعالى عليها بمعرفة مركزية مهمة . ففي بانت سعاد ، تجاوز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مادية العمل وجزئيته ، وحضرت في ذهنه قدسية ورؤية صوفية من خلال إذعانه لوعي متأصل وخصب وفعّال ولّدته القصيدة فشغل الواجهة الأمامية ، واتصل بوضوح بعالمه النبوي الخاص وبموضوعات الرسالة التي هي موضوعاته . ولذلك فإن تلقيه مقطع الغزل يفارق تلقينا نحن الآخرين ) .نحن نستقبل المعنى القريب الذي يفصح عن سرورنا نحن بصوت سعاد الغَنِج المُثير (أغنّ) ، وعن سحرنا بحور عينيها الأخّاذ غضيض (الطرف مكحول) ، وانغماسنا بإقبالها الشهي هيفاء (مقبلة) وإدبارها الفتّان (عجزاء مدبرة) وانبهارنا ببريق أسنانهــا (تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت) ، وارتمائنا في عطر فمها الشذي كأنه (منهل بالراح معلول) . وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من سجن وعي الشاعر ، وكشف أن تأثره بالنص إنما هو بيِّنة على حضور المعنى الرمزي وليس الشعري ، واستجابة لنقطة معينة منه ربما كانت عند الآخرين ليست مكوناً له ولذلك فإن زحزحة الانتباه من القصيدة باتجاه الرسول)ص( بقصد اتخاذ معرفته وسيلة لإنتاج نوع جديد من التحليل ، ينبغي أن ينظر إليه على أنه جزء من عمليات أوسع في النقد الناظر إلى هذه القصيدة والذي يشتمل على محاولة لمعرفة ثقافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الوحي بشكل خاص . فالشاعر رسم في القصيدة قطبين :

قطب فني جمالي يرتبط بأصول الشعر الجاهلي ورسومه الكلاسيكية بصورة مساوية لكمال ما تمّ فعله في الشعر الجاهلي من قبل ، وخلق علاقة شكلية مباشرة بين مضمون النص وحياة صانعه . وقطب رمزي فكري يشير إلى الإدراك الذي أُنجِز في ذهن الرسول ) صلى الله عليه وآله وسلم) فوازن بين دوافعه في هجر الأخلاق القديمة ورغبته في تبني منهج الإسلام بطريقة تلقّي لا تغيب عن القصيدة نفسها . وبذا جاءت صور مفاتن سعاد المثيرة لتعبر أولاً عن الاكتمال الجمالي فيها ، وترمز ثانياً إلى المتعة واللذة التي تمنحها الجاهلية لمعتنقيها بلا حدود ، وغدت سعاد تعادل الجاهلية ، وأصبحت المقدمة الغزلية مكاناً للنظام الفني المتبع ، ولخلق التوازن في إشاعة القيم الجديدة بشكلٍ مرمز . وبدا ليس عسيراً إدراك الرمز الماثل في ذهن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والقائم على مبدأ الربط الطبيعي بين الدال والمدلول ، وعلى توافق قياسي أو تداعٍ يربط بين أفكار العالم الفيزيائية المحسوس في النص التي يرفضها الرسول (ص) (التغزل بسعاد) ، وبين أفكـار تنتمي إلى عــالم المعنويــات (الجاهلية،) وهو) ص) مرسل لمحاربتها وعلى وفق هذا التلقي انتزع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اعترافاً مرمزاً أيضاً من الشاعر في المسجد ، أمام الصحابة ، وقت الصلاة بعدم جدوى الاستمرار في ممارسة ما تبيحه سعاد = (الجاهلية) من شهوات بلا حدود :

أخالها خلّةً لو أنها صدقت موعودَها أو لو أنّ النصحَ مقبولُ

لكنها خلةٌ قد سِيطَ من دمهـا فجعٌ وولعٌ واخـــلافٌ وتبديــــــلُ

فلا يغرنْكَ ما منّت ومـا وعدتْ إن الأمـــاني والأحلام تضليــلُ

وسُرَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لشهادة كعب في أن ما منّته به طيلة حياته كان وهماً زائلاً وأباطيل وأكاذيب غرّت به الناس وبهرتهم زمناً طويلاً :

كانت مواعيدُ عرقوبٍ لها مثلاً ومــــا مواعيدُهـــا إلا الأباطيل

إن الرسول ) صلى الله عليه وآله وسلم) تجاهل عناصر العمل الموضوعي في المقدمة الغزلية ورفع نفسه إلى مستوى إدراك ذاتية تكشف نفسَها لنفسِها في تعاليها على ما ينعكس في ظاهر النص . فبفعاليته الذهنية وليس العاطفية ، أدرك أن نفس كعب انقطعت عن مفاتن الجاهلية = (سعاد) ومغرياتها بوصفها منهجاً سيئاً ، وأن هواه لم ينقطع في أصحابه الباقين على الشرك ، فترك فيهم قبل رحيله عنهم وصية للانتهاء من الغيِّ والقطيعة مع الآلام ، والانضمام إليه في العاجل ، وهي دعوة تنسجم مع مطامح الرسول ) صلى الله عليه وآله وسلم)

أرجو وآملُ أن تدنو مودّتها ومـا لهنّ طوالَ الدهر تعجيــلُ

ويتحقق للبنية الفنية الكلاسيكية منطلقُها العفوي في النص عند الانتقال من مقطع الغزل إلى مقطع الرحلة ، ويتحقق فَهْمُ الرسول حين يعبِّر هذا الانتقال عن موقف دال بصدد مشكلة تتعلق به (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالفكر الجديد الذي يصارع فكراً قديماً ، وغدا يأس الشاعر من معايشة سعاد = (الجاهلية) حافزاً إلى مواجهة الواقع الذي يعيشه، واشتمل من الناحية الذهنية على الاتساق الرمزي الممتد في نسج القصيدة والوحدة الموضوعية فيها . وانفتح أفق القصيدة لاستقبال صورة الناقة التي تغدو وسيلة الشاعر وأداته الشاخصة للتحول من حال إلى حال (من الشرك إلى الإيمان) ، فكان لها أن تفوز من جهده ما يمنحها سمات القوة والصلابة والصبر .

يحدثنا التاريخ أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين وصل إلى المدينة ركب ناقته وأرخى لها الزمام ، فجعلت لا تمر بدار من دور الأنصار إلا دعاه أهلها إلى النزول عندهم، فيقول لهم (صلى الله عليه وآله وسلم) : خلّوا زمامَها فإنها مأمورة ، حتى انتهى إلى موضع مسجد المدينة اليوم فبركت فيه ، فأمر أن يُبنى المسجد

كانت التفاتتُه ) صلى الله عليه وآله وسلم (واعية في جانبين؛ اجتماعي يخرج فيه من حرج مفاضلة الإقامة في بيت من بيوت الأنصار دون سواه ، وفكري يلامس ما يعرفه في عقلية العرب من احترام للناقة راسخ في اللاشعور الجمعي الذي يقدِّسُها بوصفها معبوداً طوطمياً .

ولذلك فإنه حين يستقبل قول كعب:

فقلتُ خلّوا سبيلي لا أبا لكمُ فكلّ ما قدَّرَ الرحمنُ مفعولُ

فهو يقوم بدور الاشتراك في إبداع الفكرة التي يحملها البيت ، والمرتبطة بمقولته السابقة خلّوا زمامَها فإنها مأمورة ، ويستكمل في ذهنه جزءاً غير مكتوبٍ في البيت ، لكنه جزءٌ موجودُ ضمنياً ، يلاقي فكرة الإيمان الإيجابي بالقدر التي أشاعها الفكر الإسلامي في العصور اللاحقة.

والخلاصة : فإن إعجاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وانبهاره بهذه القصيدة متأتٍ من أن معاني العمل كلها تمثّل تجربة في ذهنه وليست موضوعاً ، فتعامل معها بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع تجاربه الثقافية ، وتَشَرّبَ بطريقة أو بأخرى المُعطى الرمزي في النص وشيّده بفكره الخاص ، وحوّل تجربته في التأويل إلى شكل مقبول دينياً اتضح فيه أنه طوّر أسلوباً نقدياً معيناً في التعامل مع النصوص ، وترك بصماتِه على جوانب الفكر والثقافة بما في ذلك أفعال التأويل النصي التي تكشف عن نمط الإلهام الإلهي وعن هويته الثقافية التي شكّلت تعبيراته المعرفية الدائرة حول العالم والتي بثّها في أحاديثه الشريفة في حياته الإسلامية .

وبانت سعاد هي أيضاً تملك معنى ترميزياً يمكن أن يحدث في ذهن المتلقي ، وأن ثقافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي التي منحته الاستجابة للتأويل وفهم الرمز ، بمعنى: أن تجربة الرسول الفكرية جاءت استجابة لمقاصد المؤلف التي تجسدها سمات النص الشكلية ، فالنصوص لا يقرؤها القراء وإنما يكتبونها ما دامت سمات النص الشكلية ومقاصد المؤلف التي تتعهد تلك السمات بتمثيلها استراتيجيات القارئ التأويلية متوافقة على نحو متبادل0

(منقول)

القرآن الكريم
القرآن الكريم مقروءا
ترتيلات القرآن الكريم
تسجيلات نادرة القرآن الكريم
نور النبي
رسول الله في أعين محبيه
رد الشبهات عن رسول الله
آل بيت رسول الله
صحابة رسول الله
أضف لمعلوماتك الإسلامية
المنتدى الإسلامي
البحث في الملفات
 
البحث في المقالات
 
السيرة النبوية
مقروءة
مسموعة
نور النبي
المكتبة الإسلامية
الكتب والبحوث
التسجيلات الصوتية
التسجيلات المرئية
نور النبي
المرأة والطفل
نصائح ذهبية
إيمانك يا مؤمنة
علمي طفلك الإيمان
نور النبي
Facebook
صفحة موقع نور النبي

صفحة فضيلة الشيخ
أبوهاشم الشريف
نور النبي
انت الزائر رقم 6303216
أخبار الموقع عن الموقع اتصل بنا رد الشبهات عن رسول الله آل بيت رسول الله الرئيسية
Powered By Ray-IT - All Rights Reserved 2006